‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا وملفات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا وملفات. إظهار كافة الرسائل

جدل النص والواقع (دور النص المفتوح)


بقلم/ عبدالله العودة

ليس القصد إفراغ النص من معناه، بل إثبات أن ثمة مساحة مشروعة داخل النص الديني نفسه للتفسير والتأويل ضمن الواقع الذي يريد المسلم عمل النص فيه، وكما أن هناك معانٍ مغلقة ثابتة في النص الديني الإسلامي لا تقبل الجدل وهي المتعلقة بالواضحات المسلمات، فإن هناك مساحة أخرى للمتغيرات والمختلفات داخل هذا النص نفسه..

كثيراً ما يشدني الاتساع العريض للإسلام بين الأمم والشعوب والحضارات في التاريخ والعصر الحاضر، فالدين الإسلامي لم يعمر مساحة محدودة في بيئة وثقافة محدودة لفترة محدودة، بل هو دين شمل مجموعة من الحضارات التي بقيت تحت حضنه ورعايته، والكثير من الثقافات والعادات والشعوب .. بل والأقليات الدينية المختلفة.

أمم كثيرة، وبلدان ممتدة طولاً وعرضاً ذات تاريخ مختلف وعادات وتقاليد مرتبطة بتاريخ كل بلد، بل وطباع نفسية وروحية أثرت حتى على فقهائها وحكمائها وباحثي العلوم الشرعية.

أمم وحضارات وشعوب أفادها هذا الدين، فضمها تحت كنفه وعظمته، وأفادتها هذه الحضارة وأفادت منها هذه الحضارة حتى تُرجمت بعض الكتب اليونانية، وأهمها المنطق واعتنى علماء الإسلام وأفادوا منه في أقدس شيء؛ في فهمهم للنص الشرعي حتى بلغ الحال بالغزالي أن يصف من لا يعرف المنطق بأنه لا يوثق بعلمه في الأصول (المستصفى للغزالي 1/21)، وكَتَب ابن حزم كتابه الشهير: (التقريب لحد المنطق)، وانفتح عليه مع انغلاقه الشديد عن فكرة (القياس) التي هي أقرب لروح الذات الثقافية..

بل وقال عن من لا يعرف المنطق بأنه "لم يجز له أن يفتي بين اثنين، لجهله بحدود الكلام وبناء بعضه على بعض، وتقديم المقدمات وإنتاج النتائج التي يدل عليها البرهان وتصدق أبدا، أو يميزها من المقدمات التي تصدق مرة وتكذب مرة" (التقريب لحد المنطق 168)، فهو هنا يقترب من التعاطي المباشر مع العمل المنطقي اليوناني بل ويترجمه حرفياً ويستعمل مقولاته في كتابه عن المنطق بل ويستعمل الاصطلاحات اليونانية غير مترجمة كما يفعل بعض المثقفين المعاصرين، وفي نفس الوقت يتخذ موقفاً حاداً وحازماً تجاه فكرة "القياس" الفقهية التي كانت أقرب للروح الفقهية الإسلامية المتداولة حينها.

كل تلك الأمم (كاليونانية) بخلفياتها المثقلة ـ ثقافيا ـ استوعبها الإسلام وعاشت في كنفه؛ مما يدل على وجود آلات توظيف رهيبة داخل هذا الدين لكل شؤون المختلفات العادية والثقافية والحضارية، لكي تتسع بمرونتها لكل هذه الأطياف، ويدل على مقدار الحركة الداخلية فيه والإمكانيات الهائلة للنص الديني للاحتفاظ بدور الإدارة، والتفاعل في محلات لا تجمع بينها أية علاقة.

وهذا ما جعل القرآن يحظى بتفسيرات عدة ؛ لغوية، وأخرى فقهية، وثالثة علمية، ورابعة فكرية، وخامسة سياسية.. بل وثمة مثل تفسير الرازي الذي قيل عنه "فيه كل شيء إلا التفسير".

مما يسع معه القول بأن النص الديني (رَحِم) تُنْجِبُ من غير أن يلحقها سن اليأس، ودون أن يُهَدِّدها خاطف الموت فهو نص ولود ؛ قد تظهر المعاني الجميلة المتعددة لتعترف كل هذه المعاني بصلة الأمومة المباشرة لهذا النص الديني المتجدد والطريف في كل آن، كما يصفه عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ بأنه "لا تنقضي عجائبه" (سنن الدارمي 2/523)، وهو معنى ما يقوله أحد السلف: "لا يفقه العبد كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة" (الإحياء للغزالي 1/54).

يقول تعالى عن الماء المضروب مثلا للقرآن (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها)، يقول ابن تيمية: "فشبه العلم بالماء المنزل من السماء لأن به حياة القلوب كما أن بالماء حياة الأبدان، وشبه القلوب بالأودية لأنها محل العلم كما أن الأودية محل الماء فقلب يسع علما كثيرا ووادٍ يسع ماء كثيرا، وقلب يسع علما قليلا، ووادٍ يسع علما قليلا" (مجموع الفتاوى لابن تيمية 19/95).

فالنص الديني يحتوي على ما يسميه عبد الجواد ياسين (السلطة في الإسلام 54) بخاصية الاكتناز، وقدرته على التعامل مع مختلف التحولات والتغيرات، وهذا هو معنى قاعدة أن (الإسلام صالح لكل زمان ومكان).

صلاحية الإسلام هذه التي لا تنتهي ليست شعارا استهلاكيا، بل هو ـ عمليا وواقعيا ـ وجود ميزات داخلية فيه تحتوي المختلفات الظرفية: الزمانية والمكانية والعرفية، فالنص الإسلامي يلد مفاهيم جديدة بنفس النص وباحترام كل الشروط الموضوعية والعلمية لفهمه.

* العلاقة بين الخبر (="النص)" والعيان (="الواقع)

ثمة حديث مهم نفتحه مع الحارث المحاسبي، في كتابه (العقل وفهم القرآن 232)، يقول:

"الخبر القاهر، والعيان الظاهر هما أحق شيء، والعقل حق، وشأنه أن يعمل فيهما"، فالعقل البشري المسلم شأنه في أن يفلسف هذه الجدلية بين النص الديني أو ـ حسب تعبيره ـ: (الخبر القاهر)، وبين الواقع أو ـ حسب تعبيره أيضا ـ: (العيان الظاهر)، وهما لا يتناقضان.

إن حياة الحارث المحاسبي تدل على تلك العلاقة وليس من خلال حديثه فقط، فهو على علاقة بتيارات عصره كلها روحيها وعقليها ونقليها وعلى خبرة بمداخل عصره وواقعه مع تصوفه وروحيته، فأمه سنية من أهل الحديث، وأبوه معتزلي قدري، وهو صوفي، وفوق كل هذا (متكلم) ـ كما يصفه مترجموه ـ في مجال الحجاج العقائدي.

إن هذه العلاقة بين النص والواقع، والتي ضَرَبْتُ بالحارث المحاسبي بها مثلا هي إشكالية متداولة مما يشي بالإحساس المبكر جدًّا بمفصليتها تجاه المدارس الثقافية المختلفة والمهتمة بالنص الديني.

فهي حساسة لأنها ترسم الخطوط العريضة للمدى المتاح في محاولة تجاوز المتغيرات واقتحامها مع التسلح بالنص نفسه، فهي مشكلة كل عصر، وليس هذا العصر فحسب، إلا أن هذا العصر تجلّت هذه المقاربة صارخة لأن الذي يتغير ليس هادئا منسابا بل هو تغيّر فلكي صاخب يقلب تلك العقول التي تحسب بأيديها ـ كما تعوّدت أن تفعل مع تغيرات العصور ـ فالحارث المحاسبي يرى أن الخبر القاهر في جهة وأن العيان الظاهر في جهة أخرى، وبأن "العقل" هو الأداة التوصيلية المشغلة التي صنعت في الواقع والفهم المجرد كي تفهم ذلك النص.

لقد تعامل المحاسبي مع أزمته الخاصة وفهمه الأخلاقي للنص بهذه الطريقة غير أنه مد الخيط كي تستفيد أجيال أخرى من هذه المعادلة في أزماتها المختلفة.

ولأن لكل عصر أزمته الفقهية الخاصة به، فتجاهل أزمة العصر واستصحاب وترحيل أزمات تاريخية، لا للاستفادة منها، بل لإسقاطها والمحاكمة إليها حرمان فقهي وعقلي عن الموضوعات الفقهية الحقيقية الكامنة وراء المدارس في أسباب الاختلاف وإشكاليات تفسير النصوص.

والواقع كالنهر الجاري، وإنك لا تستحم في نهر مرتين. وللاستحمام في هذا النهر من غير توجس أو رهبة، يقرر الأصوليون أمثال القرافي (الفروق: 2/176)، وابن القيم (إعلام الموقعين 3/11)، قاعدة: (تغير الأحكام والفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال الأعراف).

ويقرر أصوليو الشيعة :"يتبدل الحكم تبعا لتبدل الموضوع" (الاجتهاد لكاظم الحائري وآخرين 54). وهو رديف ما يذكره أصوليونا من أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما (القرافي 218).

فتلك العوائد والأحوال والأمكنة والأزمان هي "الواقع" بإشكالياته الناهضة وأزماته الخاصة، والفتوى أو الحكم هو العمل التأويلي والاجتهادي التفسيري في النص نفسه.

وكما أنزل الله القرآن، فهو أنزل الميزان الذي قيل بأنه العدل أو القياس أو القسط وكل ذلك دلائل العقل، فهذا الكتاب قرر الميزان والعقل وجعله سبيلاً للعمل به وفهمه.. قال تعالى (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان)، فلا يتناقض "كتاب" الله سبحانه وتعالى مع "الميزان" فكلام الله كله عدل وصدق و(من أحسن من الله قيلا)، فهذه المهمة الفقهية للنص هي تقوم على عنصر "الكتاب" المنزل، و"الميزان"، وفي إعمال هذا الميزان في فهم القرآن.. ومحددات الشريعة وثوابتها وأصولها مناطق محددة يعرف الميزان ثباتها ووضوحها.

* مضمون الحركة الاجتهادية:

إن مضمون الحركة الاجتهادية والعمل الاجتهادي العقلي هو تفعيل هذه العلاقة بين النص الديني والواقع، مع حسبان صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، فهي إنشاء علاقة مسئولة بينهما.

وبما أن الدين كفل الأجر الواحد لمجرد الاجتهاد في حديث عمرو بن العاص في الصحيحين (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر واحد، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران)، فذلك حض أكيد على المقاربة المنهجية لهذا السؤال.. والاجتهاد فيه وتلك هي الصناعة الفقهية والأصولية التي أبدع فيها مهندسو الفقه الإسلامي وكباره على مختلف الأجيال والعصور. هذا الجهد في العمل العقلي بين النص والواقع عمل مستمر ـ كما وصفه الحارث المحاسبي ـ.

ويحاول سيد قطب وصف هذه العلاقة بأنها: "الحركة داخل إطار ثابت وحول محور ثابت" (خصائص التصور الإسلامي 75).. وكان موفقاً حينما وصفها بالحركة.. وبأنها حول محور ثابت، غير أنه لم يبد موفقاً حين قال بأنها داخل إطار ثابت، فالعمل العقلي في النص ليس داخل حلقة محددة، فتلك الحلقة المحددة هي التي رأي فيها سيد قطب "الطليعة المؤمنة"، ورأى العالم حولها كله "جاهلي"، كما وصفها فيما بعد (معالم على الطريق: الفصل الأول)، بل هي عملية حركية حول إطار ثابت من محكمات الدين ولكنه في فضاء مفتوح للتعاطي مع الواقع، وهذا ما كان الفقهاء أكثر فهماً وقابلية للتعاطي معه وفلسفته.

فهذه الحركة الفاعلة هي المادة لهذا الاجتهاد وبمعنى ما، هو جريان المتحرك المتغير الصاخب بالقانون الثابت. فالجريان والحركة لا تتناهى، وإنما العدد الكمي للنصوص مقدر لا يتغير، وهو مغزى بعض الأصوليين والفقهاء حينما يقولون: "النصوص متناهية، والحوادث غير متناهية" (إعلام الموقعين: 1/233).

فهذا الاجتهاد على طبقتين: طبقة عامة لكل الناس فيما يجب عليهم العمل به فهو اجتهاد ضروري للرجل العادي لممارسة ذلك في حقل العمل والنصوص العامة لأن الشريعة نزلت للإفهام (الموافقات للشاطبي 2/357).

ولعل هذا القدر الضروري هو الذي ألزم ابن حزم العامي بالاجتهاد فيه حين يقول: "وعلى كل أحد حظه من الاجتهاد الذي يقدر عليه" (النبذ في أصول الفقه 117)

وربما أيضاً هو البيان العام الذي يتحدث عنه الشافعي في الرسالة (47).. فهذا العمل الاجتهادي العقلي في "النصوص" عمل شامل في التنزيل والتطبيق المباشر لكل من يفهم النصوص ويقدر على تبين معانيها.. فهذا القدر من الشريعة هو العمل المشترك الذي يقوم به الجميع حين قراءة القرآن لتدبره وفهمه والعمل عليه فمثل قوله تعالى "وأقيموا الصلاة" و"وبالوالدين إحساناً"، لا تحتاج لمفسرين في فهمها الضروري الذي يقوم به العمل لكن الأكثر علماً في النصوص أكثر عمقاً في فهمها وغزارة في تطبيقها كما قال تعالى "فسالت أوديةٌ بقدرها" فلك أحد قدره من وادي الوحي العظيم.

وكل هذا الاجتهاد الضروري لا يعني تناول العامي للشأن التخصصي الفقهي المحض في الإفتاء كما هو عرف علمي و شرط في كل العلوم لكي تبدو حركة الاجتهاد مسئولة وناضجة.

وعلى أية حال، فالاجتهاد "حالة تقبل التجزؤ والانقسام" (إعلام الموقعين لابن القيم 4/166)، فالاجتهاد العقلي قد يبدو مشروعاً ومقبولاً في دائرة يعرف فيها الناظر فهمه ومعرفته، ثم يعود الاجتهاد نفسه عصياً وغير مقبول في دائرة أخرى من النص لا يمتلك فيها الناظر شروط التأويل والفهم فيها.

والاجتهاد في هاته المقاربة هو تفكير في فهم النص وتطبيقه، ولا يمكن أن يكون اجتهادا في مورد النص لأن الاجتهاد في مورد النص هو تفكير في قبوله من عدمه مما يعني تشكيكا في قدرة النص الديني وغناه.

* بين الثوابت و(التخريج على الثوابت):

إن هناك محكمات واضحة ومحددة في هذه النصوص، وثمة متشابهات محتملة أو ظنية الدلالة ـ كما يحب تصنيفها علماء الأصول ـ وهذه الأخيرة هي المساحة الأوسع في النصوص، فهذه المتشابهات تفزع إلى المحكمات، وأم الكتاب (="المحكمات)" هي الحاضنة الرحيمة للمتشابهات، تقوي ضعفها وتشد أزرها، وتصلها بقوة الدلالة التي قد لا تستقل بها لولا مساندة هذه الأم.

إن هذه الثوابت المحكمات القطعيات لا مجال فيها للتصرف، لكن هذه الثوابت شيء، وعمليات (التخريج على الثوابت) شيء مختلف.. فهذه الملحقات بالثوابت تسيء للثوابت نفسها، وتسيء للمتغيرات، وللواقع والإنسان.

وأما الثوابت، فإن البعد المصلحي فيها لا ينتقص بفعل الزمن أو الجغرافيا، بل هو متواطئ، فالكبائر المحرمات ـ مثلا ـ المتفق عليها واضحة لا تختلف مفسدتها زمانا أو مكانا، مثل قتل النفس بغير حق، أو قذف المحصنات الغافلات، أو ارتكاب الزنا ونحو ذلك.

إن بإمكانك فهم أن ثمة قواعد كبرى (محكمات) تحكم التأويل وشؤون تفسير النص قد يسميها الفقهاء (قواعد) أو محكمات أو ثوابت أو غير ذلك، ولكنهم قد يدرجون ضمن هذه القواعد (مسبقات) وخلفيات لا يساعدها النص ذاته ـ أحيانا ـ، مما يعني أن هذا مغالاة تأويلية صنعها الفقيه ذاته حتى إنك ترى فقيها حنيفا جليلا كالكرخي يقول: "كل آية أو حديث خالف مذهبنا فهو إما منسوخ أو مؤول" (رسالة الأصول للكرخي 84).

إن هذا التصرف الغالي في حرف النص ليوافق نظام الفهم المسبق هو بشكل ما، تجاوز للقواعد ذاتها من أجل الخلفية المذهبية، وينم عن أيدلوجية متشبثة بالنصوص لمحاكمتها وإرهاقها، بدل خدمتها والانطلاق والاستفادة منها ومحاورتها.

ومع اختلاف المدارس الإسلامية بين الرأي والحديث، أو (الأثر) و(النظر)، أو (الحجاز) و(العراق)، إلا أن المدارس كلها تقف على جملة واحدة في الاعتراف بمصدرية النص الديني، وبقيمة الرأي على حد سواء مع اختلافهم في مقدار ذلك.

وإن من هذه الثوابت والمحكمات مقاصد الشريعة ومصالحها العليا في الدين والدنيا:

أما الشعائر (العبادات)، فلا يمكن تحصيل مغيّاها إلا بما جعله الشارع وسيلة، ولا يمكن أن تتوسل بغير ما جعله الله وسيلة فيها، لأنها متكئة اتكاء مطلقا على مسألة العبودية فحسب، والله عز وجل وحده يعلم أفضل الطرائق لعبادته وطاعته، ولا أحد غير الله يستطيع تحديد ذلك، وأما أمور الحياة (العاديّات) فيمكن تحصيل المقاصد بوسائل مختلفة.

وفائدة معرفة "المقصد/المغيّا" في العبادات هو محاولة إحياء البعد الروحي والعلاقة الإيمانية الأخلاقية، ويمكن ترجمة مشروع الغزالي (إحياء علوم الدين) على هذا الاتجاه، وفائدتها في المعاملات، إبراز البعد المصلحي والعلاقة الدنيوية الواقعية، وهو مشروع الشاطبي (الموافقات في أصول الشريعة)، وهو وجه التكامل بينهما، ففي المشروع الأول الأجنة البدائية للمشروع الثاني، ومن هنا كان تسرب فكر الغزالي عبر الشاطبي، حيث إن الشاطبي ذكر اسم (الغزالي) في الموافقات والاعتصام خمسا وأربعين مرة، وهو تقريبا أعلى اسم يرد ذكره فيهما.

