‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مترجمة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مترجمة. إظهار كافة الرسائل

كيف ربح الفرنسيون والألمان معركة الأفكار ؟


تأليف: إدوارد سكايدلسكي/ ترجمة : أيمن حمودة/ للجمهور البريطاني رغبة قوية في تطوير الذات، لكنها رغبة رديئة؛ فهذا الجمهور يملك تطلّعات قوية لكن ذوقه ضعيف. صحيح أن نظام التعليم في بريطانيا يقوي الرغبة في المعرفة، لكنه يعجز عن إشباعها. وهذا ما يجعل كلامنا هنا على الدور المركزي في ثقافتنا للمثقّف أمرا مهما، ولاسيّما أن المثقف هو الشخص الذي يقول لنا ما يجب أن نعرف. إذا كانت المتاحف تدفعنا إلى النظر في بعض اللوحات والتفكير في شرائها، فقد وجدت هذه الغريزة التسويقية مثيلا لها في الإلهام الذي جعل دار روتليدج Routledge الشهيرة تعيد إصدار 30 كتابا نهاية القرن العشرين تحت عنوان "كلاسيكيات روتليدج" رأت أنها الأكثر أهمية، وعدّت أن على كلّ شخص "متعلّم" أن يقرأها. يا له من طريق مخادع لجذب أكبر عدد من الزبائن إلى أعمال قد تبقى في متناول حفنة صغيرة جدا من الاختصاصيين !ومن يعلم كم من الناس الذين يشترون هذه الكتب يقرؤونها، تلك على كل حال مسألة أخرى. كم صعب على من يراجع هذه المجموعة الكلاسيكية أن ينصف هذا العدد الكبير من الكتب المختلفة جدا. لكنني اخترت نقطة محددة، فقسّمت المجموعة طبقا لمصدرها في ثلاث لغات هي الإنجليزية، والفرنسية والألمانية ولاسيما أن الكتب ممثّلة جميعها في تلك الكلاسيكيات بأعداد متساوية تقريبا. والحقيقة المثيرة أن الكتب الأكثر أهمية وتأثيرا هي تلك المكتوبة بالألمانية: نسبية آينشتاين، رسالة منطقية فلسفية للودفيج فتجنشتين Wittgenstein، الطوطم والحرام لفرويد Freud، والأخلاق البروتستانتية لماكس فيبرWeber. وكلها إسهامات أحدثت ثورة في المجال الذي تنتمي إليه. ولا توجد دولة أوروبية أخرى أنتجت أعمالا في مكانتها، ولهذا السبب تبوأت ألمانيا مركز القلب في الحياة الثقافية للقرن العشرين. هذه الكتب الأربعة التي نشرت بين 1904 و1921 تنتمي إلى الثورة الثقافية العظيمة المعروفة بالحركة الحديثة(الحداثة). وهي تشترك بطرق مختلفة في منطلق واحد: أنّ معرفة العالم بشكل مباشر أمر غير ممكن: المعرفة ممكنة فقط من زوايا نظر متعددة. إن الحركة كما كتب آينشتاين شيء نسبي دائما؛ الرصيف-من وجهة نظر الرجل الجالس في القطار- هو الذي يتحرّك. والرأسمالية، كما برهن ماكس فيبر، ليست شيئا طبيعيا أو حتميا؛ إنها وليدة وجهة نظر دينية معيّنة. أما فتجنشتين فقد عبر عن الروح العامّة للحداثة بمقولته المأثورة: "حدود لغتي هي حدود عالمي." وهذا يفسر لماذا شهد القرن العشرون هوسا باللغة: فالعالم معطى لنا من خلال اللغة given datum؛ وتنقية اللغة تعني بشكل تلقائي تنقية رؤيتنا للعالم. كلّ الفلسفة- كما كتب فتجنشتين- هي نقد يستهدف اللغة Sprachkritik . ألم يعزز سوء الاستخدام السياسي للغة في هذا القرن والقرن الذي سبقه مقولة فتجنشتين السابقة؟ ذلك أن الأنظمة الاستبدادية تستطيع أن تحرّف العالم بتحريف اللغة، وهذا يعني أن نقد اللغة ليس لعبة فلسفية مجرّدة فحسب: إنه فعل مقاومة سياسي. هذا شيء كان قد فهمه بشكل جيد كل من الروائي الإنجليزي جورج أورويل، و الروائي الروسي شولزينزن Solzhenitsyn. ننتقل من الكتب الألمانية إلى الكتب الفرنسية التسعة التي تضمنتها كلاسيكيات روتليدج. جاءت هذه الكتب في المنزلة الثانية بعد نظيرتها الألمانية. ولعل أبرزها الأعمال البنيوية structuralism أو ما بعد البنيوية post-structuralism، التي نشرت أول مرة بين 1961- 1977 متضمّنة تاريخ الجنون والحضارة لفوكو Foucaot، والكتابة للاكان Lacan والكتابة والاختلاف لدريدا Derrida والأسطورة والمعنى لكلود ليفي شتراوسStraus. وقد راحت هذه الأعمال تؤكد مسألة جوهرية ميزت العصور الحديثة ألا وهي مرور اللغة في تحول غير عادي: لسنا نحن الذين نتكلّم اللغة، اللغة هي التي تتكلّمنا (التعبير لهيدجر). لقد صار للغة وجود مستقل عن المتكلمين بها؛ غدت نظاما من المعاني لا سيطرة لنا عليه ولا قدرة لنا على تغييره. وكل ما نستطيع فعله هو تحليل ذلك النظام أو "تفكيكه". وبعكس ما قلناه عن فتجنشتين لم تشجع التوجهات الفكرية الأخيرة على النضال السياسي: فهي تقدم معرفة ساخرة يسارية مريحة للفوضويين. وفي الوقت الذي امتلأت فيه أعمال الحداثيين الأوائل بالإيمان في الإنسان الفاعل، تخلّلت جبرية فضولية الكتابات المتأخرة؛ فقد كتب ليفي شتراوس يقول: "كل واحد منّا نقطة تقاطع تحدث فيها أشياء".وهذه النظرة غير الموضوعيّة إلى الطبيعة البشرية هي التي عطّلت انتشارها وحدّت من ديمومتها . ثمّة ملاحظة أخيرة على المجموعة الفرنسية تتعلق بسايمون فاي Weil، المفكّرة اللاهوتية الفرنسية الأعظم في القرن العشرين، فهي ممثّلة في هذه المجموعة الكلاسيكية بعملها الأضعف "القمع والحريّة" Oppression and Liberty وهو مجموعة كتاباتها السياسية المبكرة التي كتبها من وجهة نظر ماركسية ملتزمة لكنها لم تمنعها من إبداء بعض الشكوك هنا وهناك، لكن لا شيء في هذه الكتابات يعبر عن عبقرية أعمالها اللاهوتية أو الدينية المتأخرة. لماذا لم تعد روتليدج نشر كتابها "النعمة والعفو" وهو أحد أهم كتبها بدلا من كتاب "القمع والحرية"؟ أما المساهمات الإنجليزية في مجموعة روتليدج فهي الأقلّ أهمّية نسبة إلى الكل. فغالبيّتها أعمال أكاديمية بسيطة، مثل كتاب فرانسيس ياتيس Yates "الفلسفة في العصر الإليزابيثي" وكتاب إيريك بارتردج Eric Partridge "فاجر شكسبير" . وكتاب الطبّ لدبليو إتش آر ريفرز Rivers وكتاب "السحر والدين" الذي يدين كليّا لقدرة مؤلفه على عرض البطل على منوال ثلاثية البعث الروحي لبات باركر Pat Barker وكتاب "في البحث عن الإشارات" لجوناثان كولر Jonathan Culler وهو يفيض بذلك الميل الكئيب المعروف بالنظرية النقدية وليس سوى محاولة من أساتذة الأدب الإنجليزي لتعزيز منزلتهم بتقليد متكلّف للمفكّرين الفرنسيين الذين ذكرناهم آنفا. عملان اثنان من المجموعة الإنجليزية هما الأكثر إثارة ،وأعني مقالات في الأخلاق لآيريس مردوخ Murdoch وماري ميدلي Midgley .وتنتمي هاتان الكاتبتان إلى جيل الفلاسفة الأخلاقيين النسويين الصارمين أمثال ماري وارنوك Mary Warnock وفيليبا فوت Philippa Foot وإليزابيث أنسكومب Anscombe . إنّ كتاب مردوخ المعنون بـ "سيادة الخير" The Sovereignty of Good هو رسالة تذكير بأن الأخيرة على الأقل هي فيلسوفة جيدة مثلما هي روائية جيدة. فقد حاولت مردوخ في كتابها هذا وبوصفها صوفية مترددة إنعاش الأزمنة الحديثة بمذهب أفلاطون في الخير المتعالي. أما ميدلي فهي أيضا فيلسوفة لطيفة تستحقّ أن تكون معروفة أكثر. ويضج كتابها الشر Wickedness بعقلانية أرسطوطاليسية التي وُظّفت في بحث العلاقة الإشكالية بين علم الأحياء والمبادىء الأخلاقية؛ إذ ترى أنّ المبادئ الأخلاقية نمو حتمي انبثق من ترتيبنا الاجتماعي الطبيعي، رافضة في الوقت نفسه الأشكال الأغلظ للردية الداروينية Darwinian reductionism. وهذان الكتابان يبرهنان أن الفلسفة الغربية ليست أكثر من سلسلة هوامش على أفلاطون وأرسطو. لا تضاهي الكتب الإنجليزية في القيمة منافساتها الأوروبية. لكن روتليدج خضعت لمحدّدات خاصة؛ فلو كان الناشر قد تمتع بحرّية أكبر في اختيار الكتب فأنا واثق أن هذه الكلاسيكيات كانت ستأخذ وضعا مختلفا جدا. إن اختيار الأعمال العشر غير القصصية الإنجليزية الأكثر أهمية من القرن العشرين لعبة مسلّية لكن تلك الكتب لا تضارع في الأهمية والتأثير مجموعة الكتب الألمانية، مما يعني أن بريطانيا ظلت دائما على هامش الثقافة للقرن العشرين. و هذا شيء لم يكن كذلك في القرن التاسع عشر والثامن عشر والسابع عشر؛ فقد نظر فرنسيو القرن الثامن عشر إلى نيوتن Newton، ولوكLock وهيوم Humeبوصفهم معلمين. أما الكتّاب الفيكتوريون مثل جون ستيوارت مل Mill ، وروسكين Ruskin و توماس كارليل Carlyle الكاتب والمؤرخ انجليزي. فكانوا في متناول القراء في أماكن بعيدة من بريطانيا مثل روسيا. لقد أصبحت الثقافة البريطانية في القرن العشرين محلية أكثر، وانحلّت إلى نوع من التخصصية الأكاديمية والأدب النفيس. فكتاب "فيكتوريون بارزون" لـ ليتون ستراتشي Strachey مضحطريف جدا للبريطانيين الذين يتواصلون ومضامينه. لكن كم عدد الألمان والروس أو الأمريكيين الذين يمكن أن يلتقطوا روح الطرافة فيه؟ من الواضح أنّ الكتب الإنجليزية الأكثر بروزا في هذه المجموعة كتبها مهاجرون أوروبيون بما فيها كتاب"الجنس والقمع في المجتمع الوحشي" لمالينوفسكي Malinowski، و"الطريق إلى القنانة" لهايك Hayek و"الخوف والحرية" لإريك فروم Fromm. ثم ألم ينته المقام بمجموعة من الكتّاب الألمان الآخرين أمثال فرويد وفتجنشتين وأدورنو Adorno وآينشتاين في إنجلترا أو في أمريكا ويؤثروا فيهما تأثيرا عظيما كما كان حالهم في وطنهم؟ إن حيوية الحياة الثقافية الإنجلوأمريكية ولا سيّما الأمريكية - بعد الحرب العالمية الثانية جاءت في الغالب بسبب تدفّق هذه الموهبة من القارة الأوروبية: شكرا هتلر(!)

