‏إظهار الرسائل ذات التسميات من هنا وهناك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات من هنا وهناك. إظهار كافة الرسائل

كمن يكتب شيئا: اللغة والخطابات العالية


بقلم موسى حوامدة/ اللغة العالية التي نستخدمها ، اللغة المجلجلة والفخمة ، الهادرة كأنها سيل جارف ، لغة قوية قادرة على تحطيم الصمت ، وأقناع الضجيج بجدوى وجودنا وقوتنا وقدرتنا على نحت الخطابات ، لكن هذه اللغة الجريئة الملتهبة الحروف لا تظهر الواقع الذي نعيشه ، فهل الخطأ في عدم تواضع هذه اللغة أم في عدم فهمنا لها ولطبيعتها وقوتها وضعفها وحياديتها وعلوها وكسلها وخمولها مثلا؟ نحن نملك لغة مقدسة ، لغة حية أثرت في ملايين البشر قديما وحديثا ، وكانت مطلوبة لتعلمها ومعرفة حروفها ، وقد نجح في ممارستها عجم أجادوا فيها نثرا وشعرا وخطابا فلسفيا وعلميا ، هذه اللغة نفسها ارتفعت ولا تريد الهبوط. فحين يرسل أحد زعمائنا خطابا قويا للعالم يتحلى بمنطق قوي ودلائل جريئة وكلمات طنانة بليغة مؤثرة صائبة ، تصل كلماته إلى عنان السماء وتصفق له اجنحة الطيور وتسمع صداه ظلال الجبال وقيعان الوديان ، ولكنه يظل معزولا وبلا نتائج على ارض الواقع ودون تأثير على الآخرين. والحال مماثل لخطاباتنا الثقافية التي يطلقها زعماؤنا الثقافيون فيعلو فيها الصهيل حتى تكاد تخدش عين الشمس ولكنها حين تمضغ وتبلع وتهضم تكون بلا قيمة غذائية للامعاء التي تظل جائعة نهمة لا تشبع. ترى أين الخلل هل هو في بنية هذه اللغة ، في إيقاعها وموسيقاها؟ في معاني كلماتها ومترادفاتها ومنطقها؟ أم في عمرها الطويل وماضيها العريق؟ ام ترى في كونها لغة مقدسة ودينية لا تحتمل الحداثة والعلم والتكنولوجيا؟ أم أنها قاصرة بسبب قلة همة اهلها واحباطهم وهزيمتهم ، والفرق الشاسع بين مستخدميها ومضامينها؟ اللغة وحدها لا تقيم حضارة ولا سياسة والمأساة أن الذين يتحدثون بها حديثا موزونا ومنمقا وحضاريا يمارسون ممارسات شريرة ضد إنسانية شعوبهم وبلدانهم ، ولا يقيمون وزنا للأفعال التي ينبغي أن تمارس من أجل إصلاح الخطابات ، والسؤال الذي يطرح نفسه ، هل اللغة معزولة عن الممارسات الحضارية ، وهل هي بديل عن تقدم المجتمعات وممارسة حقوقها الديمقراطية والاجتماعية أم اننا نلجأ إلى اللغة وحدها كشعار وشكل ولا نقيم وزنا لدقة المعنى ولقيمة اللفظ ولمغزى التعابير ، ربما تنجح اللغة المطلقة في الشعر والأدب مثلا لكنها في السايسة والاقتصاد والقوانين والصناعة والزراعة وباقي مناحي الحياة لا بد ان تكون مناسبة تماما للفعل الذي يمارس على الأرض. الغريب ان اللغة العالية حين تستخدم من قبل من يمارسون الاستبداد السياسي بشكل بشع هم من يمارسون أفعالا منافية لحقوق الانسان وللحياة وللإنسانية نفسها ، وهم من يجهدون أنفسهم لتدبيج الخطابات الرنانة ، ورغم أننا نعرف عيوب هؤلاء ونعرف ممارساتهم ، ولكننا ما زلنا نفرح لضجيج اللغة التي تدغدغ مشاعرنا وليس للأفعال التي تعيد الاعتبار لمكانة الإنسان وتحتم قدرا كبيرا من الواقعية وتطور الحياة.

