‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحلام مستغانمي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحلام مستغانمي. إظهار كافة الرسائل

شوكولا الأدب.. وقلَّة أدب الشوكولا

لم يحصل في الماضي، أن طالبتُ زوجي بطبق الـ(OSSO BUCCO )، إلاّ وأسرع بي إلى مطعم إيطالي، لعلمه أنني حتماً حبلى بصبيّ.
وفي السنوات الأخيرة، ما أضفت إلى قائمة المشتريات اليومية للبيت كلمة "شوكولا" حتى استنتج أنني أنتظر رواية، بعدما أصبحت الشوكولا أحد أعراض "وَحَمِي الأدبيّ". هكذا، اعتاد مع إحضاره الخضار واللحم والحليب وصابون الجلي ورغيف الخبز الافرنجي، أن يحمل لي لوحاً من الشوكولا، يضعه كلّ صباح على مكتبي كي يزوّدني بمحروقات الكتابة ووقودها، مضيفاً وردة "غاردينيا" يقطفها من حديقة البيت، ضاحكاً حتماً في سرّه، لكوني الزوجة التي لا يُكلِّف إسعادها شيئاً يُذكَر.
الواقع، أنّ مزاجي لاتتحكّم فيه إلاّ الشوكولا، وسعادتي مرهونة بطعمها الأسود المرّ. وبرغم كوني سافرت كثيراً إلى سويسرا، وأهداني الأصدقاء أفخم أنواعها، لم أتنكّر يوماً لشوكولا طفولتي. وكانت بسيطة سوداء، في لوح من أصابع عدّة، لم نكن نعرف غيرها، ولا نحلم بسواها مكافأة عند عودتنا من المدرسة.
ولأنّ شهيتي للكتابة تزداد في شهر رمضان، حدث أن أفطرت وتسحّرت على الشوكولا وعلى حبّات تمر وشيء من الحليب، ومازلت أذكر زمن كتابتي "عابر سرير". فقد كنت أضع زادي من الشوكولا على مكتبي، ولا أُغادر غرفتي إلاّ ساعة الإفطار لأسأل زوجي سؤالين: "هل عثروا على أسامة بن لادن؟". فيُجيب "لا".. و"هل تزوّج الحاج متولِّي بزوجة جديدة؟"، فيردّ "نعم". وبعدما أكون قد اطمأننت إلى مصير الأُمّة العربيّة.. أعود لأوراقي لأطمئن على مصير أبطالي.
منذ فترة عادت الشوكولا تتحكّم في مزاجي الروائي، واحتجت إلى مزيد من "بَلْوَتي السوداء"، بسبب انهماكي هذه المرّة في كتابة روايتين في الوقت نفسه، كلّ هذا وسط زحمة أسفاري وهروب شغّالتي، وورشة البيت الذي أعدت "نفضه" عن بكرة أبيه. لن أقول لكم أكثر، فأنا أحب أن أضع مولودي سرّاً على طريقة القطط، وكالقطة أقضي مدّة ما قبل الوضع "حايصة" أبحث عن مكان دافئ وصغير يليق بحميميّة الولادة. حتى إنني كثيراً ما حلمت بوضع مولودي الأدبيّ في غرفة شغّالتي، بينما لم تحلم القطط سوى بوضع صغارها في مكتبي، حتى إنّ قطة كانت في بيتنا، راحت تُجرِّب تارة سريري، حيث أكتب، وتارة جوارير الخزانة، كلما تركت أحدها مفتوحاً. وفاجأتها مرّة وهي تنام على فرو كنت أخبئه أعلى الخزانة، ولم أفهم ما بها، حتى فاجأتني بوضع صغارها الخمسة في سريري.
وأعتقد أنَّ البركة حلّت يومها في مكتبي، عندما تحوّل على مدى أسبوع إلى حضانة للهررة، واستحققت عن جدارة لقب "أُم هريرة"، الذي كان يُداعبني به زوجي، أو "بريجيت باردو الحي"، كما كانت تُسمِّيني أخته، قبل أن يمنعني مواء القطة وصغارها من العمل.. أو النوم، فأضطر إلى نقلها وإيّاها إلى مكان آمن في الحديقة، وأعود لكتابة "فوضى الحواس".