فقضايا الإيمان والبعد الروحي والشعائري والتعبدي الذي لا يختلف هو (الفكر الثابت)، والبعد الظرفي الدنيوي هو (فكر أزمة خاصة) بآليات جديدة مختلفة ومناسبة للظرف، كما هي طريقة الأنبياء كلهم في الفكر الثابت (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)، وفي فكر الأزمة ينفرد (لوط) بالمسألة الأخلاقية، و(شعيب) بالمشكل الاقتصادي، و(موسى) بالاستبداد السياسي.. إلخ.

فـ"الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد"، كما في الصحيحين؛ فهم يشتركون في الثابت ويختلفون في الأزمات الظرفية.

وربما كانت هذه الأزمة الفكرية الخاصة بكل عصر هي موئل الغزارة المفهومية والتأويلية لنصوصها في إعمال الاجتهاد العقلي، و"لكل جيل من المؤمنين ابتلاؤهم التاريخي كما أن لكل قوم هاد" (قضايا التجديد للترابي 47)، فهذا الابتلاء التاريخي هو البعد الآخر للاجتهاد في إدراك هذه الأزمة المعاصرة لذلك الاجتهاد وتفعيل النصوص فيها.

* التشريع: كائن حي

التشريع كائن حي، هكذا يصفه الدكتور محمد يوسف موسى (التشريع الإسلامي 7).

وهنا ملحظ:

يمكن القول بأن تغيير النص بسبب الواقع نسخ بشري لنص إلهي، وبلغة أخرى: تحريف لحكم الله وتبديله، إلا أن المؤكد في غير هذا أن الواقع قد يكشف دلالات مخفية في النص، ويُظْهِرُ بعض مضمراته، أو يحضر بعض مغيباته، وربما يفترض مناطق فيه كانت في عداد البكر .. {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم}، ولاحظ سين الاستقبال في "سنريهم"، فهي عمل يستمر بعد النص وبعد انتهاء الوحي في عرض هذه الآيات الموجودة في النص نفسه والقابعة فيه.. فهي آيات لا تنتهي بل يكتشفها القارئ في الواقع نفسه، فهي آيات متعلقة بالآفاق وبما هو خارج عن إطار حلقة النص.

فهذه الظواهر للنص التي قد تخفي بواطن لا تخالف ظاهر هذا النص ولا تتشاكس معه، بيد أنها قد تلد منه مفاهيم خصيبة، وبحسب أحد الباحثين، فإن هناك فرقا جليا بين من يخرون على النصوص صما وعميانا وبين من يخرون عنها صما وعميانا، فهناك نصوص تحمل أرواحا لتحريكها والنظر إليها، وكلا القراءتين لا مسئولة للنص.

والذين على قلوبهم أكنة أن يفقهوا النص الديني وفي آذانهم وقر، هم بين مشكك به لا يعترف بنصوصيته وبين هياب وجل من عهدة تفسيره والعمل عليه، فهما في المحصل العملي سيان.

فالعقل البشري حين يعمل بالنص يتحمل وحده مسئولية تأويله دون أن يلحقه بالنص الأصلي أو ينسبه إليه: (فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا) (حديث مسلم).

* منظومات غير نصوصية (صلة الواقع):

لا توجد حركة تفسير دينية انطلقت من النص وحده، فالعقل اللاواعي الثقافي يخاتل هذه القراءة أو تلك ليتسلل كمؤثر أساسي، فتفسير النص له ارتباط عضوي بالواقع، فالتفسير عمل لم يكن نصياً فحسب، هو صلة مهمة بين النص والنص المطبَّق (="الواقع)،" أو تأويل النص في الواقع، ومن الطبيعي أن يؤثر تغير الواقع في تفسير النص الديني كما تتغير المذاهب الفقهية، وعلى هذا وصف الحنفية اختلاف صاحبي أبي حنيفة: أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، عن أبي حنيفة في ثلث المذهب، بأنه (اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان).

وحين تحدث القرافي عن أصول مذهب مالك ووجوه الاختلاف فيه، نقد بحدة الوقوف على المنقول دون الجهد التفسيري والعقلي فيه، فقال: "والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين" (الفروق للقرافي 1/317).

فعلى هذا الأساس هل يسلَّم بمنظومات نصوصية لا تعرف إلا النص ولا يحكمها إلا النص وحده مهما ادّعت ذلك؟

يقول عبد الجواد ياسين: "إن المنظومة السلفية غير نصّية: بمعنى أن النص الخالص لم ينفرد بتأسيسها، وإنما تأسست بوجه عام على مصادر تاريخية مفارقة للنص وإن كانت متاخمة له" (5) (السلطة في الإسلام 61). والمهم أن هذه الملاحظة المهمة ليست شأن المنظومة السلفية وحدها بل هو شأن كل المنظومات.. فكلها صنعت لها مصادر أخرى جعلتها حاكمة في العمل بذلك النص وفهمه..

إن الأمة والواقع والعصر هو (المحل)، أما النص والأصل والشرع فهو (الوارد) ـ إذا استعرنا مصطلحات المناطقة ـ ويحتاج إيقاع حكم الوارد بالمحل إلى تفاعل حيوي يجمع بين استيعاب النص وإدراك الواقع، فالدين حراك تفاعلي بين القيم (الإيمان)، والعمل البشري التاريخي (الكسب).

إن علاقة الفقيه بالواقع، أصح ما يمكن قوله عنها بأنها (تبادلية) ليست جذرية ولا مباينة. وترجمة التبادل هي في أن يأخذ القارئ من الواقع قواه المنطقية وفهومه وعلومه، ويعطيه لهذا النص حين فهمه وتطبيقه، ويأخذ من هذا النص بناؤه لكي يعطيه للواقع من أجل تفعيله والعمل به.

ومن هنا كانت مفردة (الناس) ـ كجزء من الواقع وكقارئ في هذا النص ـ مؤثرة في العقل الفقهي الدقيق لتخوض فيه بمهارة، فالسَّرَخْسِي ـ مثلا ـ يصف الاستحسان بأنه "ترك القياس، والأخذ بما هو أوفق للناس" (عن: ضوابط المصلحة للبوطي 332).

ولهذا جاءت لفتات العلماء والفقهاء والأصوليين بمعرفة الناس والواقع، بل إن ابن بدران يقول: "من اللازم على من يريد التفقه أن يعرف الحساب، وفن المساحة" (المدخل 262)، والخطيب البغدادي يقول: "الفقيه يحتاج إلى أن يتعلق بطرف من معرفة كل شيء من أمور الدنيا والآخرة" (2/334)، ولو كان الفقيه يحتاج للنص وحده أو للمنقولات، فلماذا يصر هؤلاء الفقهاء على كل تلك الأدوات الواقعية لفهم النص ولتطبيقه والقيام بدور الإفتاء الشرعي ..فالفهم التطبيقي للنص يحتاج للواقع.

و(تحقيق المناط) عند الأصوليين هو فقه المحل والواقع والملابسات ودراسته لإناطة الحكم الشرعي فيه وترحيله معه، فهم وظفوا هذا المفهوم الغزير في "تحقيق المناط" من أجل العمل في العلة التي يتغير الحكم فيه وجوداً وعدماً، والتي يتحول معها الحكم الشرعي حيث تحولت.

وفي الجهد العقلي والاجتهاد نفسه يقوم الفقيه بدراسة تلك العلة وتبيينها ابتداء ثم تحقيقها عملياً واستخراج الحكم بناء عليها، فهي مهمة فقهية تفسيرية عالية يقوم كل طرف بصناعة مختلفة ويقوم القارئ والسامع الفهم والاجتهاد الجزئي.

فللنص حقوق كما أن للواقع والمفسر حقوقا، وداخل هذا التفسير نفسه يدور المتكلم والسامع دورة أخرى من التأويل، يقول فيها ابن القيم: "دلالة النصوص نوعان:

1. حقيقية: تابعة لقصد المتكلم وإرادته..

2. إضافية: تابعة لفهم السامع وإدراكه" (إعلام الموقعين 1/642)، فهو يبرز هنا وجه قائل النص الفقهي، كما يبرز وجه المفسر له بواقعه وخلفياته الثقافية والاجتماعية والنفسية والسياسية والمذهبية..

* .. والنص الديني المفتوح:

يذكر الأستاذ محمد جمال باروت (الاجتهاد 94)، أن (القياس) وظيفته محدودة ومغلقة، لأنه كشف عن مثال بجامع علة. ويبدو أن هذه الملاحظة غير دقيقة، فالقياس أنواع ودلالات، وأحدها دلالة الشمول، وهو نفسه معنى العموم والإباحة الذي يحاول ابن حزم تقديمه كبديل عن القياس، فمهمة القياس المعروفة هي عملية ليست محصورة على قياس العلة.

وبالمقابل، هناك مفهوم آخر يقدمه ابن رشد الجد ـ كبديل عن الأصل الرابع القياس ـ ذلك هو مفهوم (الاستنباط)، حيث يبدو لأول نظرة قرآنية هذا المصطلح وحضوره الكثيف غير المباشر في التراث الفقهي، إذا بهذا المفهوم يبدو القياس المنطقي ودلالة العموم والإباحة مشمولة داخل هذا النص المتفق على جدارته وقوته.

الاستنباط.. معنى يبدو أعمق صلة بالسلالة المقاصدية والمصلحية، لأنه حفر في دلالات النص وهيكلته، مما يفتح أمامنا المجال الرحب للفكرة المركزية: (النص المفتوح).

هل تحتاج المستجدات العلمية والتقنية والحضارية والمحايد الثقافي والفكري والنفسي والتربوي والسياسي لأدلة خاصة تشرع ذلك كله وتلاحقه بنصوص خاصة ترافقه (كما يحاول ذلك بعض الإصلاحيين وبالخصوص: الرواد)، أم أن هناك (نفيا استباقيا) للمخرجات المختلفة المولودة من رحم الآخر (كما يدعو له الاتجاه التقليدي)، أم هناك شيء آخر يتجاوز الثنائية إلى شهادة (الأصل العام)، و(النص المفتوح)؟

هذه هي قيمة هذا الأخير.

إن مفهوم (النص المفتوح) قريبة من فكرة (الأصل الأوّلي)، كما يطرحها فقهاء الشيعة وأصوليوها ومن (مرتبة العفو التشريعي) عند الشاطبي (الموافقات 1/139) وغيره، و(مساحة الفراغ القانوني).. والذي يمكن تطويرها لتختلف نسبيا عن كل تلك المفاهيم، لتبدو منصة مركزية دالة على حضور الدنيا وأمورها المختلفة والمحافظة عليها، فهي تمتلك داعما من النص الديني نفسه في فسح المجال لمثل هذه الأشياء في أن تنال مكانها من التصنيف الفقهي والقانوني.

فقضايا ومفاهيم ذات دلالة طبيعية وبشرية، كالحرية والعدالة والتقدم والنهضة والإصلاح والمعرفة وغيرها مبادئ تحتمي بهذا النص المفتوح، ولا تحتاج لنص خاص ودقيق يبرر به قيمة هذه المفاهيم وأهميتها، بل إن تكلف وجود نصوص صريحة مباشرة نوع من الإزراء بهذا النص المنقول وبذلك المفهوم المراد تقريره.

إن (النص المفتوح) إذًا معناه: الوقوف عند (دنيوية الدنيا)، أو كما يعبر الأصوليون عن مثل هذا بأن الشرع عهد مثل هذه الأمور إلى عقول الناس وتقديراتهم وتدبيرهم، وهي قريبة من فكرة الاستصحاب العام عند ابن حزم التي جعلها بديلة عن القياس، فهما (أي: الاستصحاب العام، والقياس) ـ حسب ابن حزم ـ يشتغلان في وظيفتين متناقضتين، فالأول لفتح كل الخيارات، والثاني لتعيين خيار مفروض.

النص العام لم يأمر بقيمة الأكل والشرب وأداء قيم الحياة الأخرى، لأن طبيعة الإنسان الميالة لذلك تكفيه، كما أن الشريعة أمرت ببر الوالدين ولم تأمر ببر الأبناء، لأن محبة الأبناء وبرهم مما كفلته طبائع الناس وضروراتهم الحياتية، فكذلك مسائل الحقوق ورعايتها وتأسيس قيم الحرية والعدالة والكرامة والعيش الكريم لا تحتاج إلا لهذا النص التشريعي العام في القيام على حراثة الأرض أو السماح بعمارتها والضرب فيها.

إن كل هذا الانفتاح والتعاطي هو قرار نصي داخلي، بيد أنه يترك الجهد البشري للناس، فالله عز وجل يقول: (سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض)، وهذا مفهوم إيماني قطعي، فهو الخالق المسخِّر ـ سبحانه ـ بَيْد أنه خلقه وسخره (لنا)، وهذا هو الفارق الأساسي بين هذا الحقل الذي تشتغل فيه آليات النص المفتوح، وبين الحقل التعبدي و(الشعائري).

يقول الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ..)، فالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى أصول العمل الشريف للمصلحين في السعي من أجل العدالة وكل أشكال الإحسان والخير والمعروف.. ومكافحة كل أشكال الفحشاء والمنكر والبغي.

هذا النص المفتوح ـ الذي يشترط فيه العموم ـ يعقد قران تصالح ونكاح شرعي بين الثقافات والدين والدنيا للتوفيق بينهما بالحلال، فمن مشتملاته قضايا الاقتصاد العام وإشكاليات الفكر الحضاري والنظام السياسي.. إلخ، بمعنى: وجود مرتكزات كبرى دون الحاجة لتفاصيل لأن (التفاصيل)، متروكة لعهدة البشر والناس الذين تختلف أحوالهم وعوائدهم فيكفي فيها معنى هذا النص.

"كل أصل لم يشهد له نص معين وكان ملائما لتصرفات الشرع ومأخوذ معناه من أدلته، هو صحيح يبنى عليه، ويرجع إليه" (الموافقات للشاطبي 1/37). ويمكن القول في روح الإسلام أنها: تصالح الدنيا والدين فـ"أدب الدين: ما أدى الفَرْض، وأدب الدنيا: ما عَمَر الأرض"، كما يعبر الماوردي (أدب الدنيا والدين للماوردي ص 111).. ففي أداء الفرض يحتاج المسلم لنص دقيق تفصيلي يعرف كيف يؤدي فرضه، بيد أنه في عمارة الأرض يسير ويضرب فيها حتى يوقفه نص آخر.

يقول ابن عقيل حول كلمة (لا سياسة إلا ما وافق الشرع): "إن أردت بقولك (إلا ما وافق الشرع)، أي: لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة". (الطرق الحكمية لابن القيم 13).

فالشريعة تركت مجالاً رحباً لعهدة البشر في اجتهادهم الخاص لإبقاء الحياة والقيام عليها وتحصيل منافعها، فهي تأمرك بأن تمارس شؤونك الحياتية بنفسك، ولذا خلق وسخر (لك) كل هذه الأرض ذات الطول والعرض، وأي تقصير في هذا فهو بقدر ما.. تقصير في إبلاء هذا الوجود والخلق والعظمة حقها من القراءة والنظر والاعتبار.

* الواقع .. وجدل "التأويل":

كان لدى المتقدمين من فقهاء الشريعة وحكمائها شعور إيجابي عريض تجاه كلمة "التأويل"، ذات الجذور الإسلامية في عصر ما قبل الاصطلاح الفقهي، الذي مهد لجدل طويل الذيل حول كلمة "التأويل" ودلالاته.. فمن ذلك النفس الذي يتبنى كلمة "التأويل" كمفردة عربية وشرعية في بواكير الإسلام .. ولدت أجنحة أخرى استعلمت تلك الكلمة في معانٍ شتى بعثت في نفوس آخرين التوجس والشغب إلى حد أن أرسل ابن القيم إحدى صواعقه في كتاب "الصواعق المرسلة" على هذه الكلمة وعقد فصلاُ فيما سماه "طاغوت التأويل"!.

فالتأويل بدأ كلمة تقترب من المفهوم الديني للتفسير والترجمة، لكنه مع الوقت ساء استعماله عند بعض التيارات المختلفة في التاريخ لصرف المعنى الظاهر للكلمة والمفردة إلى معنى خفي .. وذلك الاستعمال استفادت منه مذاهب كثيرة داخل الإسلام لتبرير تفسيرها الخاص على ضوء هذا المعنى الخفي الذي تفترضه. وحيال هذا الاستعمال كان موقف كثير من دارسي كلمة "التأويل" متحفظاً ومشككاً في دلالة هذه المفردة وقيمتها.

ومع تسلسل الأجيال، انتشر حول التأويل معانٍ مختلفة تجعل منه سلاحاً مذهبياً أو حزبياً لتبرير النتائج الكلامية، بيد أن كل تلك الحمولات بقيت ثقافية واصطلاحية لا تقوم على نقض المعنى الأساسي للتأويل المتداول في لغة العرب والمعروف أثناء فترة التشريع الأولى.

كان التأويل صديق المفسرين الأوائل، فهم يستعملونه تماماً كمرادف لمعنى التفسير، كما يفعل مجاهد الذي تلقى التفسير والتأويل عن ابن عباس.. وكما يحكي شيخ المفسرين "الطبري" في كل آية كيف يكون تأويلها، فيقول "وتأويل هذه الآية.."، أو "والقول في تأويلها .."، فيستخدم كلمة التأويل بكل راحة ضمير، حيث إن ذلك الاصطلاح المثير للجدل حول "التأويل" بمعناه الاصطلاحي لم يخلق بعد.

وحول مفردة "التأويل" ثمة شيء آخر يجعلها أكثر ثراءً، إذ إن تلك المفردة في بواكير الإسلام استخدمت بمعنى "الواقع المتعلق بالنص" في إيحاء مثقل بتلك العلاقة بين "النص الديني" والواقع؛ النص الديني كمكتوب ومدون .. والواقع كمتحرك وصاخب.. فالتأويل لغةً ما يؤول ويرجع إليه الشيء فهو تفسيره وبيانه .. وتحقيقه وتحويله لواقع.