منشور بصحيفة "الدستور" الأردنية بتاريخ 26 سبتمبر 2009

في ذكرى الساحر المكسيكي



باولو كويلو/ «عندما تشرق الشمس، أذهبُ إلى العمل. وحينما تغيب أعود إلى البيت لأستريح. أحفر البئر الذي أستخرج منه ماء الشرب، وأحرث الحقل الذي ينتج لي الطعام. وبهذا الفعل، أكون في انسجام كامل مع الخالق ـ وليس باستطاعة الملك أن يقوم بأفضل من ذلك».
هذه المقولة من نص صيني قديم، وتأتي في سياق فلسفة أحد أهم المفكرين من جيلي، وهو كارلوس كاستانيدا. وقد كّثف ما درسه في سلسلة من الكتب، التي كانت دوما موضع جدل وانتقاد وتشكيك، والتي كان لها تأثير كبير على حياتي. وبما أن الناس في أيامنا هذه بالكاد تعرف من هو كاستانيدا، فسأختار مقتطفات من أعماله على الأقل مرة في العام. لا أعرف إن كانت هذه البادرة ستساهم في عدم نسيانه، لكني من جهة أخرى اكتشفت أني في كلما مرة أتصفح فيها كتبه، أكتشف عملا يتجدد مع كل قراءة.

الطاقة هي البحث عن الحرية
الحرية هي القوة الوحيدة التي أعرفها. الحرية في الطيران خارج حدود النفس. الحرية في تسليم المرء نفسه للريح لتحمله وليتلاشى. الحرية التي تكون بمثابة شعلة الشمعة التي لا تخش ملايين النجوم التي تتأملها، والتي لا تدعي بأنها شيء آخر غير ما هي عليه مجرد شمعة.

تأتي الطاقة من قبول نفسك
لا يهم على الإطلاق ما تخفيه أو تظهره أمام جارك، لأنك تعرف من أنت. وإن كنت لا تقبل بنفسك كما أنت، فلا يمكن لأهم الفلسفات أن تؤثر فيك. من أنت؟ وأتساءل إن كنت تدرك أنك في هذه اللحظة بالتحديد، أنت محاط بالأبدية التي باستطاعتك استخدام طاقتها لصالحك. انطلاقا من مبدأ معرفتك بحدود قدراتك وأيضا التعرف على إمكانياتك، حيث يمكن أن تصبح بعدها محاربا منزها. والفارق بين المحارب المنزه والآخرين هو معرفة الأول بكيفية استخدام قواه.

طاقة الصمت

حينما نكون هادئين، ندرك أن أحداً أو شيئاً ما يحاول تعليمنا. وحينما نتمكن من إيقاف مونولجنا الداخلي، يحدث شيء استثنائي في حياتنا، إذ نكتشف أشياء لم نفكر فيها أبدا في وعينا وإن كانت موجودة وحاضرة لمساعدتنا.
وعليه، فإن الجزء الصعب عمليا هو القدرة على الاحتفاظ بالصمت ـ فرأسنا مليء دائما بالأغاني والقوائم وأشياء علينا تنفيذها، وهواجس، وأخبار الصحف وحسابات رياضية عن احتمالات وضعنا المالي. فإذا استطعنا إيقاف هذا التدفق من الانعكاسات العبثية التي لا فائدة منها، فكل شيء يصبح ممكنا.

الطاقة والفعل
يتواجد في حيز رجل المعرفة كل من هنا والآن فقط. ومعنى هذا إدراكه أنه في كل مرة يقوم بفعل ما، يزيد من طاقته وقوته، وبهذا يراقب بحذر كل شيء من حوله، مع علمه أن كل شيء مهما كان صغير أو ضئيلا، مشحون بطاقة يمكنها تعليمه أمرا ما، كالنباتات، والأظافر، وأوراق الشجر المتساقطة، كل هذه الأشياء بحاجة على كم هائل من الطاقة للاحتفاظ بنواة الذرات في مكانها حيث يمكن التقاطها ولمسها، فالمحارب الحقيقي قادر على استيعاب هذه القوة واستخدامها لصالحه.