ربما عدت، لأحدثكم ذات مرّة عن علاقة المبدعين بالقطط، وكذلك بالشوكولا التي يبدو أنها تركت بصماتها السوداء على بعض النصوص الأدبية. ولأنني بُليت بها فأنا لا أنفك عن ملاحقة أخبارها. وقرأت مؤخراً عن مؤتمر طبي خُصِّص لدراسة فوائدها ومصائبها، وكنت أعرف لها قبل ذلك فائدة أكّدها المؤتمر، مساعدتها على التغلُّب على الشجون العاطفيّة. فكثيراً ما نصحت صديقاتي بتناولها أثناء القطيعة والمآسي العشقيّة، لأنها تمنحنا مزاجاً جميلاً، وتُساعدنا على مقاومة الكآبــة، والإحباط العاطفي. الخبر الجديد هو اختراع لصقة جلدية تساعد على تقليل الرغبة الْمُلحّة في تناول الشوكولا، (ورغبات أُخرى تنتاب مُدمنيها). الدليل: خبر من كولومبو نقلته الصحف عن قرد في حال هياج جنسي، أثار الذعر في بلدة وسط سريلانكا. بعدما أخذ يهاجم إناث القطط والكلاب، ويُطارد الفتيات، ويتحرّش بهنّ، وذلك حسب تفسير مَن رأوه، بسبب الشوكولا التي كان يتغذّى عليها ويسرقها من المتاجر.
ولا حول ولا قوة إلاّبالله.. أدركوني بلصقة مضادة لهذه الشوكولا الملعونة.

الوقت المناسب

كثيراً ما راودتني الرغبة في التوقُّف عن كتابة هذه الصفحة. كما مع كل سيجارة، تُراود الْمُدخِّن الرغبة في الإقلاع عن التدخين. غير أنّ المدخن وجد مَن يحذره من خطورة التدخين على صحته. بل وإرعابه، كما في فرنسا، بكتابة هذا التحذير على علبة السجائر نفسها، بخط أحمر كبير. يُعادل حجم حروفه حجم حروف عنوان هذا المقال. حتى إنّه يغطي ثلثها. ولمزيد من الإرهاب اختصر التحذير في كلمتين (Fumer Tue). بينما لا أحد تطوّع ليكتب على الصفحات البيضاء، التي يجلس أمامها الروائي والشاعر، ليكتب مقاله الأسبوعي "الصحافة تقتل"، على الرغم من إدراك الجميع، الكاتب كما القارئ كما رئيس التحرير، أنّ الصحافة تغتال الإبداع. وأنّ في هاجس المقال الأسبوعي الذي لا يكاد ينتهي منه صاحبه، حتى يجد نفسه أمام "واجب" المقال المقبل، إجهازاً على الحالة التأمُّليّة التي يحتاج إليها كل عمل كبير، وإطفاء للحريق الذي لا إنجاز إبداعياً من دونه.
بعض كبار الكتّاب، أدركو باكراً أنّ الكتابة الأسبوعية لا توفر شروط الإبداع للكاتب، وتشوش أفكاره، وتؤثر في جودة عمله ونوعيته. وهي قبل هذا وذاك. تَشغل الكاتب عن واجبه التأملي. فالكاتب وحده يدري أنه "لا يكفي عُمر واحد لتأمُّل شجرة". فما بالك لتأمُّل هذه الغابات والأدغال التي نحن محكومون بالعيش فيها، التي يقع على قلمه مُهمَّة وصف تماسيحها، وأُسودها، وقُرودها، وحشراتها. كما طيورها وصقورها وفراشاتها وزهورها البرية.