النزعة التجارية الصينية والبلدان الفقيرة


*داني رودريك/ إن الميزان التجاري للصين يسلك مسار تكوين فائض آخر وفير هذا العام. وفي الوقت نفسه سنجد أن المخاوف بشأن صحة التعافي في الولايات المتحدة آخذة في الارتفاع. والواقع أن كلا التطورين يشير إلى أن الصين سوف تخضع لضغوط متجددة لدفع قيمة عملتها إلى الارتفاع الحاد. وقد يبلغ الصراع مع الولايات المتحدة ذروته أثناء جلسات الاستماع في الكونغرس الأميركي حول الرنمينبي (عملة الصين) والتي من المقرر أن تعقد في شهر أيلول "سبتمبر"، حيث من المتوقع أن تحث أصوات متعددة إدارة أوباما على التهديد باتخاذ إجراءات عقابية إذا لم تتحرك الصين.
والواقع أن مناقشة العملية الصينية تركز على الاحتياج إلى تقليص الفائض التجاري للبلاد وتصحيح الاختلال في توازن الاقتصاد الكلي العالمي. وفي ظل عملة أقل قدرة على المنافسة، يأمل العديد من المحللين أن تقلل الصين من صادراتها وتزيد من وارداتها، وهو ما يشكل إسهاماً إيجابياً فيما يتصل بدعم تعافي اقتصاد الولايات المتحدة واقتصاد غيرها من بلدان العالم.
وفي كافة جوانب هذه المناقشة، يُنظَر إلى الرنمينبي على نطاق واسع باعتباره قضية بين الولايات المتحدة والصين، أما مصالح البلدان الفقيرة فإنها نادراً ما تشكل مادة صالحة للمناقشة، حتى في المحافل المتعددة الأطراف. ورغم ذلك فإن الارتفاع الملموس في قيمة الرنمينبي قد يخلف تأثيراً ملموساً على البلدان النامية. ولكن لا أحد يستطيع أن يجزم بما إذا كانت البلدان النامية ستكسب أم تخسر نتيجة لرفع قيمة الرنمينبي.
فمن ناحية يقف ارفيند سوبرامانيان، من معهد بيترسون ومركز التنمية العالمية. وهو يزعم أن البلدان النامية عانت أشد المعاناة بسبب السياسة التي تتبناها الصين في خفض قيمة عملتها، وهي السياسة التي زادت من صعوبة منافسة السلع الصينية في الأسواق العالمية، ودفعت التصنيع والنمو في البلدان النامية إلى التراجع.
وإذا ارتفعت قيمة الرنمينبي فإن صادرات البلدان النامية تصبح أكثر قدرة على المنافسة، ويصبح اقتصادها في وضع أفضل يسمح له بجني ثمار العولمة. ومن هنا فإن سوبرامانيان يزعم أن البلدان الفقيرة لابد وأن تنضم إلى قضية الولايات المتحدة وغيرها من البلدان المتقدمة اقتصادياً في الضغط على الصين لحملها على تغيير سياسات العملة.
وعلى الجانب الآخر يقف هيلموت رايزن وزملاؤه في مركز التنمية التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والذين استنتجوا أن البلدان النامية، وخاصة الأفقر بينها، سوف تتضرر إذا سجلت قيمة الرنمينبي ارتفاعاً حادا. وهم يستندون في استنتاجهم هذا إلى حقيقة مفادها أن رفع قيمة العملة الصينية من شأنه على نحو شبه مؤكد أن يؤدي إلى تباطؤ النمو الصيني، وأن كل ما قد يؤدي إلى نتيجة كهذه لابد وأن يشكل نبأً سيئاً بالنسبة للبلدان الفقيرة أيضا.
ويدعم أنصار هذا الرأي حجتهم بالعمل التجريبي الذي يشير إلى أن النمو في البلدان النامية أصبح تدريجياً أكثر اعتماداً على الأداء الاقتصادي في الصين. وطبقاً لتقديراتهم فإن تباطؤ معدل النمو السنوي في الصين بمقدار نقطة مئوية واحدة من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض معدلات نمو البلدان ذات الدخول المنخفضة بمقدار 0,3 نقطة مئوية.
ولكي نتوصل إلى فهم واضح لهذين المنظورين المتناقضين فيتعين علينا أن نرجع إلى المحركات الأساسية للنمو. فإذا ما استبعدنا الأمور الفنية فإن المناقشة سوف تتلخص في سؤال جوهري واحد: ما هو نموذج النمو الأفضل والأكثر استدامة بالنسبة للبلدان ذات الدخول المنخفضة؟
تاريخياً، كانت المناطق الفقيرة من العالم كثيراً ما تعتمد على ما يسمى بنموذج "المنفذ في مقابل الفائض". ويستلزم هذا النموذج تصدير المنتجات الأولية والموارد الطبيعية مثل المنتجات الزراعية أو المعادن إلى أجزاء أخرى من العالم.
وهذه هي الطريقة التي نجحت بها الأرجنتين في إحراز الثراء في القرن التاسع عشر، واكتسبت بها الدول النفطية الثروات أثناء السنوات الأربعين الماضية. والواقع أن النمو السريع الذي شهدته العديد من البلدان النامية قبل الأزمة كان راجعاً إلى حد كبير إلى نفس النموذج. ولقد تحركت البلدان الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في أفريقيا بصورة خاصة إلى الأمام بسبب نمو الطلب على مواردها الطبيعية ـ من جانب الصين بشكل خاص.
ولكن هذا النموذج يعاني من نقطتي ضعف قاتلتين. الأولى أنه يعتمد على النمو السريع في الطلب الخارجي. وحين يتعثر مثل هذا الطلب فإن البلدان النامية تعاني من انهيار أسعار الصادرات، وفي كثير من الأحيان الأزمات الداخلية المطولة. والثانية أنه لا يعمل على تحفيز التنويع الاقتصادي. والبلدان التي تتشبث بهذا النموذج تجد نفسها وقد تخصصت بشكل مفرط في المنتجات الأولية التي تعد بالقليل من نمو الإنتاجية.
والواقع أن التحدي الرئيسي للتنمية الاقتصادية لا يتمثل في الطلب الخارجي بل في التغيير البنيوي على المستوى المحلي. والمشكلة بالنسبة للبلدان الفقيرة هي أنها لا تنتج الأنواع المناسبة من السلع. فهي تحتاج إلى إعادة هيكلة اقتصادها بعيداً عن المنتجات الأولية التقليدية وفي اتجاه الأنشطة ذات الإنتاجية الأعلى، مثل المصنوعات والخدمات الحديثة في الأساس.
ويشكل سعر الصرف الحقيقي أهمية بالغة، لأنه يحدد القدرة التنافسية وربحية الأنشطة الحديثة القابلة للتداول. وحين تضطر البلدان النامية إلى المبالغة في تقدير قيمة عملاتها، فإن هذا يعني كساد الاستثمار في مثل هذه الأنشطة.
ومن هذا المنظور فإن السياسات التي تتبناها الصين في التعامل مع قضية العملة لا تعمل على تقويض القدرة التنافسية لصناعات بلدان أفريقيا وغيرها من المناطق الفقيرة فحسب؛ بل إنها تعمل أيضاً على تقويض محركات النمو الأساسية في هذه المناطق. والواقع أن ما تجنيه البلدان الفقيرة من النزعة التجارية الصينية لا يتجاوز النمو المؤقت من النوع الخطأ في أفضل تقدير.
رغم ذلك، وحتى لا نحمل الصين قدراً أعظم مما ينبغي من اللوم، فيتعين علينا أن نتذكر أن هناك القليل من الأسباب التي قد تمنع البلدان النامية من تقليد أساسيات النموذج الصيني. فهي أيضاً كان بوسعها أن تستخدم أسعار صرف عملاتها على نحو أكثر نشاطاً من أجل تحفيز التصنيع والنمو. صحيح أنه من غير الممكن أن تخفض كل بلدان العالم قيمة عملاتها في وقت واحد، ولكن البلدان الفقيرة كان بوسعها أن تحول "العبء" إلى البلدان الغنية، حيث من المفترض أن تكون كما يشير المنطق الاقتصادي.
ولكن ما حدث بدلاً من ذلك هو أن العديد من البلدان النامية سمحت لقيمة عملاتها بالارتفاع، اعتماداً على ازدهار الطلب على السلع الأساسية أو التدفقات المالية. ولم تستخدم هذه البلدان السياسات الصناعية الصريحة إلا قليلاً، رغم أنها تصلح بديلاً لخفض قيمة العملة.
وقد لا يصح لنا في ضوء هذه الحقائق أن نحمل الصين المسؤولية لمجرد سعيها إلى رعاية مصالحها الاقتصادية، حتى ولو كانت قد تسببت بهذا في تفاقم التكاليف المترتبة على سياسات العملة غير الحكيمة التي تتبناها بلدان أخرى.