منشور بصحيفة "البيان" الإماراتية 11 مايو 2009

صورة الرفض في شعر أحمد مطر


أحمد كاظم نصيف/ يعتبر الشاعر العراقي الكبير أحمد مطر من الشعراء الذين يستخدمون فنهم الادبي للنضال في سبيل قضايا التقدم، كي يؤكد على قدرته في أن يكون فاعلا ً في المجتمع، حيث يقول الكاتب العالمي، والت ويتمان: ألناس يتوقعون من الشاعر أن يكشف أكثر جمالاً ووقاراً مما هو مقرون دائماً بالاشياء الحقيقية الصماء.. أنهم ينتظرون منه أن يكشف ألطريق بين الواقع وبين ألنفس! والشاعر أحمد مطر، سرعان ما تكشفت له خفايا الصراع بين السلطة والشعب، فألقى بنفسه في وقتٍ مبكرٍ من عمره في دائرة النار.
يقول: لم تطاوعني نفسي على الصمت، ولا على أرتداء ثياب العرس في المآتم!!
وركب المغامرة، وهاجر ثم.. هاجر، ليرفض فساد السلطة، وأساليب القمع، ومصادرة الحريات، هذه الملامح التي ميزت ألأنظمة السياسية العربية، وهي التي أدت الى التدهور في جميع نواحي الحياة، وفتحت ألباب واسعاً أمام ألأنتهازيين والسماسرة، فأستولوا على الثروات وتركوا الشعوب تعاني الفقر وألأمراض، يقول في قصيدته ورثة ابليس:

وجوهكم أقنعة بالغة المرونة

طلاؤها حصافة، وقعرها رعونه

صفق ابليس لها مندهشا، وباعكم فنونه

وقال: اني راحلٌ، ما عاد لي دور هنا، دوري أنا أنتم ستلعبونه

ولكون ألشاعر أحمد مطر أبن زمن قد يكون أكثر تركيباُ وتعقيداً وأكثر جحوداً، ومن هنا فقد خاض معركته الرئيسية ضد مأساته الخاصة عموماً، والعامة خصوصاً، وعندما يعيش المرء في مناخ من الاستبداد السياسي وغياب الحرية الفكرية، فتكون الكلمة الحرة هي حربة في قلب الظلمات، كما قال زميل مسيرته الفنان الراحل ناجي العلي، الذي يقول عنه الشاعر أحمد مطر: ناحي العلي أوعى وأنقى وأشجع رجل عرفته في حياتي ؛ وكان الرثاء في قصيدة طويلة عنوانها، ما أصعب الكلام، الى ناجي العلي، يقول في احد مقاطعها:

ناحي العليُ لقد نجوت بقدرةٍ

من عارنا، وعلوتَ للعياءِ

اصعد، فموطنك السماءُ، وخلنا

في الارضِ، أن ألأرضَ للجبناءِ

....................................

وهناك فئة من المثقفين، أستطابت أن تعيش على الهامش أو أن تعيش في ابراجٍ، بعيدة عن الهموم اليومية للانسان، لكن الشاعر أحمد مطر قد خاض نضالاً قوياً في سبيل فرض هذه النظرية على الادب عموماً، وقدم الكثير من شعره وفيض عاطفته ووجدانه الوطني والقومي، وأصبح شعره كله مكرسا لقضية الشعب العربي، وقد غلب على اسلوبه في هذا السياق الكلام السياسي والاجتماعي في شعره، على أعتبار تجلية كل ماهو مضمر في العمل الادبي، وقد انتهج التهكم على اعتباره يسهم في تخفيف المرارة والحزن ويرفع منسوب الآمل ((من حيث لا آمل طبعا))، ولا بأس لو عالج المرء بعض أوجاعه ساخراً من صنوف الدهر.

يقول في قصديته، شعر الرقباء:

فكرت بأن أكتب شعراً

لايهدر وقت الرقباء

ولا يتعب قلب الخلفاء

ولا تخشى من أن تنشره

كل وكالات الأنباء

ويكون بلا أدنى خوف

في حوزة كل القراء

هيأت لذلك أقلامي

ووضعت الأوراق أمامي

وحشدت جميع الآراء

ثم.. بكل رباطة جأش

أودعت الصفحة امضائي

وتركت الصفحة بيضاء!

راجعت النص بامعان

فبدت لي عدة أخطاء

قمت بحك بياض الصفحة..

واستغنيت عن الامضاء!

............................