في كلّ موسم أدبي ومع صدور الأعمال الروائية في فرنسا، وإعلان ترشيحات الجوائز الكبرى التي تحوم حولها دائماً أسماء عربية، يتردّد طرحها على السوق، لجدارتها، وأحياناً لسبب آخر. ثمَّة قاسم مشترك بين معظم هؤلاء الكتّاب، هو تفرّغهم لعملهم الأدبي وهجرانهم الصحافة، بل وتطليقها ثلاثاً.
أمين معلوف لم يكتب مقالاً منذ ثلاثين سنة. مذ كان يعمل مع زوجي في جريدة "أفريك آزي" الفرنسية فيالسبعينات. وقع في شرك الرواية عندما طُلب منه كتابة تحقيق عن تاريخ الحرب الصليبية، أفضى به البحث إلى سحر التاريخ، وصنعت منه موهبته وذكاؤه في توصيف الأحداث التاريخية واحداً من أكبر روائيي العالم. ما كاد ينجح عمله الأوّل حتى استقال من المجلة، مُسرّاً لزوجي بأنه لن يكتب بعد الآن مقالاً حتى لو دُفع له مقابله عشرة آلاف فرنك فرنسي.
كان في إمكانه الاستناد إلى ناشره الذي، ككل الناشرين في فرنسا، يُقدِّم مبلغاً شهرياً محترماً للكاتب الذي يراهن على نجاحه، مقابل التزام الأخير بإنجاز عمل كل سنتين على أبعد تقدير.
بينما تبدأ مصيبة الكاتب العربي مع الناشرين، حين ينجح. وعندما يقع في ضربة حظ على ناشر أمين لا يَسرق حقّه ولا يطبع أكثر ممّا يُصرَّح له به. يقع الاثنان في مخالب قراصنة الكُتب الذين يتربّصون بكل كاتب ناجح، فيعيدون إصدار كتبه في طبعات مقرصنة في كل البلاد العربية، سارقين حقّه وجهده. واثقين بعدم قدرته على ملاحقتهم.
إبراهيم الكوني في انهماكه في كتابة ملاحمه الروائية، يرفض حتى الاطِّلاع على الصحف. فما بالك بالكتابة فيها. فالرئيس القذافي يرعاه شخصياً، مُراهناً على قلمه لتجميل صورة ليبيا في المحافل الأدبية. كذلك الجزائرية آسيا جبار المرشحة لـ"نوبل" الآداب، ومثلها ياسمينة خضراء، الضابط الجزائري السابق، الذي طلّق كل شيء ليتزوّج الرواية. لكن أعود وأتذكّر امبرتو إيكو، المفكر الإيطالي الْمُبهر، صاحب "الاسم الوردة"، الذي جاء متأخراً إلى الرواية، حين يقول "أنا راوي قصص أُصلح أُسلوبي بكتابة المقالات. على عكسه، أكاد أقول إنني روائية أفسدت لغتها وشاعريتها بكتابة المقالات، على الرغم من محاولتي توظيف هذه الصفحة لمواكبة فجائع هذه الأُمة، وتمرير رسائل مباشرة لا تصلح "الرواية" ساعي بريد لها. إنني كيوسف إدريس، الذي سُئل: "لماذا هجرت القصّة إلى المقالات الصحافية؟". فأجاب: "لا يمكنني أن أجلس لكتابة قصة بينما النار تشتعل في ستارة الغرفة!". كان للرجل أولويات مختلفة عن نجيب محفوظ. لهذا سرق منه هذا الأخير جائزة "نوبل". ذلك أنه لم يكن من الفطنة، ليُدرك أنّ الصحافة "مملكة الأشياء سريعة الزوال"، ولا استفاد من نصيحة همنغواي الذي عمل سنوات مُراسلاً حربياً، ثــمّ غادر الصحافة إلى عرش الرواية، التي أوصلته إلى "نوبل"، مُصرِّحاً "إنّ الصحافة مُلائمة للروائيّ، ولكن عليه أن يعرف كيف يتركها في الوقت المناسب".
كلُّ ذكاء الروائي في التعرُّف إلى الوقت المناسب حين يحيـن!