يقول الله تعالى: "هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله"، والتأويل في هذه الآية تعني تحقيقه وجعله واقعاً، كما قال مجاهد وقتادة وأكثر المفسرين. فالواقع في الاستعمال الشرعي نوع من التأويل وفهم النص من خلال الواقع جزء من هذا التأويل اعتماداً على هذا الاصطلاح الشرعي لكلمة "التأويل" نفسها، وفي قصة يوسف يقول الله تعالى على لسان يوسف "يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً" أي في قول أكثر المفسرين حقق الرؤيا وجعلها واقعاً وهذا هو تأويها .. فالتأويل هنا هو استخدام الواقعة والحدث لفهم النص.

روت عائشة ـ رضي الله عنها ـ في حديث الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفرلي"، ثم تعلق قائلة "يتأول القرآن"، ومن الواضح أن هذا النوع من تأويل القرآن ليس المقصود تفسيره الشفوي بقدر ما هو العمل الواقعي المرتبط بهذا النص، وكل الذي يعنيني من هذه الرواية هو تتبع هذه المفردة المهمة "التأويل"، التي جمعت بين أطرافها معنى فهم النص وتفسيره .. وفي نفس الوقت الواقع المرتبط بهذا النص والمتداخل معه.

وفي هذا السياق .. ليس القصد إفراغ النص من معناه، بل إثبات أن ثمة مساحة مشروعة داخل النص الديني نفسه للتفسير والتأويل ضمن الواقع الذي يريد المسلم عمل النص فيه، وكما أن هناك معانٍ مغلقة ثابتة في النص الديني الإسلامي لا تقبل الجدل وهي المتعلقة بالواضحات المسلمات، فإن هناك مساحة أخرى للمتغيرات والمختلفات داخل هذا النص نفسه.

هذا التأويل النصي المرتبط بالواقع يشي بالعلاقة القائمة بين أي نص ديني وقيمته التفسيرية من جهة وبين الواقع المراد فهمه وتطبيق ذلك النص عليه من جهة أخرى، وهي نفسها العلاقة التي يرصدها المناطقة بين ما يسمونه "الوارد" وهو النص، وبين "المحل" وهو الواقع الذي يمارس عليه فهم ذلك النص ودلالته .. وتماماً كما يقولون بأن النص متناهٍ والحوادث غير متناهية .. فإن الواقع اللامتناه الذي يقلب الموازين كل مرة ويتغير كل لحظة يخلق بيئة جديدة لممارسة التأويل للنص بشروطه التي لا تلغي النص من داخله ولا تغتال الواقع أيضاً.

مفردة "التأويل" التي جمعت شمل النص والواقع.. قادرة على فعل ذلك كل مرة .. فالنص الديني حين يتم تأويله وقراءته في الواقع يتلبس بناسه ويبدو كائناً حياً يتأوله الناس ويعيش معهم في حياتهم العامة ويتداخل معهم في ظروفهم وأشغالهم المتجددة.. في شيء أشبه بالعلاقة المتبادلة بين هذا النص الديني الحي والواقع .. فالنص هو العمل المراد تأويله وتشغيله .. والواقع هو المحل المراد ممارسة التأويل عبره.. وإليه.

العلاقة التبادلية بين "النص الديني" و"الواقع"، تعني أن النص يبعث الدلالات العامة التي يتم فهمها وتأويلها بهذا الواقع وعبر ظروفه التأويلية وشروطه في الفهم والتأويل.. لتعود للواقع من جديد حيث يتم تطبيق ذلك وممارسته.

إن تأويل النص لا يعني افتراض منظومة تأويلية حاسمة تحكم الناس على أساس أن تلك المنظومة هي النص نفسه .. بل يعني اتساع النص لدلالات التأويل الممكنة والقوية المرتبطة بذلك النص والمتعلقة بالواقع المراد تطبيقها من خلاله.

وفي أشغال التأويل .. لا يوجد نص ديني يشترط ارتباط التأويل بقرن أو بقوم أو بسلف ما .. فإن التأويل المشتبك بالواقع يحيل للواقع ـ أي واقع كان ـ ملأ الفراغات التشريعية .. ومقاربة المفهوم وفق السياق المرتبط بذلك الواقع وشروطه وأزماته الخاصة .. وإذا كان لقرن ما في التاريخ الإسلامي أزماته الخاصة والحضارية المرتبطة به والتي أوحت إليه بمشاغل التأويل حسب الشروط العلمية، فإن الواقع الحالي أكثر حاجة لمقاربة المفاهيم النصية وفق السياق المرتبط بالواقع الحالي وأزمته الحضارية والتنموية.

"التأويل" الذي بدأ بالنص المرتبط بالواقع، يجدر به أن يعود إليه، وكل التأويلات المرتبطة بواقع آخر وعصر آخر عليها أن تعود لواقعها .. فالواقع الحالي لديه موازينه ومشاكله الحضارية وأزماته الخاصة التي تبعث التأويل من جديد إلى حيث يعيش الناس ويفهمون، والتي تكفي لممارسة التأويل دون استنجاد بأجيال سابقة لها طابعها التأويلي الخاص وظروفها .. فأولى أشكال التأويل هو الارتباط بالنص الأساسي فهو أحسن تأويلاً.. "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا".

نقلا عن مجلة العصر

البريد: من الحمام الزاجل.. إلى الإيمايل


هشام عودة/ منذ أن ظهر البريد الإلكتروني، والاتكال عليه يزداد يوماً بعد يوم. والملايين الذين كانوا يخطُّون رسائلهم على الورق ويتوجَّهون إلى مكتب البريد لإرسالها أملاً في وصولها إلى وجهتها بعد عشرة أيام، علَّهم يحظون بجواب بعد عشرين يوماً، صاروا يرسلون رسائلهم من غرفة نومهم إلى أصقاع الأرض المختلفة، ليحصلوا على الأجوبة بعد دقائق. ومعظم أبناء الجيل الشاب اليوم، لم يجد نفسه مضطراً ليكتب رسائله على الورق، ولم يقصد مرة مكتب بريد. ولكن هل يعني ذلك موت البريد التقليدي؟ الجواب الذي قد يفاجئ الكثيرين هو أن البريد التقليدي لا يزال ينمو ويتطور. «فالبريد الملكي» في إنجلترا مثلاً يوزع 84 مليون رسالة يومياً، عبر 14376 مكتباً بريدياً. وبلغت عوائده السنوية 9056 مليار جنيه استرليني في العام 2006م. وبعد تدني أرباح هذا البريد باستمرار لمدة عقدين، حقق في العام 2008م أرباحاً بلغت 321 مليون جنيه. ولو ألقينا نظرة خاطفة على الموقع الإلكتروني الخاص بالبريد السعودي، لوجدنا أنه يتألف اليوم من 1230 مكتباً و82 وكالة و770 مكتب تمثيل بريدي، ويغطي 6123 مدينة وبلدة وقرية، ويتعامل سنوياً مع 950 مليون مادة بريدية ما بين رسالة وطرد وغير ذلك. وأكثر من ذلك، يكشف الموقع عن خطط تطويرية مدهشة لجهة اعتماد أجهزة البريد الآلي (مثل الصراف الآلي)، وأجهزة أخرى مثل تسليم البريد بواسطة القارئ الكفي..!؟ إذن لا شيء يوحي بأن البريد التقليدي سيخرج في المستقبل المنظور من حياتنا. ولذا يجدر بنا أن نعرفه عن قرب، وأن نعرف شيئاً عن مسيرته التاريخية، لكي نفهم مكانته في عالمنا، ونقيِّم بشكل صحيح أي تطور يطرأ عليه.

أول تاريخه: اختراع الكتابة
يؤكد الباحثون أن حاجة الإنسان إلى نقل كلامه لمسافة بعيدة كان الدافع الأول إلى اختراع الكتابة. ويستدل هؤلاء على ذلك بأن آثاراً وصلتنا من حضارة أوغاريت، تضمَّنت الكثير من الرسائل الملكية. وأوغاريت كما هو معروف هي صاحبة أول أبجدية مسمارية. كما عثر في مواقع كثيرة من بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين على رسائل متبادلة ما بين ملوك هذه البلدان وفراعنة مصر. فقد كان لفراعنة مصر مثلهم مثل الصينيين والفرس والأشوريين أنظمة بريدية منظمة ساعدت ملوك هذه الحضارات على إدارة ممالكهم الواسعة. وكان البريد آنذاك حكراً على المسؤولين السياسيين والقادة العسكريين. أما العامة، فلم ينعموا بهذه الخدمة، ولم يكونوا أصلاً بحاجة إليها طالما أن معظمهم كان يجهل القراءة والكتابة. ظل البريد منذ نشأته في تلك العصور القديمة وحتى القرن السادس عشر، قائماً على «نظام التتابع». ويقضي هذا النظام بأن يحمل عداء أو فارس الرسالة لمسافة محدودة يسلمها بعد ذلك إلى عداء آخر أو فارس يكون في مكتب بريد على مسافة معلومة، ليتولى هذا نقلها إلى مكتب آخر وهكذا دواليك إلى أن تصل إلى هدفها.

البريد العربي الأول
عرف العرب قديماً عدة أنظمة لإرسال الرسائل من منطقة إلى أخرى. ومن أشهرها نظام إشعال النيران على القمم والمرتفعات الذي اقتبسوه عن البيزنطيين، وذلك لنقل رسالة مختصرة جداً، متفق مسبقاً على ما تعنيه. ولكن البريد بمعناه الحقيقي ظهر في زمن الدولة الأموية. وازدهر في الدول اللاحقة. إذ تشير الوثائق التاريخية إلى أن معاوية ابن أبي سفيان، رضي الله عنه، هو الذي وضع النظام الأول للبريد العربي، وجعل من مدينة البصرة في جنوب العراق مركزاً له. ولاحقاً، طوَّر عبدالملك بن مروان ما بدأه معاوية، حيث أمر بوضع العناوين والاتجاهات والإشارات وتقدير المسافات على الطرق ليستعين بها سعاة البريد الذين ينقلون رسائل الخليفة إلى الولاة والجنود.
وتقول الوثائق أن عدد محطات البريد في أيام الدولة الأموية قارب الألف محطة منتشرة في معظم أرجاء الدولة. وكان لكل محطة رئيسها الذي يراقب السعاة والخيول، إذ ضمت كل واحدة مجموعة من الجياد القوية، ليقوم الرسول أو ساعي البريد باستبدال فرسه المتعب بفرس آخر قوي، ليتمكن من مواصلة طريقه بالسرعة المطلوبة. وأطلق العرب على المسافة بين محطة بريد وأخرى مصطلح «ميل من البريد»، وهي مسافة يترواح طولها بين فرسخين وأربعة فراسخ، ولنا اليوم أن نقدِّر تلك المسافة على وجه الدقة، إذا ما علمنا بأن الفرسخ يساوي ثلاثة أميال. فيما كانت المحطات تعرف باسم «السكك». وفي المتحف الوطني بالرياض يوجد حجر حفر عليه «ميل من البريد وهو على سبعين ميلاً من الكوفة». وجاء في الوثائق أيضاً أن الرسل وسعاة البريد كانوا يقطعون المسافات البعيدة، من دون أن يعوقهم حر الصيف أو برد الشتاء ليلاً ونهاراً. وتم تقدير المسافة التي يقطعها الساعي على صهوة جواده في اليوم الواحد بنحو مائة وخمسين كيلو متراً. ويشير المؤرخون إلى أن البريد العربي بلغ ذروته في عصر دولة المماليك، وتحديداً في عهد الظاهر بيبرس، الذي كان يواجه عدوين لدودين هما الفرنجة والمغول، فأولى تنظيم البريد الأهمية نفسها التي أولاها لتنظيم الجيش، واعتمد في ذلك على شبكة مكاتب السعاة الخيَّالة، وأيضاً على الحمام الزاجل، الذي كان ينقل أخبار التطورات العسكرية على ضفة الفرات، إلى القاهرة خلال يومين، أو أقل.

عصر السرعة.. أينما كان

في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، نمت الخدمات البريدية بسرعة فائقة. فقد أدى تطور الملاحة البحرية، وظهور القطارات إلى تسريع تسليم البريد الذي زاد من رغبة الناس في كتابة الرسائل. وللدلالة على الدور الذي تلعبه السرعة في عالم البريد، نذكر أن فرز الرسائل كان يتم على متن القطارات اختصاراً للوقت. كما أن القطارات زودت بمقابض معدنية تسمح لها بالتقاط أكياس البريد من على أرصفة المحطات التي لا يتوقف فيها القطار. ولم يتأخر البريد الجوي أبداً عن ظهور الطائرة. ففي العام 1910م تم نقل البريد جواً لأول مرة ما بين مدينتين في بريطانيا، وفي العام التالي، نقل طيار فرنسي البريد ما بين مدينتي الله آباد ونايفي جنكشن في الهند. ليتأسس بعد ذلك بأشهر «البريد الجوي» في كل من بريطانيا وأمريكا أولاً، ولاحقاً في كل دول العالم. وأضيف في البريد إلى خدمة نقل الرسائل، خدمات نقل الطرود والبرقيات والحوالات المالية، والوثائق الرسمية. وتوزع مستوى الخدمة ما بين المضمون والعادي وغير ذلك الكثير. عربياً، كان العراق أول دولة عربية تتأسس فيها دائرة رسمية للبريد في العهد الحديث. وكان ذلك في عام 1874م. أما المملكة العربية السعودية فقد كانت ثاني دولة عربية تصدر طابعاً بريدياً، وكان ذلك عام 1334هـ، في إطار تطوير البريد السعودي بعد توحيد المملكة على يد جلالة المغفور له الملك عبدالعزيز. إذ قبل دخول الملك عبدالعزيز الرياض عام 1319هـ، كان أصحاب الدكاكين في الرياض يتطوعون للقيام بخدمة البريد في ما يُعرف الآن ميدان العدل (الصفاة)، بوضع أكياس من القماش الأبيض كتب على كل واحد منها اسم مدينة أو قرية. ويضع كاتب الرسالة رسالته في الكيس المناسب، الذي يُرسل إلى وجهته على الدواب التي يستخدمها المسافرون. أما البريد الوارد، فكان يوضع في أماكن خاصة داخل الدكاكين ومن له رسالة عليه أن يحضر ليأخذها. وفي مكة المكرمة وجدة، كان البريد يسير على الدواب. وكان مكتب البريد يتكوَّن من نائب ورئيس له وبائع طوابع يسمى مأمور كشك ومأمور المسجلات والبريد العادي. وكان البريد يُحمل على الجمال إلى الليث وجازان وأبها ونجران وغيرها من مدن الجنوب مرة أو مرتين شهرياً. وبعد إنشاء الخط الحديدي بين جدة ودمشق، صار البريد يُنقل بالقطار. كما كان البريد الخارجي بين جدة ومصر ينقل أسبوعياً بواسطة شركات الملاحة الخديوية والإيطالية والهندية، ومرة كل عشرين يوماً إلى الهند. وفي المملكة، كما هو الحال في كل الدول العربية والعالم، خطا البريد خطوات واسعة متتالية طوال القرن العشرين. ولتنظيم العمل البريدي العربي، فقد تداعت الدول العربية إلى تأسيس «اتحاد البريد العربي» عام 1972م، الذي اتخذ من مدينة دبي في الإمارات العربية المتحدة مقراً له، ويشارك في عضويته ممثلو إدارات البريد العربية. وهناك اللجنة العربية العليا للبريد، وهي إحدى اللجان التابعة للجامعة العربية ومقرها في القاهرة. كما باتت معظم الدول العربية تشارك في عضوية اتحاد البريد العالمي الذي تأسس عام 1874م واتخذ من مدينة جنيف السويسرية مقراً له. وتهدف هذه التجمعات المهنية إلى تنظيم العمل وتطوير مهارات العاملين في البريد، وتفعيل الاتفاقات والقوانين الدولية التي تحمي البريد وتمنع استغلاله من البعض في شحن مواد تتعارض مع القوانين المرعية في الدول الأعضاء.

العصر الذهبي للرسالة الشخصية

من المرجح أن الفترة الواقعة ما بين خمسينيات القرن العشرين والثمانينيات منه، شهدت العصر الذهبي للبريد العالمي، وبشكل خاص على صعيد الرسائل الشخصية.
ففي تلك الفترة، كان البريد الجوي قد انتظم في كل دول العالم، كما كان عدد الرحلات يزداد باستمرار. وفي تلك الفترة كان الاتصال الهاتفي بعيد المدى باهظ التكلفة، كما أن الهاتف لم يكن متوافراً في كل البيوت. ومن جهة أخرى لم تكن آلات مثل الفاكس قد ظهرت بعد. ومن جهة ثالثة كان السلام الذي أعقب الحرب العالمية الثانية عاملاً مشجعاً على السفر والهجرة. فتوافرت بذلك كل العناصر المغذية للبريد وتنشيطه. بحيث كان بإمكان الذين يتبادلون الرسائل بانتظام، توقع وصول الرسائل الجوابية في يوم محدد، ونادراً ما كانوا يخطئون. وتمتع البريد آنذاك بنسبة مدهشة من الأمان، حتى إن البعض كانوا يضمنون رسائلهم بعض الأوراق النقدية كهدايا، من دون الخوف عليها من الضياع أو السرقة.

ضربات متتالية غير قاضية
عاشت الرسالة الشخصية ردحاً طويلاً من الزمن وهي تتخذ شكلها الجميل شبه الموحَّد: ورقة أو أكثر ضمن ظرف مغلق، وعلى الظرف العنوان، يعلوه الطابع الملوَّن الذي يرمز بمضمونه إلى معلم ثقافي في تلك البلاد البعيدة التي أتت منها الرسالة. وعلى الطابع، الذي يمثل دفع أجرة النقل ختم البريد الذي يؤكد قانونية عملية النقل بكل أوجهها. في أواسط القرن العشرين شاع استخدام جهاز التلكس، وهو نظام توجيه البرقيات مشفرة، فيستقبلها جهاز مماثل يفك الشيفرة ويقدِّمها مطبوعة. ولكن استخدام جهاز التلكس بقي نظراً لكلفته المرتفعة حكراً على المؤسسات. ثم ظهر «الفاكس» في ثمانينيات القرن الماضي، وهو أقل تكلفة من التلكس، يصور الرسالة ويرسلها هاتفياً. فقضم الفاكس شيئاً من الرسالة المهنية، ولكن ليس الكثير من الرسائل الشخصية. إلى أن ظهر البريد الإلكتروني.