وعندما نقرأ أشعار أحمد مطر، سنجد بانوراما جدارية تشير الى اسباب العلل المزمنة، وأعتبر أن ألشعر وألأخلاق أمران لاينفصلان ابداً، عن تاريخ الحياة والمجتمع، كونه أرتبط بالمناخ الفكري للانسان، على مبدأ ألاديب الفرنسي سانت بوف الذي يقول: ألادب وصية، وفعلا فعل كذلك أحمد مطر، فقال عن لافتاته (الجزء الاول)، حتفي.. و ( الجزء الثاني )، وصيتي...
وقد أختلفت أساليب الرفض عند بعض شعراء العرب الكبار، فقد كرست المآسي العظيمة الشعراء العظام، فمأساة فلسطين هي التي كرست محمود دوريش وسميح القاسم وغيرهما ؛ ومأساة حزيران (هزيمة حزيران 67)، خلفت وكرست الشاعر امل دنقل، بخاصة قصيدته التي رفض بها الواقع المنكسر (زرقاء)، وكانت عنوانا لأهم دواوينه (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة)، وفيما تبقى من عام 67 والى أوائل السبعينات كانت القصيدة على كل لسان، فليس قبلها قصيدة وليس بعدها قصيدة نالت ما نالته من الشهرة والذيوع، فقد أرتبطت بالجرح القومي الكبير، وكذلك أسلوب الشاعر العملاق (الراحل) محمد مهدي الجواهري، الذي مارس الرفض بأسلوبه ودخل السجن بعد القاء قصيدته، التي رثا بها (ابو الاطباء)، هاشم الوتري، يقول الجواهري:

ألتيمسيون! الذين تناهبوا..... هذي البلاد حبائباً وأقاربا

وكذلك قوله لامه التي حاولت منعه من الرحيل لرفضه وضعاً قائماً:

لم يحتمل قلبي سهما.... كهذا وهو مرتكز السهام

وصلاح عبد الصبور، وسعدي يوسف، وناظم حكمت، وايضا محمود سامي البارودي الذي احتوى الروح العربية برغم أصله الجركسي ؛ حيث ترك شعر الغزل والخمر، والجيد الحسان، لينظم شعراً يجابه به مشاكل الواقع، يقول البارودي:

ألم يأت للايام أن تبصر الهدى فتخفض مأفوناً وترفع جهبذا؟

واذا لم يكن الدهر خبل لما عدا يسير بنا في ظلمة الجور هكذا...

فقد انتهج الشاعر احمد مطر أسلوباً صريحاً، رفض به ألاسماء المستعارة والضمائر المستترة،

وعندما أعترض على كامب ديفيد، لم يخف هذا الاعتراض، ورفضه معلناً، يقول في قصيدته الثور والحضيرة:

الثور فر من حضيرة البقر، الثور فر،

فثارت العجول في الحضيرة،

تبكي فرار قائد المسيرة،

وشكلت على الاثر،

محكمة ومؤتمر،

فقائل قال: قضاء وقدر،

وقائل: لقد كفر،

وقائل: الى سقر،

وبعضهم قال امنحوه فرصة أخيرة،

لعله يعود للحضيرة،

وفي ختام المؤتمر،

تقاسموا مربطه، وجمدوا شعيره

وبعد عام وقعت حادثة مثيرة

لم يرجع الثور، ولكن ذهبت وراءه الحضيرة

...................................................

على أعتبار أن السلام لم يكن سلام عادل، سلام لايخدم فيه الا طرف واحد!! ويكون السلام هذا على حساب الاف الضحايا الابرياء، فهذا استسلام!!
وعند أحمد مطر، فأن المظاهرة لم تزل مستمرة، يقول: الشاعر الذي لا يدرك أن سلطته فوق كل سلطه، ولا يحيا أو يعمل وفق هذا ألادراك، عليه أن يتجه الى عمل آخر ويترك ألشعر، كون الشاعر ضمير.. بوصلة دقيقة الحساسية التي تشير الى حقيقة ألاتجاهات، مهما أختلفت الفصول وتغيرت ألآنواء.. واذا وقع الخلاف مع السلطة على هذا ألاساس فأنه على حق وألسلطة على خطأ..
ولعل يمكن القول، أن النسيج الثقافي للشاعر أحمد مطر الذي تكون من ثقافة الداخل وثقافة الخارج، ومن ثقافة الأمس وثقافة اليوم، جعل رأيه واضحاً وجدلياً في آن، فهو ليس شاعرا فحسب، أنه ناشط ثقافي، من دعاة الحرية، يقول في قصيدته دمعة على جثمان الحرية:

أنا لا أكتب الأشعار فالأشعار تكتبني،

أريد الصمت كي أحيا، ولكن الذي ألقاه ينطقني،

ولا ألقى سوى حزن، على حزن، على حزن،

أأكتب أنني حي على كفني؟

أأكتب أنني حر، وحتى الحرف يرسف بالعبودية؟

لقد شيعت فاتنة، تسمى في بلاد العرب تخريبا،

وارهابا

وطعنا في القوانين الالهية،

ولكن أسمها وألله...،

لكن أسمها في ألأصل حرية

..............................

وقد تفننت أجيال من الشعراء كي تخلق صورة من صور الرفض، لكن كل هذه الصور شابتها الضبابية ولم تنجز لنا بروازاً واحداً يؤطر هذا المفهوم، وعلى الرغم من عدة مستويات فكرية وفنية، متقابلة ومتعارضة، غير انها في اكتمالها تقدم اكثر من غيرها الدليل المحسوس، بيد ان كل هذه الصور بقيت تقليدية، لكن أحمد مطر أستطاع ان يرفع شخصيته الى مرتبة الشاعر ألتراجيدي.

فيتحول عنده الالم الى حداد وحزن عميقين، لشدة وطأة القهر والظلم والفقر والمطاردة، في البكاء الأبيض يقول:

كنت طفلا

عندما كان ابي يعمل جنديا

بجيش العاطلين!

لم يكن عندي خدين.

قيل لي

ان ابن عمي في عداد الميتين

وأخي الأكبر في منفاه، والثاني سجين.

لكن الدمعة في عين أبي

سر دفين.

..................

فنتيجة الواقع المر كان الرفض، وهذا هو الواقع العربي الذي يقول عنه الشاعر سعدي يوسف: الواقع العربي دخل الغرغرة بشكل رسمي ؛ فكم مبدع عربي هو اليوم بلا ارض؟!
أننا لو احصينا فسنجد أمراً مذهلاً، يستدعي فعلاً الى وقفة مسؤولة وأطلاق صرخة...

يقول أحمد مطر في قصيدته، سيرة ذاتية:

كي اسيغَ الواقعَ المُر

أحليهِ بشيءٍ

من عصيرِ العَلقَمِ!

............................

وقد لقب الشاعر أحمد مطر ب.. شاعر الحرية.. عن جدارة وأستحقاق، وكذلك لقب بالشاعر الفذ، والشاعر الساخر و الشاعر الثائر وشاعر الشعوب العربية وشاعر المنفى، وذلك كون قصائده قريبة جداً من الوجدان العربي.

وبكل تأكيد سوف يستمر أحمد مطر في مظاهرته وخط لافتاته ورفضه، وقد يتحول الى صاموئيل بيكت في رحلة انتظار غودو الذي يأتي ولا يأتي..

يقول في قصيدته، الحاكم الصالح:

وصفوا لي حاكماً

لم يقترفْ منذُ زمانٍ،

فتنةً أو مذبحهْ!

لمْ يكذب ْ!

لم ْ يَخُنْ!

لم يُطلقِ النار على مَن ذمهُ!

لم ينثرِ المال على من مدَحَهْ!

لم يضع فوق فمٍ دبابةً!

لم يَزرعْ تحتَ ضميرٍ كاسِحَهْ!

لمْ يَجُرْ!

لمْ يَضطَربْ!

لمْ يختبىءْ منْ شعبهِ

خلفَ جبالِ الأسلحهْ!

هُوَ شَعبيٌ

ومأواهُ بسيطٌ

مِثْلَ مَأوى الطَبقاتِ المكادِحَهْ!

***

زُرتُ مأواهُ البسيطَ البارِحهْ

... وَقَرأتُ الفاتِحَهْ!

.........................