* أستاذ الاقتصاد السياسي بكلية جون ف. كينيدي للعلوم الحكومية في جامعة هارفارد، ومؤلف كتاب "اقتصاد واحد والعديد من الوصفات: العولمة، والمؤسسات، والنمو الاقتصادي".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت، 2010.





كيف قسم آينشتاين يهود أميركا؟


مقدمة من المترجم: جميع الشعوب والمفكرين يختلفون، ولكن تبقى نقطة أو نقاط مشتركة بينهم تفيد مجتمعهم يعملون من أجلها، وهنا علينا أن نتذكر دائماً أن اليهود ليسوا من منبع واحد، وأصولهم لا تلتقي في الدم ولا في النشأة أو في التراث والتربية، ورغم كل ذلك نشأ من بينهم زعماء أقوياء في التصميم والعمل الجاد في كل بلد عاشوا فيه، فعمل أولئك الزعماء من أجل جمع شمل اليهود في العالم في بلد واحدة، فكانت أقوى المنظمات اليهودية التي جمعت عدداً من أفضل رجالهم من المثقفين والمتعلمين ورجال المال والأعمال فشكلوا المنظمة الصهيونية. اختلف زعماؤها مع بعضهم في أحيان كثيرة، ولكن بقي هدفهم واحداً وهو تجميع اليهود وحفظ كرامتهم وتوحيدهم وجمعهم، وهنا أنقل للقارئ الكريم ترجمة عن سيرة شخصين من يهود العالم هما آينشتاين ووايزمن، وما استطاعا أن يحققا لجمع اليهود، ولكسب دعم الغرب كاملاً للعمل معهم على تثبيت اليهود ونقلهم وترحيلهم إلى فلسطين لتكون وطناً قومياً موحداً لليهود من جميع أجناسهم وقومياتهم ولغاتهم ومعتقداتهم، ولم يكونا وحدهما في هذا التخطيط والصراع، بل سنتعرف عبر المقال التالي على حياة وسعي كثيرين آخرين من يهود أوربا ويهود أمريكا من العاملين لفكرة القومية اليهودية الصهيونية.