البريد الإلكتروني
تعود جذور البريد الإلكتروني إلى العام 1973م، تاريخ ابتكار نظام الـ «أربانيت» لنقل المعلومات من جهاز كمبيوتر إلى آخر. وفي مطلع الثمانينيات، تم تحويل نظام الأربانيت إلى الإنترنت. ومع ذلك، فإن رسالة إلكترونية نرسلها اليوم، تشبه في أسسها الرسائل التي تبودلت في النصف الأول من السبعينيات. ولكن كان على البريد الإلكتروني أن ينتظر انتشار جهاز الكمبيوتر بين أيدي العامة، كي يصبح وسيلة رائجة لتبادل الرسائل، وهذا ما حصل منذ الأمس القريب. فقد أعاد البريد الإلكتروني ترتيب الأولويات في حياة المجتمعات، ولم يعد الشباب وحدهم منحازين لهذا النوع من المراسلات، بل انتقلت «عدوى» التكنولوجيا إلى المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية والشركات ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها، بسبب انخفاض كلفة هذه المراسلات من جهة، وسرعة وصولها إلى الجهة المستهدفة من جهة أخرى، مخترقة الفضاء والمسافات الطويلة التي تتطلب وقتاً حتى عند أسرع أنواع المراسلات التقليدية. في البريد الإلكتروني، وجد مستخدموه فضاء أوسع، وحرية لم تكن متوافرة لهم في السابق، فلا تخضع رسائلهم للرقابة مهما احتوت من معلومات. وبكبسة زر واحدة يستطيع صاحب الرسالة أن يبعث بها إلى أعداد كبيرة من الأشخاص المستهدفين في مختلف جهات الأرض، بعكس الرسائل التقليدية التي لا تصل إلا لعنوان واحد فقط، ولشخص بعينه دون غيره من الناس. وصار بإمكان مستخدمي البريد الإلكتروني حيازة أكثر من صندوق بريد في الوقت نفسه، بأسماء وهمية، يستقبلون عبرها رسائل وصوراً ووثائق وغيرها من المواد القابلة للإرسال، بالصوت والصورة أيضاً، ودفع ذلك بهواة هذا النوع من المراسلات إلى تشكيل مجموعات بريدية، قد تبدو في الظاهر متجانسة، إذ تقوم بتبادل أفكارها وآرائها بين أعضاء المجموعة بسهولة. وإذا كان رب العائلة الوقور، أو الشاب المتعلم المثقف، هو الذي يحرص على اقتناء صندوق البريد التقليدي في السابق، فإن أفراد العائلة جميعاً، وخاصة من فئة الشباب، ذكوراً وإناثاً يملكون صناديق بريد إلكترونية هذه الأيام، وهي صناديق تبدلت طريقة فتحها لاستلام ما بداخلها. فقد تم استبدال المفتاح الصغير الذي تم الحصول عليه من إدارة البريد، بكلمة سر خاصة بالبريد الإلكتروني، تمثل مفتاحاً سحرياً لهذا الصندوق العجيب. ويستطيع الشخص المعني استبدالها في أي وقت يشاء، حفاظاً على سرية مفترضة، وخوفاً من تعرض محفظة رسائله لقرصنة إلكترونية. لا بد من الاعتراف أن الرسالة الإلكترونية سحبت البساط من تحت الرسالة الورقية التقليدية. وهناك الملايين من أبناء الجيل الشاب في وقتنا الحاضر الذين لم يكتبوا أية رسالة ورقية في حياتهم. ولكننا نشدد هنا أن الرسالة التي تلقت هذه الضربة الإلكترونية هي الرسالة الشخصية فقط. أما باقي الرسائل وخاصة في مجال الأعمال، فلا تزال ورقية، وما زالت العمود الفقري للبريد أينما كان في العالم، بدليل الأرقام التي أوردناها عند بداية حديثنا هذا. وللتعويض عن خسارته الكبيرة في عالم الرسائل الشخصية، عرف البريد كيف ينوع خدماته، على صعيد نقل الطرود وفق مستويات مختلفة من السرعة والخدمة. فظهر البريد السريع المعروف باسم «EMS» الذي يغطي حالياً أكثر من سبعين دولة في العالم، ويمكن بواسطته إيصال أية رسالة أو طرد إلى هدفه في مهلة زمنية لا تتجاوز الأربعة أو خمسة أيام. وإلى ذلك، أضاف البريد إلى خدماته في بعض الدول الحوالات المالية، وإمكانية استصدار جواز سفر عبر مكاتبه وغير ذلك الكثير مما يتنوع بين بلد وآخر.

شكراً لساعي البريد
يمكن استلام البريد أينما كان في العالم بواحدة من طريقتين: إما عبر صندوق البريد المستأجر في مكتب البريد، وإما بواسطة الساعي الذي يحملها من مكتب البريد إلى عنوان المرسل إليه. وفي العصر الذهبي للرسائل الشخصية، كان للصندوق ولساعي البريد مكانتهما في الحياة اليومية للناس أينما كان. فمجرد فتح الصندوق كان مصدر إثارة وتشويق يتكلل بالبهجة عندما تظهر فيه رسالة، ومصدر خيبة إذا كان فارغاً.
أما ساعي البريد، فكان عَلَماً اجتماعياً في القرية والمدينة على حد سواء. وفي كل بلدان العالم، كان يتميز عن غيره بلباسه الرسمي، فكانت إطلالته إيذاناً باحتمال الحصول على رسالة من الغائبين. ومن العادات الطريفة التي كانت شائعة عند البعض في البلاد العربية، أن يضيفوا إلى عنوان المرسل إليه على الظرف عبارة: «شكراً لساعي البريد»، اعتقاداً منهم أن هذه الملاطفة ستدفع الساعي إلى الاهتمام الخاص بهذه الرسالة أكثر من غيرها، وسيعمل على إيصالها إلى وجهتها بسرعة استثنائية..؟! وخلال تاريخ البريد الطويل كانت شخصية الساعي تتغير وتتطور ببطء. فإذا كان الساعي القديم الذي ينقل الرسالة على ظهر جواد يعدو بسرعة قد يصل إلى وجهته معفراً بالغبار ومرهقاً، فإن صورة ساعي البريد الحديث تكاد تكون لافتة بأناقة الهندام (صورة المؤسسة التي يمثلها)، والحقيبة التي يعلقها بكتفه. أما وسيلة النقل الخاصة به، فلم تتجاوز الدراجة، لأن محطات توقفه غالباً ما تكون متقاربة من بعضها. أما التغير الأكبر الذي طرأ على صورة الساعي في وقتنا الحاضر، فيعود إلى تراجع الرسالة الشخصية أمام الرسالة الإلكترونية. واقتصار البريد الذي يحمله الساعي على أوراق الأعمال والطرود والتبليغات الرسمية. ومن الطبيعي أن تختلف مشاعرنا تجاه من يحمل إلينا رسائل من الأحباء المسافرين، عن ذلك الذي يحمل لنا كشفاً بالحساب المصرفي، أو رسالة إعلانية، أو مجلة اشتركنا بها ونتوقع وصولها من دون أية مفاجأة.

أول بريد سريع.. الحمام الزاجل
كان الإغريق أول من استخدم الحمام الزاجل في مراسلاتهم، وانتبهوا إلى وظيفته في المجتمع. فمن خلاله تم نقل نتائج الألعاب الأولمبية من مكان إقامتها إلى المدن البعيدة ليتسنى للمواطنين معرفة أخبار الرياضة المحببة إليهم. لكن أول استخدام عسكري للحمام الزاجل، حسب المصادر التاريخية، كان في زمن الإمبراطور الروماني أوكتافيوس الثالث، الذي استخدم هذا النوع من الحمام لتبادل الأخبار والخطط العسكرية مع قائد جيشه بروتس الذي حاصرته قوات مارك أنطوني في مدينة «فودليا»، وهو بروتس نفسه الذي خلده الكاتب الشهير وليم شكسبير في مسرحيته ذائعة الصيت يوليوس قيصر. ولم يقتصر استخدام الحمام الزاجل على الإغريق فقط، فقد استخدمه الفراعنة والفرس والعرب أيضاً، وكل حسب حاجته وحسب مصلحة بلاده العليا. وفي هذا الإطار، تشير المصادر التاريخية إلى أن الخليفة العباسي المعتصم علم بخبر انتصار جيشه على بابك الخرمي وأسره بواسطة رسالة نقلها حمام زاجل إلى قصره من موقع المعركة. ويقول الجاحظ في معرض توثيقه لوظيفة الحمام الزاجل ودوره في الحياة العامة «إن العرب تعرف أنواع الحمام الزاجل كما تعرف أنساب الخيول». وفي هذا إشارة واضحة إلى الاهتمام المتزايد الذي أبداه العرب تجاه هذا الطائر العجيب الذي قدم فتحاً كبيراً في عالم الاتصالات في العصور القديمة. واذا كانت مهمة الحمام الزاجل قد اقتصرت على نقل الرسائل العسكرية من المركز إلى قادة الجيوش المحاربة من أجل المشاركة في إدارة المعركة، فإن وسيلة الاتصال هذه انتقلت من بغداد العباسية إلى الدولة الأموية في الأندلس. وظلت الرسائل التي ينقلها الحمام الزاجل مقتصرة على الجانب العسكري بشكل خاص والجانب الرسمي للدولة بشكل عام، ليصبح هذا الحمام وسيلة رئيسة في الاتصال بين قادة الجيوش العربية الإسلامية وسكان المدن العربية التي حاصرها الفرنجة في الحروب الصليية. وتشير الدراسات التي تعاملت مع مهمة الحمام الزاجل على مر العصور إلى أن نسبة الخطأ في إيصال الرسالة هي متدنية جداً قياساً بالجهد البشري. أي أن هذا النوع من الحمام الخاضع للتدريب المكثف نجح في إيصال الرسائل إلى أصحابها بعيداً عن المطاردة والرقابة والخوف من التفتيش أو وقوع الرسالة في يد الأعداء. وذهب الأمريكيون والبريطانيون في العصر الحديث إلى استخدام الحمام الزاجل ضمن ترسانة جيوشهم المقاتلة كما تشير إلى ذلك صفحات الحرب العالمية الأولى ووثائقها وخاصة في المناطق التي تعرَّض فيها الجيش البريطاني للحصار من قبل الجيش الألماني. وانتبه العالم مؤخراً إلى ضرورة الحفاظ على الحمام الزاجل والعناية به، فتم تأسيس الاتحاد الدولي للحمام الزاجل ومقره في العاصمة البلجيكية بروكسل، ليضم في عضويته عدداً من الاتحادات العربية الشبيهة في الوظيفة نفسها ومن بينهم الاتحاد المصري. كان القائمون على استخدام الحمام الزاجل في العصور القديمة يربطون إلى رجله رسالة قصيرة ومكثفة تحمل أسئلة أو إجابات وتوضيحات ويتم إطلاقه باتجاه الجهة المقصودة التي هي المكان الذي اعتاد العيش فيه، ونُقل في قفص منه، ليعود إليه عندما يُطلق سراحه. وبهذا اعتبرته الوثائق التاريخية أسرع وسيلة اتصال في ذلك الوقت أو «البريد السريع»، القادر على الطيران في الليل، والطيران لمسافات بعيدة.

نشأة البريد الحديث
غداة انتهاء الحروب الصليبية، ازدهرت حركة التجارة الدولية ما بين أوروبا والشرق الإسلامي. وهذا ما دفع التجار والشركات التجارية إلى تأسيس خدمات النقل الخاصة بهم. وببطء راحت الجهات التي أنشأت بريدها الخاص تتكاثر لتشمل بعض المجموعات الدينية الأوروبية ومنظمات العمال، والجامعات. وبعد اختراع الطباعة وانتشار التعليم والمعرفة بدءاً من القرن الخامس عشر، ازداد الطلب على الخدمات البريدية. وفيما كان ملوك أوروبا يحسنون تنظيم بريدهم الرسمي ويرفعون كفاءته، كانت الخدمات البريدية الخاصة تنبثق أينما كان. ففي العاصمة النمساوية فيَّنا، نظَّمت عائلة تاكسيس واحداً من أشهر الأنظمة البريدية الخاصة، حتى أنها كانت في مطلع القرن السابع عشر توظف نحو 20 ألف ساعي بريد، يجوبون معظم أنحاء أوروبا. ولكن، وبشكل عام، ظلت هذه الخدمة بطيئة نسبياً ومرتفعة التكاليف، وتعتمد مثل البريد القديم على الخيول والعربات، والسفن لنقلها إلى ما وراء البحار. التطور البارز الكبير في تلك المرحلة، ظهر في القرن السابع عشر، عندما لاحظت الحكومات المكاسب الكبيرة التي تحققها شركات نقل البريد، فأنشأت مكاتب بريد عامة، وبعضها منع الجهات الخاصة من نقل الرسائل.

الرسالة في الأدب.. بُدئت الكتابة بعبد الحميد
يمكن الجزم بسهولة أن العرب كانوا أول من ارتقى بالرسالة إلى مستوى الأدب وحتى الفلسفة. فقد شهد ديوان الرسائل الذي أنشأه الخليفة معاوية بن أبي سفيان، رضي الله، عنه، عدداً من كبار الأدباء الذين تعاقبوا على إدارته، كان أشهرهم عبدالحميد الكاتب الذي تولى أمر هذا الديوان في عهد الخليفة مروان بن محمد. وقد عرف عبدالحميد بالبراعة في فن كتابة الرسائل حتى غدت رسائله مضرب مثل في الإتقان وقيل «بُدئت الكتابة بعبدالحميد». ومن أشهر رسائله واحدة وجهها إلى عمال مروان بن محمد في الأمصار يأمرهم بمحاربة لعبة الشطرنج، ورسالته إلى الكتاب التي أصبحت دستوراً لمهنة الكتابة، ورسالة كتبها عن مروان إلى ابنه وولي عهده عندما وجهه إلى محاربة الضحاك بن قيس الشيباني الذي ثار في العراق. وفي الدولة العباسية لمع عدد من أسماء الكتاب الذين أبدعوا في فن الترسل. نذكر منهم يحيى بن خالد البرمكي وابنه جعفر، وأحمد بن يوسف الكاتب، والصاحب بن عباد وضياء الدين ابن الأثير.. وغيرهم. وقد تطور فن الرسائل وتوسع مفهومه حتى ابتعد عن أصله، أي عن كونه نصاً موجهاً إلى جهة محددة. ومن الأمثلة على ذلك «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري، وهي رحلة خيالية كتبها
أبو العلاء رداً على رسالة وجهها إليه علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح يسأله فيها عن جملة من الأمور تتصل بالتاريخ والفقه والتصوف والأدب والنحو وغير ذلك.. جاءت رسالة الغفران من شقين: ينطوي الشق الثاني على رد أبي العلاء على المسائل التي تؤرق ابن القارح. أما الشق الأول، فهو رحلة متخيلة إلى العالم الآخر، هو الذي ضمن الخلود لأبي العلاء، نظراً للآراء التي يتضمنها ومزجه الجد بالسخرية في إبداء موقفه من أهم قضايا عصره. ولا يختلف الأمر كثيراً في الفلسفة الأوروبية والأدب الأوروبي. فهناك عشرات المفكرين والأدباء الذين جمعت رسائلهم في كتب، نظراً لأهمية محتوى هذه الرسائل. ومن هؤلاء نذكر على سبيل المثال الكاتب الإيرلندي الساخر جورج برنارد شو، الذي جمعت رسائله إلى الممثلة إلين تاري والملاكم جين توني وغيرهما في كتب. أما رسائله إلى السيدة باتريك كاميل، فلم تجمع فقط في كتاب، بل تحولت إلى مسرحية بعنوان «عزيزي الكذاب». غير أن واحداً من أخطر الكتب في الفلسفة الأوروبية والفرنسية تحديداً واستخدم فن الرسالة لتحقيق غايته، هو كتاب المفكر الفرنسي مونتسكيو «رسائل فارسية». فهذا الكتاب الذي صدر عام 1721م، يتخذ شكل رواية ساخرة، موضوعها رحلة يقوم بها نبيلان فارسيان إلى فرنسا في ذلك العصر. ومن هناك يكتبان رسائل إلى ذويهما في أصفهان يصفان فيها الحياة في فرنسا وعاداتها وقيمها وكل ما في المجتمع الفرنسي من ميزات وعيوب. وتتضمن هذه الرواية مئة وخمسين رسالة، تلخص في الواقع نظرة المفكر إلى واقع الحال في بلاده، ونقمته على الأوضاع الاجتماعية والسياسية. فكان هذا الكتاب بلا شك من جملة العوامل التي غذّت التذمر الشعبي، وقادت لاحقاً إلى الثورة الفرنسية.