سيِّد التفاصيل

قلت للراحل الكبير مصطفى العقاد ذات مرة إنني أحسده على غليونه، لاعتقادي أنه مدين له بكثير من أفكاره، وبذلك الهدوء الظاهري الكاذب الذي يُخفي عن الآخرين غليانه الداخلي كمبدع.
سقط غليونه في بركة دمه. لن نعرف أيّة فكرة كانت تراوده وهو يسحب منه نَفَساً، ما ظنّه سيكون الأخير.
هو سيِّد التفاصيل، والأشياء التي تتكلم سينمائياً أكثر من أصحابها. أذكر تلك اللقطة التي تقع فيها النظارة الطبية لعمر المختار على الأرض، معلنة نهاية "أسد الصحراء"، وسقوطه على أيدي من قضى عمره في التصدي لهم.
تُراه أدرك وغليونه يتطاير من فمه، مع أشلاء ثمانية وخمسين شخصاً، أحدهم أميرة قلبه ريما، ابنته الشابة الجميلة التي كان ينتظرها في بهو الفندق عروساً جديدة، جاءت تحضر عرساً. تُراه أدرك أن الموت كان بجواره، يدخن أيضاً غليونه الأزلي، في انتظار خطفها من حضنه، لحظة الضَّمة الأولى؟
سيد التفاصيل، ما توقع أن حزاماً من المتفجرات تحت عباءة الإسلام، الذي زرع لواءه في كل أرض حلّ بها، سينسف في لحظة حقول الياسمين والزنبق التي قضى عمره في ريِّها بموهبته وصبره، كي يبدو العرب جميلين، والإسلام مُزهراً ومُورقاً بحضارته وإنسانيته ورسالته.
هو الذي حارب أعداء الإسلام حتى في عقر دارهم في هوليوود، كان قدره أن يموت ميتة "حلال" على يد زوجين متطرفين قررا أن يذهبا في نزهة قتل، مستقلين نقليات الزرقاوي الموصلة إلى.. الجنة. ذلك أن الإسلام، حسب عقيدتهما "شجرة لا تُروى إلاّ بالدم".

كان يظن، قبل أن تهديه العروبة كابوساً لن يستيقظ منه، أنه صانع الأحلام العربية الكبيرة، وزعيم أنشأ بملحمتي "الرسالة" و"عمر المختار" حزباً من المشاهدين. فقد سعى دوماً، وهو الناصري حتى العظم، إلى توحيد أمته قومياً وتراثياً ودينياً.. الأمة التي في إحدى غارات المسلمين على الإسلام، استكثرت عليه فرحته بلمِّ شمله مع ابنته.. وأهدته "وحدة الموت".
أما كان نزار على حق عندما صاح من قهره:
أنا يا صديقتي متعَب بعروبتي
فهل العروبة لعنة وعقاب؟
مثل ابن بلده مصطفى العقاد، نزار السوري القومي الناصري دفع ضريبة عروبته عندما، أيام الحرب اللبنانية، خطف منه الموت العربي الهمجي حبيبته وأم أولاده، في إحدى غارات العرب على إخوانهم العرب، فسقطت بلقيس قتيلة تحت أنقاض السفارة العراقية، وكتب نزار يومها وهو ينزف ما جال حتماً في قلب العقاد، خلال يومين وهو في العناية الفائقة، قبل أن يعود للحياة ليسأل عن ابنته.وما كاد يعرف بمصيرها حتى لحق بها، متأثراً بجراحه وصدمته النفسية: "ها نحن يا بلقيس/ ندخل مرة أُخرى لعصر الجاهلية/ ها نحن ندخل في التوحش/ والتخلف.. والبشاعة.. والوضاعة/ ندخل مرة أُخرى عصور البربرية/ حيث الكتابة رحلة بين الشظيّة والشظيّة/ حيث اغتيال فراشة في حقلها صار القضية// ها نحن نبحث بين أكوام الضحايا/ عن نجمة سقطت/ وعن جسدٍ تناثر كالمرايا/ ها نحن نسأل يا حبيبة/ إن كان هذا القبر قبرك أنت/ أم قبر العروبة//
بلقيس: إن قضاءنا العربي أن يغتالنا عرب/ ويأكل لحمنا عرب/ ويبقر بطننا عرب/ ويفتح قبرنا عربٌ/ فكيف نفرُّ من هذا القضاء؟//
لن أقرأ التاريخ بعد اليوم/ إن أصابعي اشتعلت/ وأثوابي تغطيها الدماء/ ها نحن ندخل عصرنا الحجري/ نرجع كل يوم، ألف عامٍ للوراء!".