نص المقال:
زيارة ألبرت اينشتاين الأولى للولايات المتحدة عام 1921 أثارت نوعاً من الهستيريا الجماعية، وأعادت إلى الأذهان آثار زيارة فريق البيتلز إلى أمريكا بعد وصول آينشتاين بأربعة عقود. ولكن أظهرت وثائق نشرت حديثا، تبين أنه نشب خلاف حاد بين الصهاينة الأوروبيين وبعض من زملائهم اليهود الأميركان عبر المحيط الأطلسي، ومنهم ويس برانديز وفيليكس فرانكفورتر الذي رأى أن أفضل طريقة لليهود هي العمل أولاً على الاستيعاب وليس التحرك من أجل وطن قومي لليهود.
الجولة الأولى لألبرت اينشتاين في أميركا كانت رائعة وفريدة من نوعها في تاريخ العلوم، وبالفعل كانت أثار زيارته ملحوظة في مجالات عدة: فخلال جولته التي امتدت لشهرين في ربيع عام 1921 والتي اثارت نوعا من الهيجان الجماهيري، وتملق الصحافة التي تهدف التشويق، بمتابعة نجم الروك آينشتاين، إذ اقتحم النجومية العالمية في الآونة الأخيرة بشكل كبير إثر ملاحظاته التي أعلنها خلال الكسوف الكلي للشمس في تلك الفترة، وتضمنت تأكيد نظريته في النسبية من خلال إظهار أن حقل جاذبية الشمس تكسر شعاع الضوء إلى الدرجة التي تنبأ بها. وهللت صحيفة نيويورك تايمز لهذا التصريح بإظهاره بعناوين كبيرة. والتالي نماذج من تلك المانشيتات التي ظهرت في الصحف أيامها
جميع الأضواء تميل في السماوات / رجال العلم أكثر تلهفاً على نتائج الملاحظات عن الكسوف / انتصارات نظرية أينشتاين / مواقع النجوم ليست حيث تبدو لنا أو حيث تبينها الحسابات، ولكن لا يقلقن أحد.
وهكذا عندما وصل آينشتاين الى نيويورك في نيسان / أبريل، استقبلته الحشود بعشق في أكبر احتفال عالمي علمي، وكرمز لطيف يمثل القيم اليهودية وكقديس شفيع لليهود.
ومع ذلك فالصفحات المنشورة حديثا عن زيارته في تلك السنة تظهر جانبا أقل بهجة لزيارة اينشتاين الشهيرة. فقد وجد نفسه متورطا في معركة بين الصهاينة الأوربيين المتحمسين بقيادة حاييم وايزمن، الذي كان يرافق اينشتاين في الرحلة، وبين زعماء اليهود الأميركان الذين هم الأكثر حنكة وحذراً، بما في ذلك ويس برانديز، وفيليكس فرانكفورتر، والقائمين على إنشاء شركات وول ستريت المصرفية. وهناك نزاعات أخرى جرت حول الصهيونية فيبدو أنها السبب في عدم توجيه الدعوة لأينشتاين لإلقاء محاضرة في جامعة هارفارد، ودفعت الكثير من يهود مانهاتن البارزين على رفض دعوة منه لمناقشة مشروعه الحيوانات الأليفة، وإنشاء جامعة في مدينة القدس.
وعن المدى الكامل لهذا الجدل، والتي تم التطرق له فقط في الكتب السابقة (بما في ذلك سيرة كتبت في عام 2007)، وقد كشف النقاب عن مراسلات أينشتاين والأوراق للعام 1921 والتي نشرت مؤخرا من قبل مطبعة جامعة برينستون.
أي من الرسائل المكتشفة حديثا (وجميعها متوفرة في دائرة المحفوظات العمومية)، لم ينشر معظمها من قبل. والكتاب الذي بلغت عدد صفحاته ال 600 صفحة من المجلد الثاني عشر، جمعت محتوياته حتى الآن من المحررين بمشروع أوراق اينشتاين، إن جمع الرسائل والوثائق ذات الصلة معا تسمح لنا الآن أن نرى، بل وأكثر وضوحا مما أوضحه اينشتاين في ذلك الوقت، وتبين النضال السياسي والعاطفي الذي خاضه.
نشأ آينشتاين في أسرة يهودية ألمانية علمانية، و (ما عدا فترة قصيرة من الحماسة الدينية في مرحلة الطفولة) انه ازدرى العقيدة الدينية والطقوس ومع ذلك يعتبر نفسه بفخر أنه من إنتاج التراث اليهودي، وأنه شعر بوجود وشائج قوية مع ما سماهم رجال قبيلته أو رجال القبائل. وظهرت توضيحاته بهذا الشأن في عام 1921 والتي يمكن ملاحظتها في جواب فظ ارسله في وقت مبكر من ذلك العام إلى الحاخامات اليهود في برلين، والذي كانوا قد دعوه ليصبح عضوا ممولاً في المجمع الديني اليهودية هناك. فأجاب "لقد لاحظت أن ماذكرتموه في رسالتكم عن كلمة يهودي هو مفهوم غامض، فهل تشير مفردة (يهودي) (1) إلى الجنسية والمنشأ، و(2) أم إلى الإيمان. أنا يهودي في المعنى الأول، وليس في الثانية ".
وكانت الالمانية المناهضة للسامية آنذاك آخذة في الارتفاع. والعديد من اليهود الألمان فعل كل شيء ممكن، بما في ذلك اعتناق المسيحية، من أجل استيعاب الموقف، وحثوا اينشتاين على أن يحذو حذوهم. ولكن آينشتاين تتبع النهج المعاكس. فبدأ يحدد التراث اليهودي بقوة أكبر، وانه اعتنق التنظيم الصهيوني لتعزيز وطن قومي لليهود في فلسطين.
وكان قد تم دعوته وتجنيده من قبل الزعيم الصهيوني الرائد كورت بلومينفيلد، فأرسل دعوة لآينشتاين في برلين عام 1919 في وقت مبكر.وواجه أسئلة كثيرة منها: لماذا ينبغي إقامة وطن قومي لليهود، ثم ألم تكن زراعية في المقام الأول؟ ولماذا العمل على أن تكون دولة لهم فقط؟ ألا يمكن أن تكون القومية هي مشكلة بدلا من الحل؟ في نهاية المطاف، أخيراً استطاع اينشتاين الالتفاف حول هذه التساؤلات فقال. "أنا كائن بشري معارض للقومية"، وقال لشبكة لومفيلد "لكن كيهودي، فأنا منذ اليوم من المؤيدين للجهد الصهيوني". وأصبح أيضا مدافعاً عن فكره على نحو أكثر تحديدا، وشدد الدعوة إلى إنشاء جامعة عبرية في القدس، والتي أنشئت فعلاً وسميت الجامعة العبرية.
ظن آينشتاين في البداية أن أول زيارة له الى الولايات المتحدة، وهو ما دعاها مازحا "دولاريا" قد تكون وسيلة لكسب بعض المال بعملة قوية مستقرة. وخاض هو وزوجته الأولى مراحل طلاق مريرة، وكانا لا يزالان يتصارعان على الشؤون المالية، فحاول.ماكس آربورغ من مصرف هامبورغ مع شقيقه بول الذي كان مقره في نيويورك دعوة إينشتاين لإلقاء محاضرات مربحة مادياً له. سألا كلا من جامعة برنستون وجامعة ويسكونسن لدعوة إينشتاين لإلقاء محاضرات مقابل رسم قدره 15،000 دولار. في شباط / فبراير من عام 1921، فأجابت ماكس اربورغ : "إن المبلغ الذي تحددونه أمر غير ممكن." لم يكن يصب آينشتاين بصدمة جراء فشل المحاولة، إذ قال "لقد وجدوا أن مطالبي كانت عالية جدا"، وقال لصديقه وزميله الفيزيائي بول إيهرنفيست Ehrenfest. "انني مسرور لعدم الذهاب هناك، ففي الواقع إنها ليست طريقة جيدة لكسب المال." وبدلا من ذلك، وضع خططا أخرى : انه سيتوجه الى بروكسل لتقديم ورقة في مؤتمر سولفاي أمام جمع من علماء الفيزياء البارزين في أوروبا .
ثم كان أن جاء بلومينفيلد إلى شقة أينشتاين مرة أخرى، لكن هذه المرة ومعه دعوة، أو ربما لأمر ما، في شكل برقية من رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، حاييم وايزمن. وهو خبيرالكيمياء الحيوية من الذين هاجروا من روسيا إلى إنكلترا، فطلب وايزمان من اينشتاين مرافقته في رحلة إلى أمريكا لجمع الأموال للمساعدة في تسوية قضية فلسطين، وبوجه خاص، لإنشاء الجامعة العبرية في القدس. فعندما قرأ بلومينفيلد البرقية له رفض اينشتاين الفكرة وقال انه ليس خطيبا، وقال، إنه ليس من اللائق استخدام شهرته لاجتذاب حشود لسبب ما، لم يناقشه بلومينفيلد وبدلا من ذلك، قرأ برقية وايزمان له بصوت عال مرة أخرى. واضاف "انه رئيس لمنظمتنا،" ثم أكمل قائلاً : "وإذا كنت تأخذ الصهيونية على محمل الجد، فيحق لي أن أطلب منك، وباسم الدكتور وايزمان، الذهاب معه الى الولايات المتحدة."
فأجاب إينشتاين "ما تقوله هو الحق ومقنع" مما أثار دهشة بلومينفيلد بلا حدود.ثم أضاف آينشتاين قائلاً "إنني أحسّ في داخلي أنني منذ الآن أصبحت شريكاً في الوضع، وأنه لا بد لي من قبول الدعوة." مما أشعر وايزمن بسعادة غامرة وفوجئ بعض الشيء. ثم أرسل له لاحقاً برقية من لندن قال فيها "أنني بصدق أقدر لكم استعدادنا في هذه الساعة الحاسمة لخدمة الشعب اليهودي".
عكس القرار تحولا كبيرا في حياة إينشتاين. وحتى ينتهي من إكمال النظرية النسبية، كان قد كرس نفسه كليا تقريبا للعلم. ولكن العداء للسامية والتي كانت تنز حتى من حوله في برلين أدى به إلى إعادة تأكيد هويته كيهودي، وجعله يشعر بالتزام أكثر بالدفاع عن ثقافة مجتمعه وشعبه. وكتب إلى ناشره الفرنسي "لست حريصا على الذهاب الى اميركا، ولكنني أفعل ذلك فقط نيابة عن الصهاينة، ويجب عليّ أن أخدم كإنسان شهير وكطير مشارك، وعليّ أن أفعل كل ما بوسعي لأخواني القبليين، والذين يعاملون بشكل حقير في كل مكان."
وهكذا أبحر إينشتاين وزوجته الجديدة إلسا في اواخر مارس اذار 1921 في زيارته الاولى لامريكا. وأثناء الرحلة حاول أن يشرح أينشتاين نظرية النسبية لوايزمان. وردا على سؤال لدى وصولهم عما اذا كان يفهم هذه النظرية، فأجاب وايزمان إجابة خبيثة: "شرح اينشتاين نظريته لي كل يوم، وبحلول الوقت الذي وصلنا فيه كنت مقتنعاً انه فعلا يعرف نظريته تماماً".
وفي الوقت الذي رست فيه السفينة بمنطقة باتري في مانهاتن بعد ظهر يوم 2 ابريل، كان آينشتاين يقف على سطح السفينة، وهو يرتدي قبعة سوداء تخفي بعض ولكن ليس كل ما على رأسه من الشعر الذي وخطه الشيب. ويحمل في يد غليوناً لامعاً من نوع براير ويمسك في اليد الأخرى محفظة كمان مهترئة، وذكر مراسل صحيفة نيويورك تايمز " يبدو أنه مثل فنان" واضاف "لكن تحت تلك النظرة الشعثاء كان عقل علمي صعق خصومه من علماء أوربا."
احتشد الآلاف المنتظرون جنبا إلى جنب مع فرقة طبول فايف اليهودية، وحشد من أعضاء فيلق السلك اليهودي، كانوا ينتظرون في باتري بارك عندما رافق آينشتاين العمدة وغيره من كبار الشخصيات على الشاطئ ثم ركب زورق شرطة. كان الحشود يلوحون بأعلام زرقاء وبيضاء، وغنوا أنشودة "علم النجم اللامع- ستار بانجلد بانر " ومن ثم النشيد الوطني الصهيوني، " هاتكفا أي الأمل". وآينشتاين ووايزمان يتوجهان مباشرة لفندق كومودور، في منتصف المدينة، بدلا من مرافقة الموكب، استمرت سيارات الموكب تجوب الاحياء اليهودية في اسفل الجانب الشرقي حتى وقت متأخر من المساء. "كل سيارة كان تنفخ الزامور، وكل زامور عمل في تلك الليلة" ويتذكر وايزمان انهم وصلوا الى عمدة المدينة فى حوالى الساعة 11:30 متعبين، جائعين، عطشى، ودائخين تماما."
غاب فريق زعماء المنظمة الصهيونية في أمريكا عن معظم احتفالات الترحيب اللاحقة، وحتى أن ويس برانديز الرئيس الفخري لمحكمة العدل العليا لم يقم بشكليات التحية الرسمية أو التهنئة. وكان برانديز قد سافر مع وايزمان إلى فلسطين في عام 1919، وفي العام التالي كان قد ذهب إلى لندن لإنجاح الاتفاق الصهيوني. ولكن بعد فترة وجيزة نشأت عداوة يبنهما. وظهرت بينهما خلافات حول السياسة؛ وكان رأي برانديس أن تركز المنظمات الصهيونية على ارسال اموال الى المستوطنين اليهود في فلسطين وليس على تهييج سياسي. وكان هناك سبب آخر جزئي، وهو الصراع القديم على السلطة؛ حيث أراد برانديس تثبيت مدراء ذوي كفاءات عالية ومن ثم الاستيلاء على السلطة من وايزمان وأتباعه الأكثر حماساً وهم من أوروبا الشرقية. ولكن قبل كل شيء، كانا مختلفين في الشخصية. فوايزمان ولد في روسيا وهاجر الى انكلترا، وتقاسم مع أينشتاين الشعور بازدراء لليهود الذين وجدوا أن من الصعب جدا عليهم تقبلها. أما برانديز فقد ولد في لويزفيل-ولاية كنتاكي، وتخرج من كلية الحقوق بجامعة هارفارد، كما اشتهر كمحام بارز في بوسطن، وكان تعيينه من قبل الرئيس ويلسون ليكون أول قاض يهودي في المحكمة العليا. وكان فريق برانديز ينظرون نظرة دنيا لليهود غير الأنقياء وغير المستوعبين من روسيا وأوروبا الشرقية. حيث قال في رسالة الى شقيقه في عام 1921، كشفت عن خلافات ثقافية وشخصية بينه وبين وايزمن.
فكان الصدام داخل الحركة الصهيونية أمر لا مفر منه. وهي الناتجة عن الاختلافات في معايير اليهود الشرقيين، فهنا الكثير من اليهود الروس في هذا البلد لانعرفون الصدق، ونحن ببساطة لن نعهد أموالنا لهم. نعرف أن وايزمان يعرف الصدق، لكنه ضعيف أمام مساعديه الروس الكثيرين. وبالتالي حصل الانقسام.
كان برانديز في البداية سعيداً لقدوم آينشتاين إلى أميركا، حتى ولو كان برفقة وايزمن. وكتب براندير لحماته قائلاً "اينشتاين العظيم قادم إلى أميركا قريبا مع الدكتور وايزمان رئيسنا الصهيوني".
فلسطين قد تحتاج إلى شيء أكثر من مجرد مفهوم جديد للكون أو لأبعاد إضافية عديدة، ولكن يجدر بنا أن نذكر غير اليهود في العالم، حيث موجة معاداة السامية في تزايد، إلا أنه في عالم الفكر والمساهمات فمن الواضح أن اليهود أنفسهم يساهمون في خلق هذا العداء.
لكن اثنين من المقربين لبرانديز كشفا تخوفه وشكوكه. إذ أن مساعده فيليكس فرانكفورتر، والذي أصبح أستاذا في كلية الحقوق بجامعة هارفارد، وكذلك القاضي جوليان ماك، قالا إن برانديز أراد أن يكون رئيسا للمنظمة الصهيونية في اميركا، وحسب رأيه فمن الافضل لو كانت زيارة اينشتاين في المقام الأول لإلقاء محاضرة في الفيزياء، بدلا من فكرة جمع أموال لفلسطين.