وقد وقف الشاعر أحمد مطر ضد الأحتلال، ليس بأعتباره سياسياً، اذ لم يكن أحمد مطر، البتة، سياسياً، وقف ضد الأحتلال، لأن الشاعر، بالضرورة، يقف ضد الأحتلال، ولانه أشجع كثيراً من الشعراء الكثار الذين استعانوا برافعة السياسة حين ترفعُ... لكنهم هجروها حين اقتضت الخطر!
سُمُو موقفهِ هو من سُمُو قصيدته، يقول في اخر لافتاته، لافتة.. على باب القيامة:

بكى من قهريَ القهرُ

وأشفقَ من فمي المُر

وَسالَ الجمرُ في نفسي

فأحرقَ نفسهُ الجمرُ!

ويقول في مقطع اخر من اللافتة:

بلادك هذه أطمارُ شحاذٍ

تؤلفها رقاع مالها حصرُ

تولت أمرها ابرٌ

تدورُ بكف رقاعٍ

يدورُ بامرهِ ألأمرُ

وما من رقعةٍ الا وتزعمُ أنها قطرُ

وفيها الشعبُ مطروحٌ على رتبٍ

بلا سببٍ

ومقسومٌ الى شعب

ليضربَ عمرها زيدُ

ويضرب زيدها عمرو

ملايين مِنَ ألاصفارِ

يغرقُ وسطها البحرُ..

وَحاصلُ جمعها: صِفرُ!