ساعي البريد.. في الأدب والفنون
حظيت شخصية ساعي البريد باهتمام كبير من الأدباء والفنانين. حتى صار بطلاً للكثير من القصص والروايات والقصائد والأغنيات والأفلام السينمائية.
ولعل فلم «البوسطجي» المأخوذ عن رواية الكاتب يحيى حقي، نجح في تناول جانب مسكوت عنه في حياة هذه الشريحة من الموظفين، حين سمح هذا الرجل لنفسه بالتجسس على أخبار الناس من خلال قراءة رسائلهم، والتعرف إلى كثير من أسرار القرية، ومن بينها جريمة قتل، حين اعتقد أنه بصمته كان شريكاً في تلك الجرائم. أما أشهر فلم في السينما الغربية حول ساعي البريد فهو فلم «إلبوستينو»، المقتبس عن رواية تدور حول إقامة الشاعر التشيلي بابلو نيرودا عام 1970م في جزيرة «إيسلا نيغرا» في التشيلي. غير أن الفلم ينقل الرواية إلى جزيرة إيطالية في المتوسط، ويعود بها زمنياً إلى الخمسينيات. يروي هذا الفلم قصة شاب إيطالي يُدعى ماريو تمرَّد على مهنة أبيه العامل في صيد السمك، وقرر أن يصبح ساعي بريد، يسلِّم الرسائل إلى شخص واحد مقيم على الجزيرة، هو الشاعر نيرودا المنفي من بلاده لأسباب سياسية. ويستعرض الفلم في إطار الصداقة التي تجمع الاثنين الكثير من الجوانب الأدبية والسياسية والاجتماعية وصولاً إلى زواج ماريو ومن ثم مقتله في تجمع سياسي، وعودة نيرودا إلى التشيلي، ومن ثم رجوعه إلى الجزيرة سائحاً ليستلم شريط تسجيل تركه له صديقه الراحل وعليه أصوات الجزيرة وحتى صوت اغتياله في التجمع. وفي معظم الأحيان تعاملت القصائد والأغاني مع ساعي البريد باعتباره رسولاً بين العشاق والمحبين، فهو وحده من يستطيع اقتحام كل المواقع دون أن يثير شبهة أو أسئلة محرجة، بسبب وظيفته التي تتطلب ذلك. ومن المؤكد أن تلك القصائد والأغنيات قد حمَّلت ساعي البريد أكثر من طاقته، وربما دفعت به إلى ممارسة دور لا يخص وظيفته أصلاً. وهذا ما يفسر موقف شاعر عاشق، ينتظر ساعي البريد بشوق واضح، معتقداً أن ما يعجز هو عن فعله، من الممكن أن يعوضه هذا الرجل الذي يحمل أسرار الناس، فيقول موجهاً خطابه إليه: وضعت بين يديك اليوم أسراري فكن شفوقاً على قلبي وأشعاري وكن رسولاً عطوفاً في مضاربها لعلها تتملى بعض أعذاري وفي قصيدة أخرى يقول شاعر ملهوف تعلَّقت عيناه بخطوات ساعي البريد واتجاه حركته: ساعي البريد تأخر المكتوب والقلب ياسيدي بالعشق معطوب وفي هذا الإطار شاعت كلمات أغنية الفنانة فيروز التي تخاطب من خلالها ساعي البريد، فتقول: يامرسال المراسيل ع الضيعة القريبة خذلي بدربك هالمنديل واعطيه لحبيبي وهي بذلك تريد أن يكون المنديل هو رسالتها للحبيب، بدل تلك الرسائل التقليدية التي اعتاد ساعي البريد إيصالها لأصحابها. وكم تمنى العشاق تقمص شخصية ساعي البريد، من أجل أن يقوموا بإيصال رسائلهم إلى من يحبون بأنفسهم، بعيداً عن إثارة فضول الآخرين الذين لا يتوجسون من حركة هذا الرجل الذي يبدو مخولاً بطرق جميع الأبواب. وفي أغنية أخرى تقول فيروز بلغة الندم على رسائل عديدة وجهتها لحبيبها دون أن تتلقى الرد على أي منها: كتبنا وما كتبنا يا خسارة ما كتبنا كتبنا مية مكتوب ولهلأ ما جاوبنا إشارة لما تعنيه الرسائل بين المحبين الذين يختصرون بمكاتيب المحبة الكثير من الكلام. لكن مائة رسالة ظلت تسير باتجاه واحد خلقت حالة من الغضب التي برزت على شكل عتاب للحبيب الذي تجاهل الرد على رسائلها. وفي فترة سابقة شاعت أغنية الفنان محمد عبدالمطلب التي يخاطب من خلالها الحبيب بقوله: «ابعت لي جواب وطمني». فالرسالة هي مصدر الاطمئنان.. الاطمئنان إلى حال الأحباء أياً كانوا وأينما كانوا.

الطوابع وهواة جمعها
كانت بريطانيا أول دولة في العالم تصدر طابع بريد، وكان ذلك عام 1840م، وكان الطابع يمثل صورة جانبية للملكة فيكتوريا باللون الأسود وحدد ثمنه ببني واحد. أعقبه بعد ذلك طابع برازيلي عرف باسم «عين الثور» عام 1843م، والتحقت مصر بهذا الركب فأصدرت أول طابع عربي عام 1866م. وما هي إلا سنوات معدودة حتى كانت كل دول العالم المستقلة تصدر طوابعها البريدية الخاصة، التي أصبحت لازمة ضرورية من لوازم الرسائل البريدية. وعلى مدى أكثر من قرن ونصف القرن شكَّلت الطوابع البريدية جزءاً أساسياً من شخصية الرسالة، وأكثر من ذلك، عملاً فنياً كاملاً ذا خطاب واضح. فقد أتقنت دول العالم إصدار طوابعها البريدية منذ البداية، وأولته الاهتمام المماثل لاهتمامها بطباعة أوراقها النقدية، إن على مستوى اختيار المواضيع، أو لجهة حسن الطباعة والتنفيذ. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تجد هذه الأعمال الفنية الصغيرة هواة يحبونها ويجمعونها.

موضوعات طوابع البريد
استوعبت طوابع البريد شتى المواضيع من دون أي قيد أو شرط غير أن تكون مستمدة من ثقافة البلد الذي يصدرها ومعالم الحياة فيه وأعلامها. فنرى مثلاً صور الملوك. والبلد الذي لم يتخلَّ يوماً عن صورة ملكه هو بريطانيا، حتى في الطوابع التذكارية التي تكون موضوعاتها مختلفة، نرى صورة خيال لوجه الملكة تعلو الطابع. واستطراداً نشير إلى أن بريطانيا هي البلد الوحيد الذي لا يذكر اسمه على الطابع، طالما أن أول طابع ظهر فيها، كما أنه لا يذكر نوع النقد بجانب الرقم إذا كان الثمن أقل من جنيه استرليني. وإضافة إلى صور الحكام، نرى صور الأبطال التاريخيين، مثل بطل استقلال أمريكا الجنوبية سيمون بوليفار على طوابع فنزويلا وكولومبيا والأرجنتين وغيرها، ونرى المنتجات الوطنية مصدر اعتزاز بلد معين، مثل المجموعة التي أصدرتها فرنسا في الستينيات تكريماً لصناعات تصميم الأزياء والعطور والمجوهرات.. ونرى أيضاً صور العلماء والمخترعين مثل آينشتاين على طابع أمريكي، وأيضاً اللوحات الفنية وخاصة في دول أوروبا اللاتينية (فرنسا، إيطاليا، إسبانيا) التي أصدرت طوابع تكريمية لكل الكبار من فنانيها ولوحاتهم. وتشمل موضوعات الطوابع أيضاً الحياة الفطرية بكل ما فيها من نباتات وحيوانات وأشجار، من دون أن ننسى الأشجار الوطنية كما هو حال الأرز في لبنان وورقة الدلب، رمز كندا. وفي عصر الاستعمار (حتى النصف الأول من القرن العشرين)، كانت المستعمرات شبه محرومة من حق إصدار الطوابع، كما أن بريدها هو في أيدي المستعمرين. ولذا كنا نرى الطوابع البريطانية العادية مثلاً تدمغ بالخط الأسود قبل استعمالها بعبارة «الهند» أو «الصين»، تماماً كما كانت الطوابع الفرنسية تدمغ بعبارة «إفريقيا الغربية الفرنسية» لاستعمالها هناك.

جمع الطوابع

بدأ جمع الطوابع كهواية منذ الأيام الأولى لصدور الطابع البريطاني الأول. وإن بقيت هذه الهواية حكراً على صغار السن في بدايتها، فإنها سرعان ما صارت هواية الكبار، وتطورت في القرن العشرين لتضم كبار الأثرياء القادرين على أن يدفعوا عشرات أو مئات آلاف الدولارات ثمناً لطابع نادر. ولكن بعيداً عن الجانب التجاري أو الاستثماري في جمع الطوابع وبشكل خاص النادر منها، تكمن القيمة الكبرى لهذه الهواية في بعدها الثقافي. فمن يجمع الطوابع عليه أن يرتبها في مجلدات خاصة لهذه الغاية وفق انتمائها إلى هذه الدولة أو تلك. كما أن عليه أن يدرسها عن كثب ليرى أي اختلاف بينها وبين طابع مشابه على صعيد اللون أو السعر، وحتى حالة الطابع نفسه وما إذا كان ممزقاً أو ينقصه سن عند حافته. وخلال هذا الدرس، والتمعن في محتوى كل طابع على حدة، يكوّن الهاوي ثقافة عامة قد لا تتوافر له بصيغتها هذه وتنوعها من أي مصدر آخر. فيصبح وهو لا يزال على مقاعد الدراسة ملماً بصور حكام العالم والأبطال التاريخيين في هذه الدولة أو تلك، ونوعية الحياة الفطرية فيها، وموردها الاقتصادي الأول وغير ذلك الكثير. وبسبب جاذبيتها، أصبحت هواية جمع الطوابع الهواية التجميعية الأولى في العالم من دون أي منافس قريب. وأصبح عدد جمعيات هواة جمع الطوابع في العالم بالآلاف (في المملكة مثلاً، توجد جمعيتان لهواة جمع الطوابع ومقرهما في الرياض). وتصدر سنوياً أربعة كاتالوجات شاملة بكل طوابع العالم مع تقدير أسعارها الحالية في حالتي الطابع: جديد ومستعمل. وهذه الكاتالوجات هي: ستانلي غيبونز في بريطانيا، وسكوت في أمريكا، ومايكل في ألمانيا، وأيفير في فرنسا.

نكسة الطابع.. وليس الهواية
قبل عصر الإنترنت، واجه الطابع محاولات الاستغناء عنه، عندما راحت بعض مؤسسات البريد في أمريكا أولاً ومن ثم في أوروبا وباقي دول العالم، تستعيض عنه بختم يمهر به الظرف يشير إلى دفع قيمة النقل، بدلاً من شراء طابع لهذه الغاية. وقد رفض أفراد كثيرون اعتماد الختم، وتمسكوا بطابع البريد، خاصة في رسائلهم الشخصية. ولكن المؤسسات التي صارت توجه الرسالة الواحدة بالجملة إلى المئات والآلاف من الناس، لم تكن تبالي. لا بل ظهر الختم وسيلة فعالة ومريحة أكثر من إلصاق طابع على كل ظرف على حدة. ومن ثم جاء تداعي عالم الرسالة الشخصية في عصر الإنترنت ليوجه ضربة قاسية لطابع البريد، ولكن ذلك لم يقضِ نهائياً على الطابع. بدليل أن الدول لا تزال تصدر طوابعها، لا بل إن تطوراً جديداً عزز بعض الشيء من كرامة الطابع الجريح. إذ ظهرت في أمريكا عام 1992م، آلات بيع طوابع البريد في الشوارع على غرار آلات الصراف الآلي. كما أن دوائر البريد في كل بلدان العالم، لم تفقد اهتمامها بالطابع، الذي لا يزال يشكِّل مورداً مالياً مهماً لها، نظراً لإقبال الهواة عليه. ولذا نراها حتى اليوم لا تزال تصدر الطوابع التذكارية في مجموعات لمناسبات مختلفة، وتسوق بعضها بأسعار باهظة عبر ما يعرف اليوم الأول للإصدار، حيث يلصق الطابع على ظرف خاص، ويمهر بختم البريد على أنه «اليوم الأول»، الذي يبدو مختلفاً عن باقي الأيام، من وجهة نظر جامعي الطوابع طبعاً. أما لماذا، فالجواب عندهم.

البطاقات البريدية للتحيات والأيام الجميلة
تعود جذور البطاقات البريدية إلى ما قبل ظهور الطوابع. وكانت في بداياتها، عبارة عن قطعة من الورق المقوى المزين ببعض الزخارف البسيطة، التي تمت طباعتها بواسطة الحفر على الخشب، ومن ثم بالحفر على الحجر (الليتوغرافيا). وكانت هذه البطاقات تسلم باليد، ويقتصر استخدامها على تبادل التحيات أو توجيه الدعوات، أو بعض المجاملات الاجتماعية. ولكن مع القفزة التي قفزها البريد تنظيماً وتنشيطاً، ظهرت في العام 1861م، البطاقات البريدية الحكومية (مدفوعة الأجرة مسبقاً)، وظلت هذه البطاقات قيد التداول حتى العام 1873م. أما البطاقات غير الحكومية، أي التي يجب أن تدفع أجرة نقلها في مكتب البريد، فقد ظهرت في النمسا أولاً عام 1869م، وبدءاً من العام التالي انتشرت البطاقات المصورة انتشار النار في الهشيم في كل أنحاء أوروبا. فقد أدى تولي القطاع الخاص مهمة إصدار هذه البطاقات إلى التفنن في اختيار موضوعاتها بما يرضي كل الأذواق والاهتمامات. ومع انتشار آلات التصوير الفوتوغرافي، وتطور الطباعة الملونة، ظهرت البطاقات البريدية القائمة على الصور الفوتوغرافية الملونة في العام 1939م، وما زالت صناعتها قائمة حتى اليوم. وبشكل عام، تبقى البطاقة البريدية، التي يمكن إرسالها من دون وضعها داخل ظرف، مؤلفة من لوح صغير من الورق المقوى، ينقسم خلفه الأبيض بخط عمودي، بحيث تكون نصف المساحة مخصصة لكتابة نص صغير، والنصف الآخر لكتابة العنوان، أما وجه البطاقة فتطبع عليه صورة، لا حدود للموضوعات التي يمكن أن تمثلها، شرط أن تستجيب لشرط واحد: أن تكون جميلة ومعبرة بشكل جميل. وبناء على هذا يمكن القول إن البطاقات البريدية كانت ولا تزال أعمالاً فنية حقيقية ومتكاملة وإن كانت صغيرة. وقد ارتبط ازدهار هذا الفن بشكل خاص بحركة السفر والسياحة. فمن المهمات التقليدية التي ما كان يجوز للمسافر أو السائح بشكل خاص أن يهملها، كان إرسال البطاقات البريدية من وجهة سفره إلى ذويه وأصدقائه في وطنه. ولذا طغت على هذه البطاقات الصور الفوتوغرافية التي تمثل مشاهد سياحية وثقافية عامة خاصة بالبلد الذي تُصور وتروج فيه. وانتبه الكثيرون إلى الأهمية الجمالية والثقافية لهذه البطاقات، فكان شأنها شأن طوابع البريد، وسرعان ما تحولت إلى مادة هواية بالنسبة إلى الكثيرين الذين راحوا يجمعونها. حتى صارت الهواية التجميعية الثالثة في العالم بعد الطوابع والعملات. وتحظى البطاقات البريدية وتاريخها بمتحف خاص هو «متحف البطاقة البريدية» القائم في مدينة شيكاغو الأمريكية، الذي يعرض لزواره المسيرة التاريخية التي قطعتها هذه الجوهرة الطباعية - البريدية منذ نشأتها وحتى اليوم... اليوم الذي يبدو فيه بعض المسافرين، وخاصة الشبان، يستعيضون عن البطاقات الجميلة الملونة والمفرحة، برسالة قصيرة عبر هاتفهم الجوال.. فهل تتغلب هذه الرسائل القصيرة على التاريخ الطويل للبطاقات البريدية وصناعتها العملاقة؟ حتى الآن لم يحصل الأمر، ولكن الخطر على البطاقة البريدية يبقى قائماً.

البريد والرسالة.. لغوياً
اختلف المؤرخون واللغويون العرب على نسبة كلمة «بريد». فبعضهم، مثل الزمخشري، رأى أن الكلمة عربية وتعني الرسول. فيما ذهب آخرون إلى نسبة كلمة البريد إلى البردة، وهي العباءة، إذ كان على ساعي البريد، أي الرسول الذي يحمل الرسائل، ارتداء عباءة حمراء ليتميز بها عن غيره من الناس. وجاء في «الموسوعة العربية العالمية» أن «كلمة بريد فارسية معربة أصلها «بريده دم»، ومعناها «مقطوع الذنب»، لأن بغال البريد كانت مقطوعة الأذناب علامة لها. ثم عُرِّبت الكلمة وخففت. ويدور معنى البريد عند العرب على معنى الرسول، فهم يقولون الحمى بريد الموت، يريدون أنها رسوله، تتقدمه وتنذر به. ويقولون لطائر الغرانق: البريد، لأنه ينذر قدّام الأسد». أما الرسالة، فهي تسمية واسعة لأي نص موجه إلى أفراد أو جماعة. وقد تكون الرسالة رسمية وجادة في نغمتها، غير شخصية، أو تكون تعبيراً ذاتياً خاصاً، أو بين الأمرين. وتضيف الموسوعة: إن لكلمة الرسالة أيضاً معنى دينياً، كأن يقال رسالة الإسلام بمعنى مضمون الإسلام ومقاصده وأهدافه الدينية والدنيوية. كذلك شاع استخدام كلمة الرسالة في أسماء بعض الأعمال الأدبية والفنية والعلمية في التراثين العربي والغربي.

المصدر/ مجلة القافلة

القفل والمفتاح


حزامة حبايب / اكتُشفت الأقفال والمفاتيح منذ أن اكتَشف الإنسان قيمة «الأداة» في حياته، قاطعاً بفكره الفطري البدائي الخطوة الجوهرية الأولى نحو مفهوم الكائن البشري «المتحضِّر». لقد عرف الإنسان القفل قبل أن يبدأ التاريخ المدوّن، واستقرّت أشكاله الدالة عليه في رسوم الإنسان على الجدران، كمستند توثيقي مهم، قبل أن تُورد في الصحف وسجلات الكتابة. طالما افتتن الإنسان بمفهوم «الخصوصية»، حتى قبل أن يُبلور صيغة هذا المفهوم نظرياً، كما تجذَّرت قيمٌ مثل «الملكية» و«الفردية» و«المادية» -رغم ما يشوب هذه القيم في أحيانٍ كثيرة من مغالاة وإفراط حتى حد التشوّه- في المذهب الإنساني الميَّال إلى الاختلاف والتميّز والتفرّد والاستحواذ. والمفتاح، بوصفه قيمة مادية ومعنوية، إنما هو من علامات تميّزنا، يصون فرديتنا، ويحدّد إطارها ويقفل عليها.