كُتبت هذه القصيدة سنة 1982. ماذا كان في إمكان نزار أن يضيف، لو أنه مازال بيننا اليوم؟

أيتها النساء.. لا تبكين الضفادع

لا مناسبة دامعة لكتابة مقالٍ عن البكاء، عدا، ربما، سعادة ذكّرتني في جموحها بدموعٍ سابقة. وإذا بي أُفسد فرحتي، بحزني على سخاء دمعي في ما مضى. أُريد استرجاع دموعي التي ذرفتها هباءً بغباء نسائي• وأعتقد أن جميع النساء شاركنني يوماً في هذا المطلب.
أجد عزائي في قول نزار: "إن الإنسان بلا دمع ذكرى إنسان"> غير أني لفرط ما كنت إنساناً، أو بالأحرى "إنسانة"، بكل ما تعنيه تاء التأنيث من سذاجة، نسيت أن أُبقي بعض دموعي لفرحة كهذه، أن أحتفظ بها كما كان نيرون يفعل، إذ بكى يوم إحراقه روما. دمعتان مقابل مدينة تحترق بكل عظمتها. طالَب بإناء صغير لجمع دموعه فيه قطرة.. قطرة. لم يجرؤ أحد على تنبيهه إلى أن الدمع يتبخر ويجفّ، وأنه صالح للاستعمال مرة واحدة. فالدمع نبع يتدفق حتماً نحو الأسفل، ولا مجال لإعادته لمنبعه، كاستحالة إعادة المطر صعوداً نحو السماء. وحده الحزن في إمكانه أن يفعل ذلك عندما يتحرش بالذاكرة. ذلك أنه عندما يتوقف دمعنا، تبدأ دموع الأشياء من حولنا في الانهمار. إنه كيد الذاكرة، في محاولة استدراجنا للبكاء أثناء دعوتنا إلى المشي إلى الوراء.
وهنا "كل واحد وشطارته".. البعض، عن خبرة أو عبرة، ينجو من الفخاخ التي تنصبها له الذكريات. وآخرون، أعني أُخريات، يغرقن هناك في بركة دموعهن، مزايدات على الخنساء عويلاً.
فبينما يُباهي الرجل بكونه "عصيّ الدمع شيمته الصبر" تفاخر المرأة بأن لا صبر لها، وتعرض فائض دمعها على جلاّدها، حتى إنّ إحدى بنات جنسنا الغبيّات تذهب حدّ مطالبته بجلسة استجواب لمخدتها وشراشفها ومناديلها الورقية: "اسأل دموع عينيّ.. واسأل مخدّتي.. كم دمعة رايحة وجاية، اسأل.. اسأل..". ولا جدوى من محاولة إعادتها لرشدها.. "يلعن أبوه هذا الذي يبكيك ويسعد برؤيتك تذبلين كل ليلة.. ليذهب إلى الجحيم.. كوني قويّة.. لا تهاتفيه.. اقتليه تجاهلاً.. لا تلتفتي إلى الخلف.. ستجدينه أمامك عندما سيعتقد أنه خسرك.. استمتعي ببكائه السرِّي.. اصبري قليلاً فقط!". لكن أُختنا في الغباء تنهزم وتهاتفه، وتجهش بالبكاء طمعاً في استعادته بفائض دمعها.