فأرسل فرانكفورتر ماك برقيات إلى وايزمان حثه فيها للتأكد من أن اينشتاين قد جدول بعض المحاضرات في الفيزياء خلال رحلته. لكنهم سرعان ما غيروا رأيهم عندما علموا بأن اينشتاين حاول كسب رسوم كبيرة من مختلف الجامعات لمثل هذه المحاضرات، على الرغم من انه كان يتحدث عن الصهيونية مجانا. وهذا ما جعل الأمر أكثر سوءاً. حتى أنه أرسل برقية أخرى، للتحذير من خطر ان اينشتاين سينظر اليها على انها محاولة "لتسويق" علمه وهذا من شأنه أن يضر بصورته وبالتالي بصورة اليهود، وهذا ما خشيه فرانكفورتر وماك، وحسب رأيهما أن عليه أن يقوم بمحاضرات مجانية في الفيرياء. كما بعث ببرقية لوايزمان مفادها " وضع آينشتاين في غاية الصعوبة، والمناسب أن تشرح لنا مفاوضاته بالضبط، ونحن بانتظار برقيتكم التي وعدتم بإرسالها لنا، وإفادتنا ما اذا كان يتقبل منك اقتراحاتك لتقديم محاضرات مجانية في جامعتين." وفي برقية لاحقة وذهبوا إلى أبعد من ذلك حيث رأوا إلغاء جولات آينشتاين، وفي برقية أخرى أوضحوا أنه لن يكون هناك أي محاضرة في الجامعة حيث أن فرانكفورتر استاذ مؤثر بها "جامعة هارفارد ترفض تماما محاضرة آينشتاين،" وأضافت البرقية. انه سيكون موضع ترحيب للحضور في زيارة رسمية بدون محاضرة أو طلب أي رسوم. وعندما اكتشف اينشتاين أمر البرقيات اهتاج غاضبا. ولكن ماك دافع عن نفسه، وقال إن فرانكفورتر وبرانديز، في رسالتهما الى أينشتاين، أصروا على أن دافعهم الوحيد هو "لحمايتك ضد التهجمات الظالمة ولحماية المنظمة نتيجة لتلك التهجمات غير المنصفة".
برانديز ورفاقه في المنظمة الصهيونية في اميركا زادوا الأمور سوءا، خلال زيارة آينشتاين، وذلك عندما تجاوبوا بقوة على إثر الاشتباك الدموي بين المتظاهرين العرب واليهود في يافا، برغبتهم بتعزيز ضمانات "كافية" وإرسال رجال لحماية أمن اليهود هناك قبل جمع المال للجامعة العبرية. وصرح آينشتاين لمقربين منه بأن هذا الموقف جعلته يشتبه في أن حشد برانديس يريد تخريب مهمته. في الوقت الذي اقترح فيه صديق برانديز ومؤيده الحاخام يهودا ماغنيس اقترح استضافة اجتماع للمثقفين في مانهاتن للحديث عن الجامعة، فرد آينشتاين بأنه لن يأتي الا اذا جعل ماغنيس هذا الحدث مناسبة لجمع التبرعات. فأجاب ماغنيس في رسالة مقتضبة "لم يأخذ في الاعتبار موضوع جمع الأموال في الجلسة، وفي ظل هذه الظروف، قد يكون من الأفضل أن تتخلى عن الاجتماع."
لم تأت مقاومة بعثة أينشتاين فقط من معسكر برانديز الصهاينة الأميركان والذين يتمسكون بالحذر وضبط النفس، ولكن أيضا جماعة الإصلاح اليهود الناجحين في نيويورك الذين هم من أصل ألماني وكثير منهم كانوا يعارضون الصهيونية. وعندما دعا أينشتاين 50 أو نحو ذلك في نيويورك أبرز زعماء اليهود في لقاء خاص في غرفته في الفندق، رفض كثير منهم حضور الاجتماع، وكتب بول واربورغ، الذي شغل منصب وكيل أعماله الذي تولى جمع رسوم المحاضرة، كتب يقول: حضوري سيكون دون فائدة، بل على العكس من ذلك، وأخشى على كل حال أن يكون تأثيره ليس لتهدئة الأمور. كما سبق وقلت لكم في مناسبة أخرى، وأنا شخصيا لدي شكوك أكبر بشأن خطط الصهيونية واستباق نتائجها التي قد تسبب ذعراً حقيقياً.
والرفض الآخر جاء من آرثر سولزبرجر من صحيفة نيويورك تايمز، والسياسي الممول برنارد باروخ ؛ والمحامي إيرفينغ ليمان، وأول يهودي يعمل سكرتير شئون مجلس الوزراء، وأوسكار شتراوس، ونصير القضايا الانسانية دانيال جوجنهايم، وعضو الكونغرس السابق جيفرسون ليفي.
من ناحية أخرى، علاقة آينشتاين وايزمان كانت قد احتضنت بقوة من قبل اليهود غير المنظمين والأكثر حماسا، وهم الذين يفضلون العيش في بروكلين أو في اسفل الجانب الشرقي بدلا من التركيز على بارك افنيو. واحتشد أكثر من 20،000 منهم في وقت واحد، مما تسبب في "اعمال شغب وقعت بالقرب من ذلك المكان " وقالت الصحيفة، عندما "اقتحموا صفوف الشرطة". وبعد ثلاثة اسابيع من المحاضرات وحفلات الاستقبال في نيويورك، قام آينشتاين بزيارة الى واشنطن.لأسباب يقدرها أولئك الذين يعيشون في تلك المدينة،بعدها قرر مجلس الشيوخ مناقشة نظرية النسبية. وفي الجانب السكني من الكابيتول اقترح العضو يانوش القريب من نيويورك فكرة وضع شرح لنظريات اينشتاين في سجل الكونغرس. لكن ديفيد وولش من ولاية ماساتشوستس وقف معارضاً.ثم أضاف هل فهم كندريد النظرية؟ فأجاب "لقد كنت منشغلا بهذه النظرية لمدة ثلاثة أسابيع، وأننا بدأنا نرى بعض الضوء." ولكن ما أهمية وعلاقة النظرية بأعمال الكونغرس؟ وقال "قد تدخل على التشريع في المستقبل في مجال العلاقات العامة مع الكون".
وحين ذهب آينشتاين مع مجموعة لزيارة البيت الأبيض جعل من المحتم أن يواجه الرئيس وارن هاردينغ بالسؤال إن كان فهم النظرية النسبية. وكان الجميع يقفون امام الكاميرات لأخذ صور تذكارية، ابتسم الرئيس واعترف بأنه لم يفهمها. ونشرت صحيفة واشنطن بوست رسما كاريكاتوريا يظهره في حيرة أكثر من ورقة تحمل عنوان "نظرية النسبية"، في حين أن اينشتاين كان غير قادر على فهم "نظرية الحياة العادية أو الطبيعية"، والتي حملت اسم هاردينغ لفلسفة الحكم في بلده. ونشرت صحيفة نيويورك تايمز بالبنط العريض على صفحتها الاولى : " فكرة آينشتاين تحيّر هاردينغ، باعترافه".
خلال زيارة واشنطن، حاول والتر ليبمان الصحافي المعروف والقوي أن يتم اجتماع سلمي بين وايزمان وبرانديس. لكن محاولات المفاوضات بين معسكري الزعيمين الصهيونين انهارت على خلفية مجموعة متنوعة من القضايا، فلم تحدث تلك القمة. ومع ذلك كان آينشتاين زار برانديز، على الرغم من أن وايزمان حثه على عدم زيارته، كانت زيارة جيدة. قال أينشتاين لصديقه أنه خرج برأي مختلف كلياً عن برانديز، عما قدمه وايزمن له عنه، وأعرب برانديز أيضا عن سروره.، وكتب لزوجته في اليوم التالي "السيد إينشتاين والسيدة زوجته أناس بسطاء محببون " ثم أضاف قائلاً لزوجته. "لقد ثبت أن من المستحيل تجنب فكرة كسر الجمود وضرورة إجراء بعض المناقشة، 'على الرغم من عدم اتفاقهما على ذلك. وهما يتخصصان في الجامعة." ويوم واحد من التقارب الشخصي بين الزعيمين لم يؤد إلى رأب الصدع بين مخيم وايزمان - آينشتاين ومخيم برانديز- فرانكفورتر، فاستمرت العلاقة في التدهور خلال الزيارة.
وذهب أينشتاين بعد ذلك إلى جامعة برينستون، حيث ألقى سلسلة من المحاضرات العلمية لمدة اسبوع وحصل على درجة الدكتوراه الفخرية "لإبحاره الفكري عبر البحار الغريبة " ومع ذلك لم يحصل على مبلغ ال 15،000 دولار التي كان قد طلبها أصلا، لكنه حصل على مبلغ أكثر تواضعا من ذلك، بالاضافة الى التوصل الى اتفاق من شأنه أن تقوم جامعة برينستون بنشر محاضراته في كتاب ومنحه 15 في المئة من حق الملكية، وكانت محاضرات آينشتاين محاضرات قيمة للغاية. إذ أنها شملت على أكثر من 125 من الممعادلات المركبة التي كتبها على السبورة بينما كان يتحدث باللغة الألمانية. وصرح طالب لاحد الصحفيين قائلاً "كنت جالسا في الشرفة، لكنه قال كلاماً صحيحاً فوق رأسي على أي حال."
وتبين أن آينشتاين أحب جامعة برينستون وقال عنها "شابة ومنعشة"، وقال عنها أيضاً. "إنها غليون غير مدخَّن.حتى الآن" من رجل كان يداعب غلايينه، وكان هذا مدحاً. ولن تكون مفاجأة، وبعد أكثر من عشر سنوات سيقرر الانتقال للعيش هناك بصورة دائمة.
أما في جامعة هارفارد، حيث ذهب آينشتاين بعد ذلك، لم يلاق ترحيبا كبيرا جدا. وبرشاقة قام آينشتاين بجولة في الحرم الجامعي، ومر في طريقه على المختبرات وأبدى بعض التعليقات على عمل الطلاب، على الرغم من انه لم يكن قد دعي صراحة لإلقاء محاضرة رسمية هناك. وبالنسبة لبقية زيارته للولايات المتحدة، قال انه وفرانكفورتر تبادلا الرسائل والتي حاول فيها الأستاذ في جامعة هارفارد ابعاد اللوم للازدراء.وقال فرانكفورتر في إحدى رسائله إلى آينشتاين "اتهمني بعض الناس بأنني أريد منع ظهورك في جامعة هارفارد، وهذا الاتهام غير صحيح على الاطلاق" ومع ذلك، عرف آينشتاين من البرقيات التي أرسلها له فرانكفورتر وكذلك ماك المتعلقة بمعارضة أينشتاين في طلب رسوم المحاضرة. فأجاب آينشتاين غير مقتنع بما نفاه فرانكفورتر عن نفسه "والآن يبدو أن من الصعب أن أصدق انك كنت تصرفت بالطريقة التي قمت بنوايا جيدة وصادقة"، واضاف قائلاً أن مثل فرانكفورتر هو لكمة في وجه اليهود المتلهفين لتفادي توتر المشاعر الصافية من غير اليهود. وقال "إنه ليس هناك خطورة حتى لو ان كل الجامعات حجبت الدعوات"، ثم أضاف قائلاً، "ومن المؤكد وعلى الرغم من أنني أعلم أنها نقطة ضعف لدى اليهود دائما وهو حرصهم على مراعاة مشاعر غير اليهود جنتايلز-= قوجيم."
وإحدى المواقف الأخيرة من جولة آينشتاين وايزمن الكبيرة الأهمية فقد كان في كليفلاند، حيث احتشد عدة آلاف في محطة قطار للقاء الوفد الزائر، ومشوا بموكب مهيب شمل 200 سيارة وكلها كانت تزمر ويرفع المحتفلون الرايات والأعلام على السيارات، وركب الزائران آينشتاين ووايزمان سيارة مكشوفة، وأمامها فرقة مشاة الحرس الوطني الموسيقية وكوادر من قدامى المحاربين اليهود وهم يرتدون الأزياء العسكرية، وكان المعجبون على طول الطريق يحاولون الوصول إلى سيارة آينشتاين، ويجرون بمحاذاتها، والبوليس ظل يحاول إبعادهم عن سيارة الموكب.
كانت المنظمة الصهيونية الأمريكية على وشك لقاء في كليفلاند لمؤتمرهم السنوي، ويهود "وسط المدينة" المؤيدة لوايزمن كانوا مستعدين لمواجهة اليهود المؤيدين ل (برانديز)، فانقلب المؤتمر إلى صخب، وبخطب مريرة تضمنت إدانة مخيم برانديز، وغيرها من الأخطاء، بسبب عدم إبداء الحماس الضروري لأينشتاين، أما الموالين لوايزمان مدعومين بوجوده فكانوا قادرين على منع التصويت على الثقة بتأييد قيادة برانديز ورجله الذي يساعده وهو جوليان ماك، لكن ماك استقال على الفور من منصبه كرئيس، واستقال برانديز من منصب الرئيس الفخري، وآخرون في مخيم برانديز تبعوهم بما في ذلك فيليسك فرانكفورتر، وستيفن س. وايز استقال هو الآخر من اللجنة التنفيذية، واستمر هذا الشرخ العميق في صهاينة أمريكا، وكاد يعصف بالحركة كلها خلال عقد من الزمان تقريباً.
وخلال هذا المؤتمر لم يكن آينشتاين موجوداً، حيث ركب السفينة مرة أخرى عائداً إلى أوربا، وبشعور محير ومسلْ بعض الشيء، بسبب ما شاهده في أمريكا، وكتب لزميله ميشال بيسو قائلاً: "وجدت أن هناك حماساً في أمريكا أكثر من أي بلد آخر زرته حتى في وجودي" كان عليّ أن أظهر نفسي مثل ثور الجائزة، وكانت معجزة أنني تحملت ذلك، ولكن الآن انتهى كل شيء، وما تبقى هو الشعور الجيد الذي أحسه لأننا عملنا شيئاً جيداً وقمنا بإنجازات لصالح اليهود برغم كل الاحتجاجات من يهود وغير يهود، ومعظم رجال عشيرتنا كانوا أكثر ذكاء من كونهم أكثر شجاعة..
إن المعارضة التي واجهها آينشتاين لم تؤد إلا إلى تعميق دعمه للقضية الصهيونية. وكتب إلى بول إيهرنفست Ehrenfest بعد رحلته قائلاً "الصهيونية تقدم حقاً المثالية اليهودية الجديدة التي يمكن أن تقدم للشعب اليهودي الفرح بوجودها هي نفسها مرة أخرى" ، وقال انه كان جزءا من الاتجاه الذي كان هدفه إعادة تشكيل الهوية اليهودية، سواء عن طريق الاختيار أوحتى بفرضها في أوروبا. وقال لصحفي قبل أن يغادر أمريكا "حتى أنه قبل جيل واحد فإن اليهود في ألمانيا لم يكونوا يعتبرون أنفسهم أعضاء من الشعب اليهودي "واضاف "إنهم يعتبرون أنفسهم أعضاء في طائفة دينية." ولكن معاداة السامية غيرت ذلك، وكان هناك جانب مشرق في تلك السحابة، كما أعلن. "إن الهوس المهين من محاولة التكيف والمطابقة واستيعابهما، والذي يحدث بين العديد من زملائي من المكانة الاجتماعية، فقد كانت على الدوام مثيراً للاشمئزاز بالنسبة لي".
إن جولة آينشاين والتي كان الهدف منها جمع الأموال لم تحقق سوى نجاح متواضع. على الرغم من أن أفقر اليهود والمهاجرين الجدد انطلقوا خارجين لرؤيته وتبرعوا بحماس، وإن عدداً قليلاً من اليهود البارزين والقدماء ويملكون ثروات شخصية كبيرة أصبحوا جزءا من المتحمسين. وتم جمع مبلغ 750،000 دولار فقط لأجل إنشاء الجامعة العبرية، وكان هذا المبلغ أقل بكثير من ال 4 ملايين دولار التي كان وايزمن وآينشتاين يأملان بجمعها، لكن ذلك كان بداية جيدةً بما فيه الكفاية. "ويبدو أن الجامعة أصبحت مضمونة ماليا " كما كتب أينشتاين إلى آيريمفيسن Ehrenfest.
وبعد مرور أربع سنوات افتتحت الجامعة أبوابها بالفعل، على قمة جبل المكبر المطل على مدينة القدس،. وفي تطور مثير للسخرية، فإن بعض الممولين من نيويورك والذين رفضوا فكرة آينشتاين إنشاء جامعة في البداية انتهوا إلى دعم ذلك المشروع، وأصروا على تثبيت الحاخام يهودا ماغنيس كمستشار للجامعة، وهو الشخص الذي كان قد اصطدم مع اينشتاين عام 1921، وهو نفسه الذي ألغى حفل استقبال لاينشتاين عندما أصر آينشتاين على تحويله حملة لجمع التبرعات. فاستاء آينشتاين تعيين ماغنيس حتى أنه قدم استقالته من المجلس احتجاجا على ذلك. وفي نهاية المطاف مع ذلك فإن آينشاين ترك أوراقه والكثير وممتلكاته إلى الجامعة.
وتبع ذلك حادثة مضحكة أخرى عام 1946، فبعد أن كان إينشتاين قد هاجر إلى أميركا، إصبح ثانية عاملاً على جمع الأموال لجامعة يهودية أخرى. وأطلق على الجمعية في البداية "مؤسسة ألبرت أينشتاين للتعليم العالي"، وتملكت الحرم الجامعي لجامعة كانت على حافة الإغلاق بالقرب من مدينة بوسطن. ولكن اختلف آينشتاين ثانية مع بعض الجهات المانحة وخياراتها حول من سيدير الجامعة. وعندما سئل ما إذا كان يمكن تسمية الجامعة باسمه من بعده رفض آينشتاين ذلك، ولهذا قرر المؤسسون اللجوء إلى الخيار الثاني وهو تسمية الجامعة الجديدة باسم براندير، والذي كان قد توفي قبل خمس سنوات..