رمز السطوة والنفوذ
لقرون عديدة، كان المفتاح رمزاً للأمن والسلطة والقوة، كما ترسّخ في الأساطير في أيدي أصحاب القدرة، وبه تزداد قدرتهم وتتعزز. فتبنَّى الملوك والأباطرة ورجال الدولة والفرسان والنّبلاء المفتاح رمزاً جلياً في راياتهم وفي شعارات النبالة، التي تعكس هويّتهم وإنجازاتهم ومحتدهم الذي يعتزّون به وفي أختامهم الرسمية. وكان تسليم مفاتيح قلعة أو حصن أو مدينة في الأزمنة الآفلة يُعد حدثاً احتفالياً، ترشّح لنا عبر مصفاة التاريخ من خلال احتفالية «مفتاح المدينة» التي تحتضنها في الوقت الراهن مدن عالمية عدة، وذلك لتكريم شخصيات مشهود لها بعطاءاتها الإنسانية والاجتماعية والثقافية أو خدماتها... ويقال إن منبع هذه العادة يعود إلى العصور الوسطى، حين كان اللوردات الإقطاعيون يحمون مدنهم بأسوار عالية وبوابات موصدة بإحكام، تفتح في النهار وتُغلق في الليل، فلا تستقبل الغرباء إلا بشهادات وأوراق قانونية، أشبه بتصاريح دخول مختومة. فكان مفتاح المدينة يُقدّم للتجار الذين تربطهم بقاطنيها مصالح متبادلة، أو للشخصيات الاعتبارية وكبار الزوار، كنوع من ائتمانهم على «حرمة» المدينة، والإعراب لهم عن ثقتها بهم ومنحهم حرية دخولها ومغادرتها متى يشاؤون، إذ يُعهد لهم بمفتاح البوابة: رمز أمن المدينة وأمانها! واليوم، العديد من المدن العالمية تقدِّم مفتاحها لشخصيات بارزة، من نجوم الفن والمجتمع، أو لمنظمات ذات نشاط إنساني نبيل، أو حتى لمواطنين «صالحين» (من ذلك حين قدَّمت مدينة نيويورك في العام 2004م مفتاح مدينتها لسائق تاكسي أمين قام بإرجاع حقيبة تحتوي على لآلئ بقيمة عشرات الآلاف من الدولارات)، وذلك كنوع من التكريم الرفيع، علماً بأن المدينة لا تحيطها أسوار أو بوابات بمفاتيح، وبالتالي فإن المفتاح، المصنوع من معدن عادي -قد يطاله الصدأ والبهتان مع الوقت- وبتصميم قد يبدو مُبتذلاً ونقشٍ يحمل اسم المدينة، ليس سوى مفتاح رمزي، لا يفتح باباً ولا حتى علبة سردين! لكن تسليم مفتاح المدينة ليس بالخبر السار دائماً؛ فحتى القرن الثامن عشر، كان المفتاح رمزاً لاستقلالية الأفراد ومنعة المدن، وحين تستسلم مدينة ما لجيش غازٍ فإن هذا يُرمز له من خلال تسليم مفاتيح المدينة للغزاة! ففي لوحة «استسلام بريدا» (1652م) للرسام الإسباني الشهير دييغو فيلاسكيز، المعروضة في متحف برادو في مدريد، يصور الرسَّام حاكم مدينة بريدا الهولندية، جاستن دي ناسو، وهو يسلِّم مفتاح المدينة خاضعاً للجنرال الإسباني أمبروسيو دي سبينولا. أما لوحة «بيوس تابيستري» المطرّزة التي يعود تاريخها إلى القرن الحادي عشر (وهي قماشة مطرَّزة طولها 70 متراً وعرضها نصف متر، تصوِّر الأحداث التي قادت إلى الغزو النورماندي لإنجلترا عام 1066م وأحداث الغزو نفسه)، فتضم مشهداً لكونان الثاني، دوق بريتاني في فرنسا، يسلِّم مفتاح مدينته مكرهاً لويليام دوق نورماندي، قائد القوات النورماندية، الملقَّب بوليام الغازي، والذي أصبح ملك إنجلترا منذ أواخر العام 1066م وحتى وفاته. وحتى لحظة ما قبل الاستسلام، يبدو كونان متمنِّعاً، إذ يسلِّم المفتاح للغازي على رأس رمحه المدبَّب فيما يتقبَّل وليام استسلامه، مستلماً المفتاح، هو الآخر، على رأس رمحه كأنه يوصل له رسالة: إذا كنت تريد الموت على تسليم المفتاح أستطيع أن أعطيه لك برمحي، وفي جميع الأحوال سآخذ المفتاح! لقد كان المفتاح عنوان السطوة والمكانة والنفوذ. في مصر القديمة، كانت أهمية «رأس البيت» يحدّدها عدد المفاتيح التي يمتلكها؛ حيث كانت ضخمة يحملها العبيد على أكتافهم، سائرين وراء صاحب البيت. وكلما كثُر عبيد ربّ الدار أو حاملو مفاتيحه كلما دلَّ ذلك على درجة ثرائه ومكانته. لكن الحظوة في البيت الاسكندينافي كانت للمرأة. ففي حقبة الفايكنغ، التي امتدّت من القرن الثامن حتى القرن الحادي عشر ميلادية، احتلت المرأة المتزوجة مكانة بارزة في التراتبية الاجتماعية، وكانت المفاتيح رمز هذه المكانة. فعند الزواج، كانت عروس الفايكنغ تُمنح مجموعة من المفاتيح، للدلالة على مكانتها الجديدة، والمسؤوليات التي باتت تتولاها بوصفها ربّة البيت، وكانت المفاتيح البرونزية تتدلّى من ملابسها، أمام العيان، إلى جانب سكين صغيرة أو مقص كي يعرف الجميع -أينما حلّت- أنها متزوجة. ليس هذا فحسب، بل كانت امرأة الفايكنغ تحمل معها مفتاحها حتى إلى قبرها، إذ جرت العادة في ذاك الزمان على أن تُدفن مع قطعة أو أكثر من مقتنياتها، أهمّها المفتاح وإلى جانبه مقصّ أو إبرة خياطة أو قطعة مجوهرات أو أي شيء آخر.

تطوره عبر التاريخ
لعلّ حرص الإنسان على أمنِه وسعيه إلى حماية ملكيّته ووجوده وُلد منذ أن دبّ على الأرض، ويمكننا القول في هذا السياق إنّ أوّل «مفتاح» طوّعته البشرية كان عبارة عن غصن شجرة، وذلك حين كان رجل الكهف -أو «الإنسان الصياد» كما يُلقَّب آركيولوجياً- يستخدمه كعتلة لتحريك الحجر الجلمودي الضخم الذي يحرس فتحة كهفه. ولم يكن الخيال الإنساني يتورّع عن المضي قُدُماً بغية التماس الخصوصية وحماية الغالي والأغلى. في الهند القديمة، كان يتمّ الاحتفاظ بالممتلكات القيّمة لأهل الحكم والمال في حاويات محكمة الإغلاق، ومن ثم تُغمر في البحيرات التي تحيط بالقصور، يحميها «حرس خاص» قوامه مجموعة من التماسيح الشرسة، التي يتمّ إطعامها كميات قليلة من الطعام، بحيث تظل جائعة معظم الوقت، حتى إذا ما تجرأ أحدهم وغاص في البحيرة، التهمه تمساح في لحظات. كانت هذه أمتن الأقفال العصية على النسخ. فلبلوغ الكنوز الدفينة في الماء، كان يتعيّن قتل المفاتيح، أي التماسيح، أو تخديرها! تاريخياً، يمكن تتبّع أول نظام للقفل والمفتاح، بالمفهوم التقليدي الذي شكّل الأساس لتطور نظام الأقفال والمفاتيح الحديث، حتى قبل نحو أربعة آلاف عام. وبحسب الموسوعة الأمريكية والموسوعة العربية الشاملة فإن أقدم قفل في العالم طوَّره المصريون في العام 2000 قبل الميلاد. أما الموسوعة البريطانية، فتشير إلى أن أقدم نظام للقفل هو الذي عُثر عليه في أطلال قصر خور ساباد في مدينة نينوى العراقية ويعود إلى ما قبل نحو أربعة آلاف عام. وبسبب استخدامه على نطاق واسع في مصر في الفترة ذاتها بات يُعرف بالقفل المصري، وهو لقب ظل يشكِّل المرجع لتطوير آلية عمل الأقفال والمفاتيح لقرون طويلة لاحقة. يعرف هذا النوع من الأقفال بقفل الوتد/الريشة، ومنه تطوَّر نظام القفل الحديث واسع الاستخدام في القرن التاسع عشر، حيث لا يزال يشكِّل الأساس النظري لآلية عمل نظام الأقفال عموماً. يتكون القفل المصري أو الآشوري من مزلاج خشبي كبير يؤمِّن الباب، تتخلله عدة ثقوب على سطحه الخارجي. ثمة قطعة مثبتة على الباب تحتوي على العديد من الخوابير الخشبية مصمّمة في وضعية بحيث تنزلق في هذه الثقوب، بفعل الجاذبية الأرضية، وتثبت المزلاج، فتمنعه من التحرك وبالتالي لا يمكن فتح الباب. أما المفتاح فعبارة عن قضيب خشبي كبير، يشبه فرشاة الأسنان، ذي أوتاد بأطوال مختلفة في وضع عمودي تطابق الثقوب والخوابير. عند وضع المفتاح في ثقب المفتاح الكبير تحت الخوابير العمودية، يرتفع ببساطة بحيث يعمل على رفع الخوابير، مُفسحاً المجال للمزلاج والمفتاح في داخله كي ينزلق ثانية. ولقد عُثر على نماذج مشابهة لهذا القفل في حضارات قديمة عدة في شمال أوروبا وفي الهند والصين واليابان. وفي تقنية أكثر بدائية اعتمدها اليونانيون، كان يتم تحريك المزلاج بواسطة مفتاح من الحديد على هيئة منجل بمقبض خشبي. وكان يُمرَّر المفتاح المنجلي الشكل في ثقب في الباب ثم يُدار، بحيث يشتبك رأس المنجل بالمزلاج المثبت داخل الباب ويرفعه أو يسحبه إلى الخلف. على أن هذه التقنية لم توفر أماناً كبيراً. هنا، جاء دور الرومان الذين قطعوا بصناعة الأقفال والمفاتيح خطوات نوعية. فحتى آنذاك، كانت الأقفال تُصنع من الخشب، في حين كانت المفاتيح من الخشب أو البرونز أو الحديد، فكانت المفاتيح المعدنية تعمل على اهتراء الأقفال الخشبية بسرعة. فطوَّر الرومان أول أقفال معدنية قابلة للصمود زمنياً، حيث كانت الأقفال مصنوعة من الحديد الصلب بينما كانت المفاتيح في الغالب من البرونز. ولقد جمع الرومان بين خصائص النموذجين المصري واليوناني في صنع الأقفال، مطورين تقنية أقفال ميكانيكية مبتكرة تم تثبيتها داخل الباب، بحيث تعمل بمفتاح من الخارج عبر ثقب مخصص له. علماً بأن ابتكار ثقب المفتاح التقليدي ينسب إلى اليونانيين، في حين أن الرومان هم الذين حسّنوه وشذّبوه. وصمّم الرومان أقفالاً بخوابير وأوتاد ذات أشكال عدّة مع مفاتيح تناسبها وثقوب مفاتيح غير مألوفة، الأمر الذي قلّل من إمكانية قيام أحدهم بنسخ المفتاح. كما صاغوا الأقفال بنقوش وزخرفات ورسومات تمويهية، فجعلوها على شكل حيوانات وأزهار وطيور. كذلك، نالت المفاتيح نصيبها من الزخرفة، فدلت غزارة النقش وطبيعته وتعقيداته على مكانة صاحبها، بل إن بعض المفاتيح كانت ذات تشكيل جمالي موشَّى بالذهب أو الفضة فجاز معه التباهي بها إذ تدلّتْ من القلائد حول الأعناق وفوق الصدور. ويُنسب للرومان أيضاً أنهم اخترعوا الأقفال المسنّنة، حيث لا يزال المبدأ الذي تقوم عليه معتمداً في أقفال اليوم. كما يشير الاسم، توجد الأسنان أو النتوءات، داخل القفل حيث تمنع المفتاح من الدوران إلا إذا كان وجه المفتاح المسطح، أي لسانه، فيه شقوق صغيرة بطريقة يمكن للنتوءات أن تتخللها؛ فقط المفتاح ذو الشقوق المناسبة يمكن أن يفتح القفل المسنّن. ولما كانت الأسنان تُنحت من أجزاء معدنية صغيرة، فقد كان الرومان أول من صنعوا الأقفال والمفاتيح الصغيرة، بل إن بعض المفاتيح كانت من الصغر بحيث كان بالإمكان ارتداؤها كخواتم، فيما استحال موضة رائجة في الحقب البعيدة. ومن جديد، يستثمر الرومان خبرتهم، التي صقلتها المعرفة، في ابتكار الأقفال المحمولة، وإن كانت مراجع عدة تشير إلى أن الصين هي الموطن الذي شهد ولادة الأقفال المحمولة، أسلاف الأقفال الأسطوانية المحمولة حالياً، في حين عمل الرومان على ترويجها وتوسيع قاعدة استخداماتها. إذ راجت هذه الأقفال تحديداً وسط التجار والرحالة، ممن كانوا يسافرون بالصناديق التي تحمل بضائعهم في طرق التجارة البرية والبحرية، دون أن تردع هذه الأقفال، التي عرفت بـ «أقفال السفر»، قطَّاع الطرقات ولصوص القوافل وقراصنة البحار من السطو على الصناديق!

مجدُ «القفّالين»
من المفارقة القول إن العصور الوسطى في أوروبا، المعروفة تاريخياً بعصر الظلام، أضاءتها الأقفال، وربما الأقفال فقط، التي شهدت أوج تطورها وإبداعيتها. وبلغت حرفة صانعي الأقفال أو «القفّالين» الذرى، فبنوا مجدهم الخاص في صناعة استحالت فناً، بعد أن كانت عِلماً، مع سيادة ذائقة مترفة ومبهرجة. كانت العصور الوسطى بحق ساحة سجال فنّي تبارى فيها القفّالون في استعراض ابتكاراتهم. فقد تحولت الأقفال من الخارج إلى ما يشبه «الكنفا»، مستوعبة من النقوش والرسوم ما أحالها إلى لوحات فنية. على أن تطور شكل القفل خارجياً لم يُضف كثيراً إلى عمل آليته. ومن التحسينات التي شهدتها تلك الحقبة إخفاء ثقب المفتاح في القفل من خلال مصاريع أو أغطية سرية، كما تم تصميم بعض الأقفال بحيث تطلق دبابيس أو سهاماً صغيرة مسمومة أو سكاكين متناهية في الصغر حين كان يتم إدخال مفتاح غريب في القفل، وهو ما خاطب الخيال «القرن أوسطي» المفتون بالخرافة والغموض!
وبدأ بعض القفَّالين المهرة يحققون شهرة عالمية، فكانوا يُدعون لصنع أقفال تحت الطلب لنبلاء أوروبا تضم شعارات النبالة وأشكالاً رمزية، مع اعتماد نقوش تتناسب والبناء المعماري المصمَّم له القفل. وحين شارفت العصور الوسطى على الانتهاء، شهدت صناعة الأقفال المزيد من التفنن، إذ اكتسبت أوروبا بعضاً من عافية حضارية فحفَّزتْ القلاع والقصور والمعابد التي تجلَّت فيها كل أشكال البذخ الهندسي حدّ الصلف والتكلّف أحياناً، من القوطي إلى النهوضي فالباروك، الإبداع الأجمل للقفّالين البارعين. فأثناء النهضة تمت إضافة الرافعة إلى الأقفال المسننة لمزيد من الأمن؛ وإلى جانب مروره من خلال النتوءات الثابتة، بات يتعين على المفتاح رفع شريط -بمثابة رافعة- ليحرك المزلاج في القفل. وبحلول القرن السادس عشر، دُشِّنت في أوروبا ما يعرف بـ«الأقفال التوافقية» أو أقفال بلا مفاتيح، التي استعارت مفهومها وآلية عملها من الصين القديمة. وللقفل التوافقي قرص مدرج تحيط به مجموعة أرقام، ولفتح القفل يتعين تحريك القفل إلى اليمين وإلى اليسار في تتابع أرقام بعينها، حتى إذا ما تطابقت الأرقام مع الشقوق في القرص فُتح القفل. ولقد استُخدمت هذه الأقفال في الخزائن وصناديق المجوهرات.

هواية الملوك
استحوذت فتنة الأقفال على الألباب، وشكّل اقتناؤها غايةً ورجاءً لمن استطاع إلى الجمال والفن وثمنهما سبيلاً. وكانت كاترين الثانية إمبراطورة روسيا القيصرية -التي حكمت البلاد من العام 1762م حتى وفاتها عام 1796م- تملك واحدة من أجمل وأغلى مجموعات الأقفال في عصرها. ولم تخف الإمبراطورة إعجابها بحرفية وفنيّة صانعي الأقفال الذين كانوا يتبارون في ترجمة خيالهم في لوحات آسرة حملتها أسطح الأقفال، مبدعين أقفالاً محمولة ذات أشكال مبتكرة ومثيرة. يُقال إن صانع أقفال روسياً مشهوراً نال حريته بفضل حرفيته! فقد قام بصنع سلسلة من الأقفال والمفاتيح المزخرفة للإمبراطورة التي بلغ انبهارها بمهارته حدّ إصدارها قراراً بالعفو عنه بعدما كان على وشك ترحيله إلى سيبيريا لقضاء عقوبة بالسجن هناك، غالباً ما تنتهي إلى موت محتوم. وكما تقول القصة، فإن هذه الواقعة وراء المثل القائل: «يستلزم الأمر 89 مفتاحاً لفتح قفل سجن»، كناية عن عدد مفاتيح الأقفال التي صممها الحرفي للإمبراطورة كاترين. ولم يكتف النبلاء وسادة الأقوام باقتناء الأقفال والمفاتيح، بل بلغ الشغف بها حد تورط الملك لويس السادس عشر بصنعها! نعم.. فالملك الفرنسي الشاب، الذي أطاحت به الثورة الفرنسية في العام 1792م، لم ينشغل بأمور الحكم كثيراً، وكانت أحب الأوقات إليه عندما يخلو إلى ورشته في القصر يصنع الأقفال المعدنية، هو الذي تعلَّم الصنعة على يد قفّال فرنسي يدعى غامين. وكان لويس فخوراً على وجه التحديد بخزنة حديد سرية، احتفظ فيها بأوراقه الشخصية ومقتنياته الخاصة جداً، كان يخبّئها في أحد جدران قصره. لكن الثوار -بمساعدة غامين- تمكنوا من معرفة موقع الخزنة. ويا ليت لويس، كما يقول الفرنسيون، «حكم البلاد بمستوى كفاءته في صنع الأقفال»..