نشف ريقي وجفّ قلمي وأنا أُردِّد يا أيتها النساء.. احفظن هذا الدرس جيداً• هو درس واحد فقط: الرجل لا يتعلّق بامرأة تَبكيه (بفتح التاء).. بل بامرأة تُبكيه (بضم التاء). فهل، وقد وصلت النساء العربيات حدَّ قيادة الطائرات الحربية، لم يزلن عاجزات عن التمييز بين التاء المفتوحة.. والتاء المضمومة؟
"النساء كلّهن سواء.. فهن يعتقدن أن مجموع 5 = 2 + 2 إن هنّ بكين".. نكتة كان يُطلقها برنارد شو، كي يستخف بنا.
الحقيـقة، أن النساء لطالما بكــين، لاعتقــادهـن فــي كلِّ حــبٍّ أن 1 = 1 + 1. لكن، الانصهار الذي حلمن به دائماً مع الرجل، كثيراً ما تحوّل إلى انشطار فجائعي، لحظة اكتشافهن منطقه الأنانيّ في الحساب. إذ في إمكان 1 + 1 أن يساويا لديه ثلاثة فأكثر، بحكم اعتقاده الراسخ، أن امرأة واحدة لا تكفي لتكون "نصفه".
صحيح أننا عادة لسنا متفوقات في الحساب، لكن الخطأ هنا يكمن في كوننا نقيس بقلوبنا ويقيس الرجال بباقي أعضائهم. ولابد إذن من توحيد المقاييس تفادياً للخيبات والصدمات.
مناسبة هذا الكلام في الواقع، إعجاب كثيرٍ من القارئات بمقال قديم كان عنوانه "أيتها النساء توقفن عن تقبيل الضفادع"، في إشارة إلى نساء مازلن يصدّقن تلك الأسطورة، التي تقبّل فيها فتاة ضفدعاً جميلاً يقف حزيناً على طرف بركة، وإذا بقُبلتها تُفسد مفعول سحر حلّ به، ويتحوّل الضفدع إلى أمير عاشق يطلب يدها.
أما وقد فهمت قارئاتي أنهن لن يعثرن على فارس أحلامهن بين الضفادع، بقي أن أنصحهن بالتوقف عن بكاء ما عرفن من ضفادع. فبحكم وجودها في المستنقعات، لا تميّز الضفادع بين الدمع الغالي، الجاري على خدود العذارى، والماء الآسن الذي تعيش فيه!
كلامي إلى صديقتي القارئة التونسية.. تلك.

كلُّنا من أمر البحر في شك

انتهى زمن الأعاصير الجميلة، التي تغنَّى طويلاً بها الشعراء. حتى الأميرة ستيفاني، ستتردّد اليوم قبل أن تُغنِّي أغنيتها الشهيرة تلك"مثل إعصار". فالجميلة المتربّعة فوق صخرة موناكو، تدري الآن أنه ما عاد في الإمكان. حتى من باب الدعابة، أن تمازج إعصاراً أو تتغزّل به، خاصة أنَّ بعض أعاصيرها العشقيّة قلبت الإمارة رأساً على عقب.
لا أحد الآن في مأمَن من طوفان أو إعصار أو زلزال، سواء أكان يسكن مدينة تحت مستوى سطح البحر، وسطح الفقر، أم إمارة مُعلّقة على صخرة النجوم. فقد أثبت "تسونامي" أنَّ في إمكانه تسلُّق طوابق عدَّة، وابتلاع أُناس كانوا يعتقدون "أنّ البحر يبتسم"، كما اعتقد الجزائريون منذ سنتين أنّ المطر الذي انهمر عليهم بغتة كان استجابة لصلوات الاستسقاء، وإذا به يُخبّئ لسكان العاصمة أكبر فيضان عرفته الجزائر، ذاهباً حدَّ خطف أُناس باغتهم في الشوارع.. وابتلاعهم عبر المجاري ليُلقي بجثثهم بعد ذلك إلى البحر.