بقلم: وولتر آيزاكسون/ ترجمة: نازك ضمرة

* نازك ضمرة: عضو رابطة الكتاب الأردنيين وعضو اتحاد الأدباء العرب، قاص وروائي ومترجم عن الإنجليزية؛ اضطرته الظروف للانتقال للعيش مع أسرته في الولايات المتحدة الأمريكية.

* وولتر آيزاكسون - الرئيس والمدير التنفيذي لمعهد آسبن ومؤلف كتاب: "آينشتاين: حياته والعالم" الصادر سنة 2007.

المقال نشر في مجلة ذي أتلانتيك الأمريكية الشهرية عدد شهر سبتمبر /اكتوبر عام 2009.

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 23/12/2009

مرحلة القطبية الأحادية وعصر أوباما - نعوم تشومسكي


ترجمة: جنان جمعاوي/ عندما نُطرق التفكير في الشؤون الدولية، من المفيد أن نتذكّر دوماً مبادئ أساسية عامة ذات دلالات مهمة. المبدأ الأول هو شعار المؤرخ الإغريقي، ثوكوديدس، القائل بأن «الأقوياء يفعلون ما يتمنون، والضعفاء يعانون كما يجب عليهم». لهذا الشعار متلازمة مهمة: كل دولة قوية تعتمد على خبراء لصناعة التبريرات، مهمتهم إثبات أن ما يقوم به القوي نبيل وعادل، وإذا ما عانى الضعيف فهذا خطؤه.
في الغرب الراهن، يسمى هؤلاء الخبراء «مثقفين». وفي ما عدا بعض الاستثناءات الهامشية، هم يقومون بالمهمة التي كلّفوا بها بكفاءة واستقامة، مهما كانت الادعاءات غريبة. ذلك إجراء يعود تاريخه إلى جذور التاريخ المسجّل.

المبدأ الثاني، عبّر عنه أدام سميث.

وكانت يتكلم عن بريطانيا، القوة الأعظم في زمانها، ومشاهداته قابلة للتعميم. قال سميث ان «المهندسين الأساسيين» للسياسة في بريطانيا هم «تجار وصناعيون»، وهم يعملون على أن تراعي السياسة مصالحهم الخاصة، مهما كانت تأثيراتها «مؤلمة» على الآخرين، بما في ذلك الشعب البريطاني، وإن كانت التبعات تكون «أكثر إيلاماً» على أولئك الذين يعانون «الظلم الوحشي على أيدي الأوروبيين» في أي مكان آخر.
كان سميث إحدى الشخصيات النادرة التي حادت عن النمط الطبيعي في وصف بريطانيا على أنها قوة انغليكانية، فريدة من نوعها عبر التاريخ، كرّست نفسها لأجل خير البرابرة. من بين من كتبوا كذلك جون ستوارت «ميل»، أحد أكثر المثقفين الغربيين ذكاء ووقاراً. في بحثه الكلاسيكي، شرح ميل كيف كان يتعين على بريطانيا أن تنهي غزوها للهند من أجل أكثر الأهداف الإنسانية صفاء. لقد كتب ذلك، في الوقت الذي ارتكبت فيه بريطانيا أبشع فظاعاتها في الهند، عندما كان الهدف الحقيقي للغزو الموسّع هو تمكين بريطانيا من احتكار الأفيون، وتأسيس أكثر شبكات تهريب المخدرات استثنائية، بقصد إجبار الصين، عبر العسكر والسم، على القبول بالصناعيين البريطانيين، الذين أبت الصين قبولهم.
خطاب ميل كان من المعيار الثقافي، في حين أن مبدأ سميث كان من المعيار التاريخي.