على عتبة العصر الحديث
يمكن الزعم بأن أول محاولة جادة لتعزيز مستوى الأمان للقفل وتطوير آليته تحققت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر على يد صانعي الأقفال الإنجليز، أمثال روبرت بارون وجوزيف براماه وجيريمايا تشاب. وقد واصلت صناعة الأقفال ومعها المفاتيح تطورها حيث بلغت أوجها في منتصف القرن الثامن عشر، مع صانع الأقفال الأمريكي لينوس ييل الأب، الذي سعى إلى إدخال تحديثات جوهرية على الأقفال. لكن القفزة النوعية تحققت على يد لينوس ييل الابن، الذي اخترع «قفل الوتد/الريشة» الحديث في العام 1865م، منطلقاً في فكرته من فكرة القفل الآشوري أو المصري القديم؛ وهو قفل ذو مفتاح صغير مسطّح، بحافة مُشرشرة، حيث كان أول قفل يُنتج بكميات كبيرة، كما يُعدّ حالياً الأكثر أماناً والأكثر استخداماً للأبواب في العالم. ومع اتخاذ التقنية منحنىً تصاعدياً في القرن العشرين، وتطور طرائق التصنيع بموازاة استشراء عصر الآلات، شهدت الأقفال والمفاتيح تحسينات مطردة مع إنتاجها بدقة أكبر لجهة آلية عملها وتشذيبها وتعزيز خصائصها الأمنية على نحو قلَّص من احتمالات فتحها عُنوة. وشهد القرن الفائت ظهور العديد من الأقفال والمفاتيح متنوعة التقنيات، متعددة الاستخدامات، لا نهائية المزايا. فتم تطوير الأقفال الإلكترونية، التي تستخدم مفتاحاً لتشغيل دائرة كهربائية، كمفاتيح السيارات والطائرات، وهناك الأقفال الموقوتة، كنوع من الأقفال التوافقية، حيث تستخدم في خزائن المصارف والمؤسسات المالية، وهي ذات مزاليج إغلاق آلية تعمل بجهاز توقيت. وقد يكون من الصعب حصر أنواع المفاتيح والأقفال، التي تعكس كثرتها وبنيتها المعقدة نتيجة لتراكم الخبرة البشرية، هوس الإنسان بمفهوم الأمان، وهوسه الأكبر -بالمقابل- لسلب هذا الأمان. من مفتاح الباب الخشبي الضخم الشبيه بعتلة مدجّجة بالأوتاد إلى مفتاح البيت المعدني الصغير، فمفتاح تشغيل السيارة ومفتاح تشغيل الطائرة، إلى المفتاح الكهربائي، الذي يتحكم في سريان التيار الكهربائي في دائرة كهربائية، كمفتاح تشغيل المصابيح أو تشغيل الأجهزة الكهربائية، فمفتاح التحكم عن بعد ومفتاح «كرت» أو بطاقة بلاستيكية، يا له من بون شاسع بين مفتاح ومفتاح، حافل بالفروقات والتمايزات. بعد أن كان يتطلب الأمر شخصاً ذا بأس -أو عدة أنفار- لحمل المفاتيح، باتت مفاتيح البيت والمكتب والسيارة والريموت كونترول الخاص بفتح السيارة عن بعد، ومفاتيح أخرى تتدلى من سلسلة واحدة، تخشخش بخفة في اليد!

فنّ «سرقة الخزينة» في الشاشة.. لصوص الأقفال
على غرار الممنوع مرغوب، فإن «المقفول» يحفِّز الرغبة ?لفتحه، ويثير الشهية لافتضاض مكنوناته. في ثنيات التاريخ الواقعي والمُتخيَّل، أغوت الأبواب الموصدة اللصوص الذين ?لم يتورّعوا عن استنباط كافة الأساليب لـ «هتك» الأقفال ?وفك شِفرة الخزينة البنكية المعقدة أو حتى تفجيرها، إذا لزم الأمر. البدايةُ بدائية كانت، أو هكذا قدَّمتها بعض الأفلام في السينما العربية؛ فثقب الباب العريض، الذي نتلصّص منه على ما يدور خلف الباب، كان سهل الاقتحام، بصورة كاريكاتورية! إذ كان يكفي أن ندسّ ورقة تحت الباب، ثم بدبوس أو مشبك صغير ندفع المفتاح من الثقب في الجهة المقابلة فيسقط على الورقة، ومن ثم نسحب الورقة من تحت الباب إلينا ليصبح المفتاح بحوزتنا! إذ تضاءل حجم ثقب الباب ولم تعد العين ترى ما خلفه، اعتمد اللصوص تقنية بسيطة في فتح الباب، قوامها نسخ المفتاح، بعد طبعه على لوح من الصابون أو الشمع، وذلك منذ اختراع أول آلة لقص و«خراطة» المفاتيح في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1917م، أو ببساطة شديدة الاستعانة بأداة مدببة، كدبوس أو مبرد مستدق الرأس، للتلاعب بالنوابض أو تحريك المسننات داخل القفل لفتحه دون حاجة لمفتاح، في مشهد متكرر في السينما العالمية. والإثارة تتصاعد، على الأقل في السينما، بعدما شكَّل السطو على الخزائن المصرفية سيناريو متكرراً، مشحوناً بالإثارة التي تعلو معها ضربات القلوب، وهو ما يتوافق وتطور التقنيات الأمنية في صناعة الخزينة، في المصارف والكازينوهات والمتاحف. لعل المشهد الدارج في المخيلة السينمائية قيام أحدهم بالتنصت إلى صوت حركة القفل التوافقي، الذي يعمل بتوليفة رقمية، بالاعتماد على أذنه أو بالاستعانة بسماعة طبية لاقتناص حركة القفل إذ يصيب الرقم الصحيح مكانه المخصص في القرص المدرج، محدثاً صوت طقطقة لا تخطئها الأذن الخبيرة! ومع تطوير تقنية الأقفال التوافقية في الخزائن، لجأ اللصوص إلى خيار يائس عبر تفجير الخزينة، ثم في مرحلة لاحقة من لعبة «القط والفأر» بين اللصوص والقيِّمين على الخزائن، اعتمدت مصارف العالم الكبرى خزائن ذات أبواب مصفحة، مضادة لأقوى أنواع التفجيرات الأمر الذي عنى سعي اللصوص إلى البحث عن وسائل أكثر دهاءً للاحتيال عليها. من أشهر الأفلام العالمية التي صورت عملية الاستيلاء على المصارف أو الخزائن، بطريقة عمدت بعضها إلى «تبجيل» اللصوص، فِلم «غابة الإسفلت» (1950م)، والفِلم الفرنسي «ريفيفي» (1955م)، وسلسلة الأفلام الدنماركية «عصابة أولسن» (1968 - 1998م)، والفِلم الأمريكي «اللص» (1981م)، والجزء الأول من سلسلة أفلام الآكشن الأمريكية «الموت بصعوبة» (1988م)، وفِلم «قتل زو» (1994م)، وفِلم «حرارة» (1995م) وفِلم «الأشقاء نيوتن» (1998م)، و«أوشن 11» (2001م) وعشرات الأفلام التي تظهر حنكة اللص في مواجهة المؤسسة الأمنية! لكن الخيال التصويري يتخطى الواقع بكثير؛ ففي تنافس محموم بين الواقع الأمني والرواية السينمائية، يتحول «الجسد البشري» إلى مفتاح يقهر أكثر أنواع الأقفال غير القابلة للكسر أو التحطيم! في فِلم «المصيدة» (1999م)، تتمكن النجمة كاترين زيتا جونز، مستعينة برشاقة استثنائية، من الاحتيال على قفل قوامه شبكة أمنية متقاطعة من أشعة الليزر، عبر القفز فيما بين الأشعة، حيث تنجح في تجنب أي احتكاك معها قد يؤدي إلى إطلاق دوي صفارات الإنذار، وهو مشهد يتكرر في فِلم «أوشن 12» (2004م)، الجزء الثاني من «أوشن 11»، حين ينجح لص رشيق جداً، يجسِّد دوره النجم الفرنسي فينسنت كاسيل، في تخطِّي شبكة الإنذار الليزيرية، عبر أداء جمبازي بهلواني يصعب تصديقه! كأن بالسينما تعلنها حكمة في نهاية المطاف؛ وهي أن الأمان يصبح في خبر كان!

مفاتيح لا تشبه المفاتيح
إن المفتاح في منشئه هو الأداة التي تحرِّك وتدير وتشغِّل، وهو في المبتدأ الأساس الذي تعمل به الأشياء، لذا فإنه كفكرة يمكن قولبته في أكثر من مصطلح وفي أكثر من هيئة. وبالتالي، لا يتعيَّن أن يكون المفتاح -من حيث الشكل- هو المفتاح التقليدي إياه، بالهيكل المعدني ذي المقبض والطرف المسنّن أو المشرشر! فثمة مفاتيح لا تشبه المفاتيح، تقوم بمهمّة الفتح والتشغيل، أو قد تلعب دور الموجِّه والمحدِّد. فالموسيقى لها مفتاح، وهو مصطلح مجازي، لا أداة، يُستخدم للدلالة على الأساس الذي كتبت به مقطوعة موسيقية بعينها، كأن تُكتب مثلاً بالمفتاح C، وهو ما يعني أن مركز النغم فيها هو المقياس C، حيث يضم المفتاح الموسيقي نغمات المقياس وكل الأوتار التي تصوغ هذه النغمات. في الموسيقى أيضاً، تستخدم كلمة «مفاتيح» للإشارة إلى الأصابع الصغيرة، باللونين الأبيض والأسود، التي تَفتَح وتُغلِق فتحات الصوت الهوائية الموجودة على الآلات الموسيقية، مثل الكلارينيت. وهناك آلات كالبيانو والأرغن لها روافع تُسمّى مفاتيح، حيث يضغط العازف عليها لإخراج الصوت. تُعرف مفاتيح البيانو والأرغن وغيرهما من الآلات الموسيقية بالـ «كيبورد» Keyboard أي «لوحة المفاتيح». ونستخدم لوحة المفاتيح أيضاً في الكمبيوتر، وهي عبارة عن لوحة أو أداة لإدخال البيانات، مصممة على نمط الآلة الطابعة، بترتيب معيَّن من المفاتيح أو الأزرار، تحمل أحرف وأرقاماً ورموزاً، تعمل بمثابة رافعات ميكانيكية أو مفاتيح إلكترونية. ويحمل كل مفتاح على لوحة المفاتيح نقشاً لحرف أو رمز أو رقم، بحيث يتم إدخاله في الكمبيوتر من خلال الضغط عليه، أو الضغط على أكثر من مفتاح في الوقت نفسه. ولا يصح أن نغفل «مفتاحاً» توضيحياً حيوياً في الخرائط والرسوم البيانية يُطلق عليه «مفتاح الخريطة»، وهو عبارة عن مقياس يضم قائمة من الكلمات والتعبيرات والألوان، عادة ما يوجد في إطار صغير داخل الخريطة، بحيث يشرح معنى الرموز والإشارات الموجودة في الخريطة.

قلبي ومفتاحه
إن القلوبَ مستودعُ الأسرار ومُحتضنُ الهمس ومأوى العواطف الشجيّة. وقد لا يكون من الحكمة أن نفتح باب القلب لكل من هب ودبّ. علينا أن نوصد على نبض الفؤاد، نضنّ بفرحه كما نُغلق على حزنه، فلا نأتمن غير الحبيب على مفتاحه، ألم يُغنِّ فريد الأطرش: «قلبي ومفتاحه، دول ملك إيديك، ومساه وصباحه، يسألني عليك»؟ وثمة طقس عالمي لما يعرف بـ «أقفال المحبة»، كعادة مستحدثة ضمن بدع عالمية «شعبوية» -لا تنفع كما لا تضر- يقوم فيها الأحبة الشغوفون بتثبيت أقفال على سياج أو عمود أو جدار في سلسلة معدنية، كرمز للحبّ الأبدي، بحيث تُحفر أسماء الأحبّة أو الأحرف الأولى منها على القفل، ثم يُرمى المفتاح بعيداً، ويا حبذا في قاع نهر أو بحر لضمان ألا يستعيده أحد. بذلك، يُقفل على الحب إلى الأبد، ولا يتسنَّى لكائن من يكون أن يفتح القفل الموصد على القلوب. لا توجد مرجعية أكيدة لجهة أصل هذه البدعة، أو للجغرافيا الأم التي ولدتها قبل أن تستشري في جغرافيات متعددة، وإن كان يُعتقد على نطاق عريض أن هذا التقليد وُلد في الصين، حيث يُمكن لمح أقفال المحبة، من مختلف الأحجام والأشكال بنقوش وكتابات منمنمة، مثبتة في مواقع عدة على طول سور الصين العظيم، متراصّة بالآلاف في صفوف لا تنتهي من السلاسل الحديدية المتشابكة. وعادةً ما تشكِّل أبراج المراقبة الموزّعة في نقاط استراتيجية بعينها في سور الصين مواقع منتخبة لعقد الزيجات، حيث يتبادل العروسان نذور الزواج، أمام الأقرباء والأصدقاء، بينما يعلّقان قفلاً محكم الإغلاق في سلسلة الأقفال، ثم يقذفان المفتاح بعيداً على أمل أن يبقى حبهما ويعمّر، كما عمّر سور بلدهما الأعظم. ولقد انتشر تقليد أقفال الحب وراج في أماكن عدة في مختلف أنحاء العالم مثل مدن روما وفلورنسا وتورين في إيطاليا ومدينة بيكس في هنغاريا وريغا في لاتفيا، ومونتيفيديو في الأرغواي، وسيئول في كوريا الجنوبية وطوكيو في اليابان، وكولون بألمانيا، وكييف في أوكرانيا، وإشبيلية في إسبانيا، واستوكهولم في السويد وموسكو في روسيا وغيرها. الطريف أن تقليد أقفال المحبة، وإن كان يوحي بطقس موروث عتيق وخرافة غابرة، يُعد مستحدثاً جداً؛ ففي هنغاريا ذاعت هذه الأقفال في ثمانينيات القرن الماضي، أما في إيطاليا، فإن عمرها لا يزيد على سنوات أربع، في تمثيل عجيب للواقع إذ يُحاكي الأدب والفن. ذلك أن البدعة اختلقتها بنات أفكار الكاتب الإيطالي فيدريكو موتشيا في روايته الرومانسية «أريدك»، التي نشرت في العام 2006م والتي تحوَّلت إلى فِلم سينمائي في العام 2007م لقي نجاحاً شعبياً. فبحسب وقائع الحكاية/الفِلم، يحاول شاب أن يظفر بقلب فتاة، زاعماً أن هناك تقليداً يقوم فيه الحبيبان بموجبه بتثبيت قفل في سلسلة حول عمود إنارة على جسر بونتي ميليفيو القديم في روما، ثم يلقيان بمفتاح القفل في نهر التيبر ليظل قفلهما بمنأى عن أن يفتحه أحد، وبالتالي يظل الحب قائماً وصامداً إلى الأبد. ولقد عمل الفِلم على تأجيج حمى أقفال الحب لتصيب القاصي والداني، ابن البلد والسائح الوافد إلى مدينة الرومانسية، يتدفقون على الجسر بالعشرات يومياً، معلقِّين أقفالاً تحمل نقوش أسمائهم ورسومات لقلوبهم في سلاسل مثبتة حول أعمدة الجسر، حتى لم يعد ثمة عمود بلا سلاسل وأقفال، وقد فاض النهر بالمفاتيح وغصت بها الأسماك المسكينة التي تدفع ثمن تهور مجانين الحب، الأمر الذي دفع مسؤولو المدينة (حماية للجسر وأعمدته التاريخية من أن يلحقها تشوه أو ضرر وليس دفاعاً عن الحب) إلى نصب أعمدة من الفولاذ مخصصة رسمياً لأقفال الحب. وسرعان ما امتدت سلاسل الأقفال إلى مدن إيطالية أخرى.

متحف الأقفال
يظل لأقفال الأمس ومفاتيحها وهجها وصدى خشخشة المعدن البارد عبر التاريخ، فيثير ذكريات ينتفض معها عصب الروح. لهذه الذكريات مساحة حية في متاحف عالمية مختصة، لعل أشهرها متحف الأقفال في سيئول في كوريا الجنوبية، الذي يضم تشكيلة غنية من الأقفال وميداليات المفاتيح ومزاليج البوابات وسقّاطات الأبواب.
وتحظى الأقفال والمفاتيح بأهمية خاصة في كوريا، فالأقفال ليست مصمّمة لتكون أداة أمنية فقط، وإنما تنطوي على سمات جمالية بحيث يمكن استخدامها كزينة داخلية أو تحفة فنية. ومن خلال الجمع بين أشكال وأنماط رمزية، تحوّلت الأقفال إلى مظهر حيوي من مظاهر الثقافة الكورية عبر الأزمان. وغالباً ما شملت التصاميم المستخدمة في تزيين الأقفال وزخرفتها على موتيفات نباتية وحيوانية للتعبير عن آمال صاحبها وأمنياته للمستقبل. وإلى جانب الأقفال، يؤوي المتحف تشكيلة بالغة التنوع من ميداليات وعلاّقات المفاتيح، كإكسسوارات شخصية غنية بالنقوش، حيث تورثها الأمهات الكوريات لبناتهن لتذكيرهن بواجباتهن إزاء تدبير شؤون بيوتهن وأسرهن. وفي العديد من المناطق الكورية، كان إهداء حديثي الزواج ميداليات مفاتيح تتدلَّى منها قطع نقدية تذكارية هدية أثيرة، وكانت هذه الميداليات تُستخدم لتزيين الجدران أو الأثاث في بيت العروسين، لعلّها تكون مفتاحاً للسعادة والعَمار المديد الذي يسم أيامهما. وهناك أيضاً متحف أمريكا للأقفال الكائن في بلدة تيريفيل بولاية كونيكتيكت الأمريكية، حيث يضم ثماني قاعات عرض، تحتضن كل أنواع الأقفال والمفاتيح التي تغطي حقباً تاريخية عدة، من بينها قاعة مخصصة لأقفال خزائن البنوك وقاعة لـ «أقفال ييل»، التي صنعتها شركة ييل (نسبة إلى لينوس ييل الأب والابن) في الفترة الممتدة من 1860 وحتى 1950م، من بينها نموذج الاختراع الأصلي لـ «قفل الوتد/الريشة» الذي ابتكره لينوس ييل (الابن) عام 1865م، الذي يُعد أعظم اختراع في تاريخ صنع الأقفال.