كما الحبُّ "كلّنا من أمر البحر في شكّ"، نرتاب من مجاورته ونشكُّ في حُسن نواياه. فما عاد البحر يهبنا اللؤلؤ والمرجان والحيتان، بل الفيضانات والدمار والأعاصير الاستوائية والحلزونية، التي لا رقم معروفاً لضحاياها.
كل الأسماء النسائية والرجالية التي تطلقها هيئات الرصد الجوي، لتمنح كوارثنا "الطبيعية" اسماً، تضافرت وتناوبت لتهزّ ثقة الإنسان بسيادته على هذه الأرض•
مَن المعتدي؟ الإنسان.. أم الطبيعة؟
إذا احتكمنا إلى إبراهيم الكوني، الذي يقول في كتابه "ديوان البرّ والبحر"، إنّ الطبيعة بيت اللّه الذي ندنّسه بدل أن نتعبّد فيه، يكون الرئيس المؤمن بوش، قد دنّس بيوت اللّه كثيراً، و تجنّى على الطبيعة كما تجنّى على البشر. فقد أصرّت إدارته على الرفض القاطع التوقيع على معاهدة كيوتو للاحتباس الحراري التي أدت إلى ارتفاع درجات الحرارة، في المحيطات، ما تسبَّب، حسب الخبراء، في تشكيل الأعاصير الواحد تلو الآخر. ذلك أنّ القرار الأميركي يصنعه الأثرياء، أصحاب الشركات الأكبر من الدول، ويدفع ثمنه فقراء العالم، وفقراء أميركا الذين ما كنّا لنعرف مدى فاقتهم، لولا فضيحة هذا الإعصار. الْمُسمّى "كاترينا".
نفهم تماماً، أن يطالب أنصار البيئة بإطلاق أسماء الأعاصير على السياسيين، مقترحين أسماء جورج بوش، وكونداليزا رايس، وتوني بلير، ورامسفيلد، باعتبارهم مسؤولين عن معظم الكوارث الطبيعية التي تحيط بالعالم، وتتسبّب في اتِّساع ثُقب الأوزون، و ارتفاع حدّة التلوّث في العالم، إضافة إلى الحروب التي يُشعلها سوق السلاح. ففي أميركا، حيث تخترع شركات الدواء العملاقة الدواء أولاً، ثم تخترع له مَرَضَاً يليق برواجه، دَرَجَت الحكومات الأميركية على إشعال حروب لاستهلاك ترسانة أسلحتها واختبار الجديد منها، غير عابئة بما ستخلِّفه قنبلة نووية على مئات الآلاف من البشر في هيروشيما، أو ما ستتنفسه الأمهات من سموم، تشهد عليها تشوهات الأجنة والمواكب الجنائزية المتتالية لنعوش أطفال العراق.
نكبة أميركا ليست في شعبها، الطيِّب غالباً، والساذج حدّ تصديق كلِّ ما يتنفّسه من سموم إعلاميّة. نكبتها في حكّامها الذين يصرُّون على سياسة التفرُّد والاستعلاء، حتى على الطبيعة. فبوش، الذي ابتدع "الحروب الاستباقيّة"، ما كان في إمكانه أن يستبق إعصاراً أو يلحق به. ذلك أن أولوياته هي غير أولويات مواطنيه، بحُكم أنه الراعي للإنسانية والقيم السماوية.. والموزّع الحصري للديمقراطيّة على جميع سكان الكرة الأرضيّة. فأين له أن يجد الوقت ليوزع الإغاثة على المنكوبين من مواطنيه، وهو مشغول بتوزيع جيوشه حسب الخرائط التي تمدّه بها الشركات البترولية في معقله في تكساس؟
الجبابرة، سادة العالم وأنبياؤه المزيّفون، عليهم ألاّ يعجبوا إن هم ما استطاعوا احتواء غضب السماء، ولا غضب الأرض. ما الطبيعة إلاّ يـد اللّه، وكان لابد لجبروتهم أن ينتهي تحت أقدامها.