شراء الانتخابات

حالياً، منهدسو السياسة الأساسيون ليسوا «تجاراً وصناعيين»، وإنما مؤسسات مالية وشركات متعددة الجنسيات. النسخة الأكثر تعقيداً لمبدأ سميث حالياً هي «نظرية استثمار السياسات»، التي طوّرها الاقتصادي السياسي توماس فرغوسون، الذي ينظر إلى الانتخابات على أنها مناسبات تجتمع خلالها مجموعات المستثمرين من أجل إدارة البلاد، عبر شراء الانتخابات، بالدرجة الأولى. كان ذلك استشرافاً سياسياً بالغ الجودة، كما ثبت لاحقاً.
بالنسبة لانتخابات 2008، كان علينا أن نتوقع أن مصالح الشركات المالية كانت ميالة إلى إدارة أوباما؛ لقد كانت تضم مموليه الأساسيين، الذين فضّلوه على ماكين. وهذا ما حدث. والآن، تهلل مجلة «بيزنيس ويك» الأسبوعية بأن شركات التأمين كسبت معركة الرعاية الصحية، وأن المؤسسات المالية التي كانت وراء اندلاع الأزمة الحالية خرجت من دون أي أذى، لا بل أقوى، بعد عملية إنقاذ عامة هائلة، مؤسسةً بذلك لأزمة مقبلة، بحسب ما قال صحافيو المجلة، مضيفين أن شركات أخرى تعلّمت دروساً قيّمة من هذه الانتصارات، وهي الآن تنظّم حملات كبرى لتقويض أي جهد لاتخاذ إجراءات، حتى تلك المعتدلة، بشأن الطاقة، مع علمها الكامل بأن النجاح سيحرم الأحفاد من أي أمل بحياة لائقة. ذلك لا يعني بالطبع أنهم أشخاص سيئون أو جاهلون. لكن قراراتهم ملحة مؤسساتياً.
الانتخابات في الولايات المتحدة شيء غريب لدرجة أنها تُدار، على نحو واسع، من قبل صناعة العلاقات العامة، التي تطورت قبل نحو قرن في أكثر دول العالم حريةً: الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث كسبت الكفاحات الشعبية ما يكفي من الحرية بحيث لم يعد من السهل إدارة الشعب بالقوة.
ومع ذلك، يقرّ مهندسو السياسة بأنه من الضروري السيطرة على السلوكات والآراء. والسيطرة على الانتخابات ليست سوى عنصر من هذه المَهمة. الولايات المتحدة ليست «ديموقراطية موجّهة» كإيران، حيث يتعين أن يحصل المرشحون على مصادقة رجال الدين. ففي المجتمعات الحرة كالولايات المتحدة، رأس المال المكدس هو ما يصادق على تسمية المرشحين.
وبالنسبة لأولئك الذين يتجاوزون الغربلة، النتيجة يحددها، في غالبية الأحيان، الإنفاق خلال الحملة. المدراء السياسيون يعلمون جيداً أنه في ما يتعلّق بالمسائل الحياتية، غالباً ما يعارض الشعب بحدة ما يقوله مهندسو السياسة. ووفقاً لذلك، تتجنب الحملات الانتخابية المس بالمسائل لصالح الشعارات، تزدهر عندئذ الخطابات الرنانة، وكاريزما الشخصيات والشائعات. كل سنة، تمنح صناعة الإعلان جائزة لأفضل حملة ترويجية. في 2008، فاز بها أوباما، الذي أطاح بشركة «ابل» للكمبيوتر. التنفيذيون انتشوا. تبجحوا على العلن بأن ذلك كان أعظم نجاح بالنسبة إليهم، منذ أن شرعوا بالترويج للمرشحين كما يفعلون مع معجون الأسنان أو العقاقير، وفق تقنية انطلقت خلال المرحلة النيوليبرالية، مع ريغان بدايةً.


تقويض الديمقراطية

من الوجهة الاقتصادية، يتعلّم المرء أن الأسواق تعتمد على مستهلكين مدركين يقومون بخيارات عقلانية. لكن مَن يشاهد الإعلانات التلفزيونية يعلم أن الأعمال تكرّس موارد هائلة لخلق مستهلكين غير مدركين يقومون بخيارات غير عقلانية. والأساليب نفسها المستخدمة لتقويض الأسواق تستخدم لتقويض الديموقراطية، لخلق قوة ناخبة غير مدركة ستتخذ خيارات غير عقلانية من بين طائفة من الخيارات التي تتلاءم مع مصالح كلا الحزبين، اللذين ينظر إليهما على أنهما فصائل متنافسة لحزب أعمال واحد. في كلا العالمين، الأعمال والسياسة، لطالما كان مهندسو السياسة معادين للأسواق والديموقراطية، في ما عدا تلك التي تؤمن منفعة موقتة. بالطبع، الخطاب مختلف، لكن الوقائع واضحة بجلاء.
لمبدأ آدم سميث بعض الاستثناءات... البناءة. إحدى هذه الاستثناءات الراهنة هي السياسات التي تنتهجها واشنطن حيال كوبا، منذ ان نالت استقلالها قبل 50 عاماً. الولايات المتحدة مجتمع حر بشكل غير تقليدي، لهذا نملك قدرة جيدة على النفاذ إلى وثائق داخلية تكشف عن آلية التفكير والخطط التي وضعها مهندسو السياسات.
في غضون أشهر بعد الاستقلال، وضعت إدارة أيزنهاور خططاً سرية للإطاحة بالنظام، وأطللقت برامج لعمليات إرهابية فضلاً عن الحرب الاقتصادية، بلغت تصعيداً حاداً في عهد كينيدي، استمرت بأشكال مختلفة حتى يومنا هذا. في البداية، كان الهدف معاقبة شعب كوبا بما يكفي لحملهم على الإطاحة بالنظام المجرم. جرمه كان «تحدي» السياسات الأميركية «بنجاح» منذ الأعوام 1820، عندما أعلنت عقيدة مونرو نية الولايات المتحدة السيطرة على نصف الكرة الغربي، رافضة أي تدخل من الخارج أو من الداخل. وفيما كانت سياسات الحزبَين حيال كوبا تتوافق مع مبدأ توكوديدس، كانت تتضارب مع مبدأ ادم سميث. على مدى عقود، أيد الشعب الأميركي فكرة تطبيع العلاقات مع كوبا. تجاهل إرادة الشعب كان طبيعياً، لكن المثير للاهتمام في هذه الحالة هي أن قطاعات أعمال نافذة كانت مؤيدة لهذا التطبيع: قطاع الزراعة، والطاقة وشركات الأدوية وغيرها من القطاعات التي شاركت في وضع الأسس السياسية.