في الحكايات والأدب
منذ الأزل، دخل المفتاح في التجربة البشرية من بوابة الواقع كما بوابة الخيال والحكايات، في معانٍ عديدة كشفت الرغبة الإنسانية المتحرّقة أبداً إلى كشف المستور وفضّ المغاليق، والوقوع على الغريب والغامض والآسر والمستجدّ والمثير والخطير. وطالما شكّلت المفاتيح مادة محفِّزة للخيال في التراث الحكائي العالمي، تفتح الصناديق الملغزة والحجرات السرية، وتفضّ الأحاجي المعقّدة، فتتكشَّف عن سرّ عظيم وقدر مبيّت يرتقي إلى درجة السحر أحياناً.
إن المفتاح هو الفتح والكشف، هو الجلاء والتبدي للعيان، هو الإقليد والإغْليق، وهو المغلاق ونقيض الإغلاق، هو مادي جداً كما أنه رمزي ودلالي. أو ليس «الصبر مفتاح الفرج»؟ هو رمز الانتقال من فضاء إلى فضاء، من عالم إلى آخر، ومن قناعة إلى أخرى. قد يقودنا إلى أفق طلق حر كما قد يوصد علينا زنازين الأسر؛ قد يُدخلنا حجرة مضاءة بالأمل، وقد يدفعنا إلى حجرة معتمة غارقة في ظلمات الوحشة؛ قد يفتح لنا صندوق عِلمٍ مغلق ومعرفة مبهمة، كما قد يشرع لنا صندوق «باندورا» المليء بالشرور! وباندورا في الأسطورة الإغريقية، هي المرأة التي أعطاها زيوس، ملك الملوك وحاكم جبل أوليمبوس، جرة كبيرة وأمرها بألا تفتحها مهما كانت المغريات، لكن فضول باندورا تخطى أوامر زيوس، وفي النهاية لم تستطع مقاومة غواية الأسرار المستكينة في الجرة، فما إن فتحتها حتى خرجت منها كل الشرور والأمراض والبلايا والرزايا التي لم يعرفها الإنسان. على أن الأساطير اليونانية بما تحمله من رمزية لم تشأ أن تكون النهاية مأساوية تماماً، ذلك أنه في قاع الجرّة كمن الأمل، الأمل بأن يتخطّى الإنسان ما يصيبه من بلوى وبلاء، وبالتالي قد لا يكون فتح الجرة/الصندوق بالأمر السيئ بالمطلق. قد لا يكون المفتاح الحكائي مفتاحاً بالمفهوم التقليدي، فـ «افتح يا سمسم» ليس مفتاحاً مصنوعاً من معدن وإنما مصبوبٌ من «كلمات»! في قصة «علي بابا والأربعين حرامي»، إحدى قصص «ألف ليلة وليلة» التي افتتن بها العالم، فإن مفتاح مغارة الكنز هي «افتح يا سمسم»، إنها الكلمات المفتاح الذي يقع عليه علي بابا البغدادي فتقوده إلى الكنز الذي يحتفظ به اللصوص في مغارتهم. يا له من مفتاح سحري، يوشك أن يقود علي بابا إلى التهلكة إذ اكتشف اللصوص أمره. لكن من جديد، نحتاج إلى امرأة مثل مرجانة، زوجة علي بابا، التي تكون «مفتاح» نجاة زوجها، فتنقذه من عاقبة وشاية جار حسود به! ونساء «ألف ليلة وليلة» قادرات، يتخطين الإغلاق حتى وإن أُقفل عليهن بسبعة أقفال. لعلنا نتذكر قصة العروس، التي يشهدها الملك شهريار في مستهل كتاب الحكايات، والتي اختطفها عفريت ليلة عرسها، ثم وضعها في علبة وجعل العلبة داخل الصندوق ورمى على الصندوق سبعة أقفال وجعلها في قاع البحر «العجاج المتلاطم بالأمواج». ومع ذلك، فإن العروس البهية استطاعت في غفلة من الجني أن تفعل الأفاعيل، في حكمة خَلُصتْ إليها حكايا الليالي وهي أن «المرأة منّا إذا أرادت أمراً لم يغلبها شيء»، كما جاء على لسان العروس حبيسة الصندوق. في الخيال الحكائي العالمي، نستعين بقصّة «القلعة التي وقفتْ على أعمدة ذهبية» للدلالة على قيمة المفتاح في صورته غير التقليدية؛ ففي الحكاية التي تندرج في الفولكلور السويدي تقوم قطة بتحويل نفسها إلى رغيف خبز في ثقب مفتاح قلعة عملاق، لتمنع العملاق من دخول قلعته. «افتحي الباب!» صرخ العملاق غاضباً، لكن القطة ظلت تقصّ له مغامراتها الكثيرة إلى أن طلعت الشمس وانهار العملاق. إذ تقطع حكايا المفاتيح قروناً من التداول البشري، فإن المغزى لا يغيب عن الأدب الراهن، المفتون بالأحاجي والألغاز، تماماً كما هو مفتون بالبحث عن «المفتاح» الذي يفضّ مغاليق الأسرار، ويقود إلى الكشف النهائي، أياً كانت عواقب هذا الكشف. قد يكون المفتاح بمثابة «الشفرة» التي تفك أحجية معقدة، كما هو الحال في رواية «شفرة دافنشي» (2003م) ذائعة الصيت للكاتب الأمريكي الشهير دان براون أو روايته الأحدث «الرمز المفقود»، التي نالت حظها من الترويج حتى قبل أن تصدر في سبتمبر (أيلول) الماضي تحت عنوان «مفتاح سليمان»، كعنوان تقصدّت الدعاية الإعلامية من ورائه وعْد القراء المنتظرين برواية ملغزة، تتخطى الإثارة التي توافرت في «شفرة دافنشي». ولا يبدو غريباً أن يقترن المفتاح بالقصص والروايات البوليسية، من ذلك روايتي «سبعة مفاتيح لبالدبيت» (1913م)، و»حارس المفاتيح» (1932م) للروائي والمسرحي الأمريكي إيرل دير بيغرز، علماً بأن «سبعة مفاتيح لبالدبيت» نُقلت إلى الشاشة الفضية في تسع نسخ سينمائية على الأقل، سبعة منها بالعنوان نفسه! كما اقترن المفتاح بالفانتازيا الروائية من خلال رواية «المفتاح» للكاتبة الأسترالية ماريان كيرلي ضمن ثلاثيتها الروائية المعروفة «حراس الزمن». على أنه من بين الروايات العالمية التي تناولت المفتاح كـ «تيمة» أدبية تتوسّم بوْحاً واستراقاً للمشاعر رواية «المفتاح» (1956م) للكاتب الياباني جونيشيرو تانيزاكي، حيث يكون مفتاح الدرج الذي يؤوي يوميات يدونها زوج محبط -يفترض أنها سرية- كشفاً للحياة، والأهم كشفاً للذات.

مفتاح الكعبة

يستأثر مفتاح الكعبة باهتمام فريد من نوعه في العالم الإسلامي. يوجد المفتاح «الرسمي» بيد سدنة بيت الله في مكة المكرمة، والسدنة هم المسؤولون عن شؤون الكعبة وكل ما يتعلق بها من فتحها وإغلاقها وتنظيفها وغسلها وكسوتها وإصلاح الكسوة واستقبال زوار البيت، حيث يتولى أمر المفتاح وشؤون السدانة آل الشيبي في السعودية، الذين ينتهي نسبهم إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة. وقد نقشت على المفتاح، المصنوع من النحاس والمطعم بالفضة، آيات من القرآن الكريم. ويعتقد، كما تفيد بعض السجلات، أن هناك 59 نسخة من مفاتيح الكعبة، 54 منها في متحف قصر توباكابي في أسطنبول بتركيا، واثنان ضمن مجموعة شخصية، ونسخة في متخف اللوفر بباريس وآخر في متحف الفنون الإسلامية في القاهرة.

«افتح يا سمسم» من البلاستيك
إذا كان مفتاح «ييل» قد أحدث ثورةً في صناعة المفاتيح، فإن المفتاح البلاستيكي المصمّم على هيئة بطاقة أو كرت من البلاستيك جاء بمثابة «افتح يا سمسم» عصرية، سحرية، تنشق على أثرها أعتى الأبواب و»المغارات» الموصدة. بالإنجليزية، يُشار إلى هذا المفتاح بـ «Keycard»، وهو ليس مفتاحاً بالمفهوم المتعارف عليه، وإنما عبارة عن بطاقة تشبه بطاقة الهوية، مسطحة، مستطيلة الشكل، تخزن معلومات رقمية تستخدم مع الأقفال الإلكترونية. ولقد بلغ من شيوع هذه البطاقة أن معظم فنادق العالم اليوم باتت تستخدمها في فتح غرف الضيوف. ولم يعد ثمة قلق من أن يقوم الضيف بالمغادرة دون أن يرجع المفتاح البلاستيكي؛ ذلك أنه بعملية كمبيوترية سهلة بالإمكان تغيير صيغة المعادلة الرقمية في القفل الإلكتروني للباب، واستخراج بطاقة بلاستيكية جديدة له في لحظات! وهناك العديد من أنواع البطاقات البلاستيكية التي تعمل كمفاتيح، من بينها البطاقة الآلية المثقبة، والبطاقة الممغنطة، أي المزوَّدة بشريط مغناطيسي، و«البطاقة الذكية» المزوَّدة برقاقة إلكترونية لقراءة وكتابة البيانات، حيث تعمل هذه البطاقات إما من خلال إدخالها في قفل خاص بها وسحبها في حركة سريعة، أو تعريضها لمجس أو مسبار لقراءة البيانات المدونة فيها والتعرف إلى صاحبها. وكان العالِم النرويجي المولد تور سورنيس أول من دشّن قفل البطاقة البلاستكية، تحت اسم «فينغ كارد» VingCard، مستخدماً في فتحه بطاقة بلاستيكية تعمل آلياً فيها 32 ثقباً. كان ذلك في العام 1975م، حيث لا تزال فنادق العالم تعتمد هذه البطاقة. ولقد أعطت الثقوب الـ 32 في المفتاح/البطاقة 4.2 مليار توليفة أو تركيبة مختلفة، وهو ما كان يساوي تعداد سكان العالم على كوكب الأرض في ذلك الوقت، الأمر الذي وفَّر لكل نزيل في الفندق بطاقته البلاستيكية الفريدة التي تتألف من 32 ثقباً بترتيب معين لكل منها. ولا يزال هذا النوع من المفاتيح البلاستيكية هو المعتمد في معظم فنادق العالم. وفي العامين 1992 – 1993م، ابتكر سورنيس القفل الإلكتروني الذي يعمل بالبطاقة البلاستيكية ذات الشريط الممغنط، التي تحمل بيانات «مشفرة». ويمكن تغيير بيانات البطاقة عبر تعديل ترتيب الجزئيات في الشريط المغناطيسي الخاص بها. وتلقى هذه البطاقة رواجاً عالمياً، من خلال استخدامها كهوية، تتيح لصاحبها دخول مؤسسة أو مرفق ما، كما تُستخدم في أجهزة الصراف الآلي، وفي تذاكر المواصلات في وسائط النقل العام في أجزاء عدة من العالم، كقطارات الأنفاق في بريطانيا.

مفاتيح وطن

لا يوجد مفتاح يثير شجناً ويستحثّ حنيناً كمفتاح البيت في فلسطين ما قبل نكبة عام 1948م، بالنسبة لمئات الآلاف من الفلسطينيين ممّن غادروا قراهم وبلداتهم كلاجئين. فقد ترك الفلسطيني وراءه البيت والأرض والوطن، وحمل معه مفتاح الدار، يعلقه حِرزاً على حوائط غربته القسرية أو يخبّئه في صندوق مقتنياته، مع أوراق «الطابو» الصفراء التي تؤكد ملكيّته لأرض نُهبت منه. وكلما رأى المفتاح، لمح فيه صورة وطن ينتظر عودة أبنائه، وبيوتاً لم تُسقَ كرومها وزيتوناتها منذ زمن. قد لا يورث أبناءه مالاً أو عقاراً، لكنه يأتمنهم على المفتاح؛ فالمفتاح توْقٌ مورَّث وباقٍ عبر الأجيال. لقد زخر الأدب الفلسطيني، بكل أشكاله، بالمفتاح كرمز، وتم استغلال دلالاته سردياً ونثرياً وشعرياً في إرساء «قماشة» تعبيرية تستقرئ الشرط الفلسطيني في الشتات، ذلك أن المفتاح يُلخّص الوطن المحتَضَن في تضاعيف الذاكرة ويختصر الأمل بالعودة. من أبرز الأدباء الفلسطينيين الذين تعاملوا مع المفتاح، كتيمة قابلة لأن يتماهى فيها الوجود الفلسطيني بالغ الخصوصية أو «الذاتية»، المبدع الراحل غسان كنفاني. في لوحة «الصغير يكتشف أن المفتاح يشبه الفأس» (1967م) المشهدية ضمن مجموعته القصصية «عن الرجال والبنادق»، يستعيد الراوي مفتاح بيت أبيه في القرية، قبل أن يتركها ليدرس في القدس، وكيف أن المفتاح -كما يتذكره- كان يشبه الفأس، وهو تشبيه ينطوي على مغزى خاص، ثم إن المفتاح، الذي لم يغادر حزام أبيه، كان «المفتاح» بـ «ال» التعريف التي لازمته ما أحالته من شيء إلى فكرة حية في أكثر من وجه وأكثر من معنى، بل كان مجرد ذكره ولفظه يشيع إحساساً بالدفء. لم يكن مجرد مفتاح، بل كان هو المفتاح الذي يعرفه الجميع، كائناً علماً، غير قابل للضياع: «فهو المفتاح الوحيد الذي لم يستطع الزمن أن يضيعه، لقد كان كل رجل في القرية، كل طفل، كل امرأة، يعرفون أن هذا المفتاح هو مفتاح دار جابر، بل كان ثمة أناس في القرى المجاورة يعرفون ذلك أيضاً، فإذا ما ضاع أو سقط يعود إلى الدار كأنما من تلقاء نفسه». راح البيت وظل المفتاح، تركه له أبوه الذي دافع عن الأرض ببسالة في مواجهة الاحتلال الصهيوني. لقد مر عشرون أياراً، أي منذ النكبة، وظل المفتاح معلقاً كلوحة في بيته في جغرافيا اللجوء، مثبتاً عرضياً بمسمارين. ظل الكاتب -الذي لم يعد طفلاً- حريصاً على أن يُلحق «ال» التعريف الدافئة بالمفتاح، مع أن مفتاحه لم يعد يذكره بفأس. لكن ابنه الصغير، ينتبه ذات يوم إلى أن المفتاح يشبه فأس، بعدما سقط أحد المسمارين اللذين يثبتانه على الحائط، ليتدلى جسد المفتاح طولياً، مستعيداً تاريخه البعيد، حين كان فأساً مهاباً ومعروفاً، في صدقة ليست صدفة، كأنه يستبشر بوعد قريب.

مفاتيح القدس
للقدس مكانةٌ غالية في القلب والتاريخ، ومفاتيح المدينة هي الأغلى ذلك أن من يملكها يملك المدينة، وقد تكون واقعة تسليم مفاتيح مدينة القدس للخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، هي الأشهر في التاريخ، كونها أرستْ ما قد يكون أول ميثاق تفاهم دولي من نوعه تحت ما عرف بـ «العهدة العمرية» يحكم شروط العلاقة بين الأمم والأديان. وكان المسلمون قد تمكنوا من فتح العديد من أجزاء بلاد الشام إثر معركة اليرموك عام 636 ميلادية، ودانت لهم مدن ودويلات، إلى أن بلغوا بيت المقدس في فلسطين، حيث خيّر أبو عبيدة بن الجراح، الذي كان يقود جيش المسلمين، أهل إيلياء، أي القدس، بين إحدى ثلاث: الإسلام أو الجزية أو القتال، فرضوا بالجزية، حيث اشترط بطريرك القدس صفرونيوس أن يسلِّم مفاتيح بيت المقدس إلى الخليفة بنفسه، فأتى عمر، رضي الله عنه، إلى القدس مسافراً يرافقه خادمه ومعهما ناقة واحدة، يركبها كل من الخليفة والخادم بالتناوب. حين بلغ عمر مشارف المدينة، صعد صفرونيوس وبطارقته إلى أسوار القدس وأبصروا الرجليْن القادميْن، دون أن يميزوا أيهما الخليفة وأيهما خادمه، إذ كان عمر، رضي الله عنه، يمسك بزمام الناقة ويخوض في الماء والوحل، فأدرك البطارقة حينئذ أن مدينتهم ستكون آمنة، ففتحوا أبواب القدس وسلَّموا مفاتيحها للخليفة الذي أبرم معهم «العهدة العمرية» التي منح بموجبها الأمان لأهل القدس؛ لأنفسهم وأموالهم ومعتقداتهم وما تمثله لهم. تجدر الإشارة إلى أن مسيحيي القدس يأتمنون حتى اليوم المسلمين على مفاتيح كنيسة القيامة، قبلة المسيحيين في مشارق الأرض ومغاربها، إذ تتولى عائلتان فلسطينيتان مسلمتان، هما عائلة نسيبة وعائلة جودة، حمل هذه المفاتيح، في تقليد متوارث منذ مئات السنين، حيث يقوم أبناء العائلتين بفتح الكنيسة وإغلاقها وحراستها وصيانتها. وتذكر بعض المراجع التاريخية أن الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أعطى مفتاح الكنيسة لعبدالله بن نسيبة المازنية، وهي عائلة عربية خزرجية من المدينة المنورة، بعدما تسلمه من البطريرك صفرنيوس، وذلك عام 638م، إضافة إلى مفاتيح القدس. وثمة مراجع أخرى تفيد بأن صلاح الدين الأيوبي عهد بمفتاح كنيسة القيامة إلى عائلة نسيبة حين دخلها محرراً عام 1187م، وذلك حين لاحظ وجود خلافات بين الطوائف المسيحية في المدينة حول شؤون الكنيسة، فارتأى أن يقوم المسلمون بدور توفيقي بينهم. ثم تقاسمت عائلة جودة مع عائلة نسيبة مهمة حمل المفتاح إبان الحكم العثماني.

المصدر: مجلة القافلة