منشور بموقع "إيلاف" 9 أغسطس 2009

وصايا ماركيز إلي العالم


يقلم عوّاد ناصر/ طارت كلمات جابريل ارسيا ماركيز، إلي (أصدقائه) بعد أن أصيب بسرطان الغدة اللمفاوية،عبر العالم، ليقرأها ويتداولها ملايين القراء، خصوصاً أولئك الذين سحرهم هذا الساحر الواقعي، عبر روائعه الشهيرة التي بوأته أفضل روائي في القرن العشرين وحتي بدايات قرننا هذ ا. من الصعب تعداد أبرز ملامح إبداع هذا المبدع الكبير، فكل النعوت النقدية وأسباب الإعجاب بعمله لا تحقق الغرض، ويبدو أي وصف لأعماله قاصراً ولا يفي مسيرته المفعمة بالإخلاص للإنسان، عبر الفن، حقها. وجه ماركيز رسالته إلي العام، ليس كمن يودعه، بل كأن مقبل للقائه، بالفرح الخلاق كله، وخاطب (أصدقائه) ليس بيأس الإنسان الموشك علي الغياب الأبدي، بل بأمل الفنان، والمربي، الذي يعزز حضوره بين الناس. تلك هي القيمة الأبرز في رسالته، وهو يدعونا إلي أن لا نغمض عيوننا، حتي للحظة، كي لا نخسر ستين ثانية من النور. الرسالة قطعة فنية تزخر بالجمال الذي هو عنوان وجود ماركيز وجوهر عمله، وعلي أهمية ما قدمه وعظمة منجزه فهو يصر علي استثمار (حياة أخري) بكل قواه لو قدر له الله أن يعيش هذه الحياة مجدداً.. (ربما لن أقول كل ما أفكر به لكنني، حتماً، سأفكر في كل ما سأقوله). ثمة درس في الحب أيضاً: (سأثبت للناس كم هم علي خطأ عندما يعتقدون بأنهم فقدوا القدرة علي الحب لأنهم شاخوا، من دون أن يعرفوا أنهم شاخوا لأنهم فقدوا القدرة علي الحب). ماركيز يهدي الأطفال إلي بداية الدرب، ويضع خطواتهم الأولي علي الدرب من دون أن يأخذ بأيديهم إلي نهاية المشوار فيسلبهم متعة المغامرة والاكتشاف: (للطفل سوف أمنحه الأجنحة علي أن أتركه يتعلم الطيران وحده). وليس بعيداً جداً عن تلك الفكرة يلفت أنظار قرائه وأصدقائه إلي معني المثابرة والكفاح، كما خبرها ماركيز عندما بدأ حياته بائعاً للقناني الفارغة في أزقة باريس، ويكشف عما تعلمه بقوله: (تعلمت منكم الكثير أيها البشر... ومنه أن الجميع يريدون العيش في قمة الجبل غير مدركين أن سرّ السعادة تكمن في تسلقه). ويضيف الآتي: (تعلّمت أن المولود الجديد حين يشد علي أصبع أبيه للمرّة الأولي فذلك يعني انه أمسك بها إلي الأبد. تعلّمت أن الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلي الآخر فقط حين يجب أن يساعده علي الوقوف. تعلمت منكم أشياء كثيرة! لكن القليل منها سيفيدني، لأني عندما أرتبها في حقيبتي أكون قد ودعت الحياة. قل دائماً ما تشعر به وافعل ما تفكّر فيه. لو كنت أعرف أنها المرة الأخيرة التي أراكِ فيها نائمة لكنت ضممتك بشدة بين ذراعيّ ولتضرعت إلي الله أن يجعلني حارساً لروحك. لو كنت أعرف أنها الدقائق الأخيرة التي أراك فيها ، لقلت "أحبك" ولتجاهلت، بخجل، انك تعرفين ذلك. هناك دوماً يوم الغد، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل الأفضل، لكن لو أنني مخطئ وهذا هو يومي الأخير، "لقد تعلمت منكم كثيراً أيها البشر" .. هذه عبارة من بين عشرات العبارات المشعة بالضوء خطها قبل أيام الكاتب الأروع في العالم غابرييل غارسيا ماركيز في رسالة وجهها لأصدقائه ومحبيه وهو يقاوم السرطان علي فراش المرض، يتوقع ماركيز أنها الرسالة الأخيرة، فعدوّه الآن لا يمزح بل يحاول الفتك به في كل ثانية، وقد تمكن منه، لكن "غابو" العجيب يتمتم في الرسالة كما لو أنه في عنفوان الشباب والقوة: "لو شاء الله .. أن يهبني حفنة حياة أخري، سوف أستغلها بكل قواي .. سأنام قليلاً، وأحلم كثيراً، مدركاً أن كل لحظة نوم خسارة لستين ثانية من النور، وسوف أسير فيما يتوقف الآخرون، وسأصحو فيما الكلّ نيام، وسأبرهن للناس كم يخطئون لو اعتقدوا أنهم لن يكونوا عشاقاً متي شاخوا، فهم لا يدرون أنهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق"هل هناك روح مقبلة علي الحياة أجمل من هذه الروح، وهل هناك تحد ضد الموت أبرع من هذا التحدي، وهل هناك تفاؤل يضاهي هذا التفاؤل؟ ماركيز الذي بلغ المجد بكل أبعاده، عاش حياته بالطول والعرض، حاز المال والشهرة والسعادة التي عبر عنها في حوارات كثيرة، هاهو يلخص معني الحياة ويجعلها متمثلة في قيمة واحدة هي الحب، كتب به ودافع عنه وناضل من أجله، علي امتداد رواياته وحتي آخر رمق. هاهو ماركيز يعود مثل كل مرة إلي إنسانيته البسيطة التي يجدها تعادل كل ذلك البريق المذهل في نظر الآخرين .. ففي حين تأتي جائزة نوبل العالمية لغالبية المبدعين في نهاية مسيرتهم الشاقة لتختمها، فإنه وعندما جاءته عام 1982 اعتبرها محطة وبداية انطلاقة أخري، وهو ما كان. حتي وهو ضعيف ومنهك ومشرف علي الموت بعد أكثر من 80 عاماً من العيش (مولود سنة 1927 في أركاتاكا بكولومبيا) يفكر ماركيز كعاشق يافع: "ربما هذا آخر يوم نري فيه من نحب، فلنتصرّف، لئلا نندم لأننا لم نبذل الجهد الكافي لنبتسم، لنحنّ، لنطبع قبلة"، ويقول: "لن يتذكر أحد أفكاركم المضمرة، فاطلبوا من الربّ القوة والحكمة للتعبير عنها". لنتذكر بهذه المناسبة أن لهذا الرجل حقاً كبيراً علينا، فطالما دافع عن الحقوق العربية وهو غير مطالب أو مكره علي ذلك، ساند القضية الفلسطينية ووقف ضد الحرب علي العراق، ولا يزال موقفه كذلك ولم يتبدل حتي اليوم. كثيرون منا يعيشون الحياة وكأنها انتهت، وكثيرون يدفنون رؤوسهم في الرمال مثل النعامة خوفاً من الخطر القادم، لكن كاتب "مائة عام من العزلة" و"الحب في زمن الكوليرا" و"حكاية بحار غريق" ينتظر شمس اليوم التالي بشغف، ويأمل أن يكون الغد أجمل.

منشور بصحيفة "الزمان" اللندنية 1 يونيو 2009