مبدأ المافيا

مصالحهم في هذه الحالة ألغيت بموجب مبدأ العلاقات الدولية، في ما قد نسميه «مبدأ المافيا». الغرب لا يسمح بـ«التحدي الناجح»، حتى من قبل حامل أسهم صغير يفشل في دفع مال الحماية. وهذا خطير جداً. ولهذا، يتعيّن قطعه، وبوحشية، كي يفهم الآخرون أن العصيان ليس خياراً. تحدي السيد قد يكون «فيروساً» قد «يتفشى»، والكلمات هذه لكيسينجر، عندما كان يستعد للإطاحة بحكومة الليندي، لتصبح بذلك هذه الكلمات عقيدة السياسة الخارجية الأميركية خلال مرحلة هيمنتها العالمية، وطبعاً كان لها أسلاف عديدة. سياسة الولايات المتحدة حيال إيران منذ العام 1979 ما هي إلا نموذج ثانٍ.
لقد تطب أمر إدراك أهداف عقيدة مونرو وقتاً، وهي لا تزال تواجه العديد من العوائق، لكن هدفها ثابت وبلا منازع، حتى أنها اتخذت بعداً أبلغ عندما أصبحت الولايات المتحدة قوة عظمى بعد الحرب العالمية الثانية، مطيحة بمنافسها البريطاني. وبالطبع مُنحت تفسيراً «مشرقاً». فعندما كانت الولايات المتحدة تستعد للإطاحة بحكومة الليندي، أشار مجلس الأمن القومي إلى أنه إذا لم تتمكن واشنطن من السيطرة على أميركا اللاتينية، فلن تتمكن من «إنجاز نظام ناجح في مكان آخر من العالم»: أي فرض سلطانها بفاعلية على العالم.
«مصداقية» واشنطن لا يمكن تقويضها، كما قال هنري كيسنجر. الآخرون قد يتحولون إلى مصدر «تحد ناجح»، إذا لم تتم مكافحة «الفيروس» التشيلي، قبل أن «تتفشى عدواه». ولهذا يتعين التخلص من الديموقراطية في تشيلي، كما حصل في أول حدث على طراز 11 أيلول. كان ذلك في العام 1973، الذي تم محوه من التاريخ في الغرب، رغم أن تبعاته في تشيلي وأبعد، تضاهي، وبشكل بالغ، جرائم 11 أيلول 2001 الفظيعة.
وفي حين أن هذه المبادئ الثلاثة (ثوكوديدس وسميث والمافيا) لا تنطبق على كل قرار يتعلق بالسياسة الخارجية، ولكنها حاضرة في طائفة واسعة من القرارات، تماماً كالدور الذي يقوم به المثقفون. ليسوا نهاية الحكمة ولكنهم بداية جيدة.
بهذا القدر من الخلفية، فحسب، دعونا نتكلم عن «المرحلة أحادية القطب»، التي كانت موضوع صفقة عظيمة أعقبت نقاشاً محتدماً بين الأكاديميين والشعب، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي قبل 20 عاماً، جاعلة من الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة.
بإمكاننا أن نتعلم الكثير عن طبيعة الحرب الباردة، وعن الأحداث المتعاقبة مذ ذاك، عبر التدقيق في كيفية تصرّف واشنطن حيال اختفاء عدوها العالمي، الذي وصفه جون كينيدي بأنه «مؤامرة قاسية متحجرة».
أسابيع بعد سقوط جدار برلين، اجتاحت الولايات المتحدة بنما، بهدف خطف سفاح ثانوي جُلب إلى فلوريدا وحوكم لجرائم ارتكب غالبيتها عندما كان يقبض المال من «سي.أي.آيه». لقد تحوّل من صديق قيّم إلى شيطان شرير، لمحاولته إظهار بعض «التحدي الناجح»، رافضاً دعم حروب ريغان الإرهابية ضد نيكاراغوا. الاجتياح قتل آلاف المساكين في بنما، بحسب المصادر البنمية، وأعاد تنصيب المصرفيين وتجار المخدرات الموالين للولايات المتحدة. بالكاد، تم ذكر ذلك في التاريخ، ولكنه كسر القيود، بطريقة أو بأخرى، كأن ظهرت الحاجة إلى ذريعة جديدة، سرعان ما ابتُكرت: تهديد تجار المخدرات اللاتينيين الساعين إلى تدمير الولايات المتحدة. وأعلن ريتشارد نيكسون «الحرب على المخدرات»، التي اتخذت دوراً جديداً مهماً خلال مرحلة القطبية الأحادية.
الحاجة إلى حجة جديدة قادت أيضاً إلى رد فعل رسمي في واشنطن حيال انهيار العدو القوي. في غضون أشهر، حددت إدارة بوش الأب سياستها الجديدة: باختصار، سيبقى كل شيء تقريباً على حاله، لكن مع خبراء جدد. لا نزال بحاجة لنظام عسكري هائل، لكن لسبب جديد: «التكنولوجيا المعقدة»، لدى قوى العالم الثالث. علينا أن نحافظ على «قاعدة الصناعة الدفاعية»، وعلينا الإبقاء على تدخل قواتنا في مناطق الشرق الأوسط الغنية بالنفط، حيث يكمن التهديد الكبير لمصالحنا في «تحوّلها (الدول النفطية) إلى أبواب الكرملين». بالكاد تم الحديث عن هذه السياسة.
كحجة للتدخل، كانت «الحرب على المخدرات» مفيدة، لكنها كانت تستهدف حيزا ضيقاً للغاية. إذاً، ثمة حاجة لحجة أشمل. انكبت النخب المثقفة على القيام بالمهمة. وأعلنوا «ثورة معيارية» تضمن للولايات المتحدة الحق في «تدخل إنساني» بحسب الرغبة، من أجل أنبل الأسباب. الضحايا التقليديون لم يُذهلوا، وأدانوا بشدة ما أسموه «الحق المزعوم بتدخل إنساني». فكان لا بد، عندئذ، من تنقية الحجة. وتم ابتكار «مسؤولية الحماية». إن مَن يدققون النظر في التاريخ لن يذهلوا حين يكتشفون أن القوى الغربية تمارس «مسؤولية الحماية» بطريقة انتقائية للغاية، تتماشى مع مبادئهم الثلاثة.

تعهدات سلمية بقبضة عسكرية

ومع اقتراب زمن الأحادية القطبية، كان لا بد من بحث مصير «الناتو»، الذي كان المبرر وراء إنشائه هو الحماية من اعتداء روسي. ومع زوال الاتحاد السوفياتي، انتفى المبرر. وبخلاف ما اعتقد أصحاب النفوس البسيطة، بأن الناتو سيختفي، تم توسيع الحلف وبسرعة. وبعد انهيار السوفيات، أقدم ميخائيل غورباتشيف على تنازل مفاجئ: لقد وافق على انضمام ألمانيا إلى حلف معادٍ تديره القوة العظمى، رغم ان ألمانيا، وحدها، كادت تدمر روسيا مرتين في خلال قرن. وتلقى غورباتشيف وعداً من إدارة بوش بعدم توسيع الحلف ليشمل ألمانيا الشرقية، وخصوصاً تجاه الشرق الأقصى. كما أكّدوا لغورباتشيف أن «الناتو سيحوّل نفسه إلى منظمة سياسية». كما اقترح غورباتشيف إقامة منطقة خالية من النووي، تمتد من القطب إلى البحر الأسود، وهي خطوة نحو «منطقة سلام»، بهدف إزالة أي تهديد لأوروبا. رفض هذا الاقتراح من دون الخوض فيه أصلاً.


بعدها بقليل تبوأ كلينتون الحكم. وتبخرت على الفور التزامات واشنطن. كلينتون وسّع الحلف شرقاً، وذهب بوش أبعد. وأوباما، كما هو واضح، ينوي مواصلة التوسع. عشية أول زيارة لأوباما إلى روسيا، قال مساعده لشؤون الأمن القومي وشؤون أوراسيا «لن نطمئِن أو نتاجر بأي شيء مع الروس، في ما يتعلّق بالتوسع في الناتو أو بشأن الدفاع الصاروخي»، في إشارة إلى الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية، وتوسع الحلف ليشمل أوكرانيا وجورجيا، وكلتاهما، بحسب المحللين الغربيين، تشكل تهديداً للأمن الروسي، وقد تشعلان توترات دولية.
قبل أيام، أعلنت إدارة أوباما تعديلاً على أنظمتها المضادة للصواريخ في أوروبا الشرقية، التي يروّج لها على انها دفاع ضد أي هجمة إيرانية. لكن ذلك لا يمكن أن يكون الدافع. فاحتمالات أن تشن إيران هجوماً صاروخياً، نوويا أو لا، كاحتمال أن يضرب كويكب الأرض، إلا إذا كان لدى رجال الدين رغبة بالموت، ويريدون رؤية إيران تُحرق على الفور على رأس من فيها. الغاية من أنظمة الاعتراض الأميركية، إذا ما نجحت، هي الحؤول دون أي رد فعل انتقامي ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل، إذا ما هوجمت إيران، المطلوب إزالة أي قوة ردع إيرانية.
بالعودة إلى موضوع الناتو، بات نطاقه أوسع من الحدود الروسية. ومستشار أوباما للأمن القومي جيمس جونز، يدعو إلى توسيعه جنوباً وشرقاً، لإحكام السيطرة الأميركية على دول النفط في الشرق الأوسط. كما يروّج الجنرال جونز لـ«منح الناتو قوة رد»، تمنحه «قدرة أكثر مرونة على التدخل سريعاً، وعلى مسافات أطول بكثير». وهو هدف تعمل الولايات المتحدة على إنجازه حالياً في أفغانستان.
الأمين العام للحلف ياب دي هوب شيفر أبلغ مؤتمراً للناتو أنه «يتعين على جنود الحلف أن يحموا الأنابيب التي تنقل النفط والغاز المتجهة إلى الغرب»، ولحماية الممرات البحرية التي تستخدمها ناقلات النفط وغيرها من «البنى التحتية الحيوية» في نظام الطاقة. هذه المهمة تشمل حماية خط أنابيب بكلفة 7.6 مليارات دولار يفترض أن ينقل الغاز الطبيعي من تركمنستان إلى باكستان والهند، عبر إقليم قندهار الأفغاني، حيث يتواجد الجنود الكنديون. والهدف منه هو «منع أي خط أنابيب منافس قد يحمل النفط من ايران إلى باكستان والهند»، و«تقليص الهيمنة الروسية على صادرات الطاقة من وسط آسيا»، كما ذكرت الصحافة الكندية، ما يجسّد «اللعبة العظيمة» الجديدة، حيث ستكون قوة التدخل تحت قيادة أميركية، اللاعب الأبرز.

«فيروس» النجاح المعادي

في هذه الحالة، المشكلة ليست في «فيروس» يتفشى بفعل «العدوى»، لكن في وباء قد يطيح بنظام الحكم العالمي. كان الهدف الجزئي من الناتو هو تطويق هذا التهديد الخطير. توسع الناتو الحالي وأهدافه الطموحة تحمل هذه الغايات إلى مدى أوسع.
وبهذا، تكاتفت الظروف نحو انبثاق مرحلة الأحادية القطبية، متقيدة بالمبادئ النمطية للشؤون الدولية. لنكون أكثر تحديداً، تتطابق السياسات بشدة مع عقائد النظام العالمي التي صاغها المخططون الأميركيون خلال الحرب العالمية الثانية. فمنذ العام 1939، أدركوا أنه مهما كانت نتيجة الحرب، فستصبح الولايات المتحدة قوة عظمى، بلا منافسة بريطانية. ووفقاً لذلك، طوّروا خططاً لفرض السيطرة على عينة من المعمورة. هذه «المنطقة الكبرى»، كما كانوا يسمّونها، كانت ستشمل على الأقل موارد الطاقة في غربي آسيا.
وفي هذه المنطقة الكبرى، ستمسك الولايات المتحدة زمام الأمور «بقوة لا جدل حولها» بفضل «تفوقها العسكري والاقتصادي»، وستتصرف بطريقة تضمن «الحد من أي ممارسة للسيادة» من قبل دول قد تتدخل في خططها العالمية. في البدء، ظن المخططون أن ألمانيا ستسود في اوروبا، لكن عندما بدأت روسيا تسحق القوات المسلحة الألمانية، باتت الرؤية أكثر شمولاً، وباتت المنطقة الكبرى ستشمل غالبية أوراسيا، او على الأقل أوروبا الغربية، قلب اقتصاد أوراسيا.
ثم وضعت الخطط المفصلة من أجل التمهيد للمنظمة العالمية، وتم تكليف كل منطقة بما سمي «وظيفتها». الجنوب عموماً منح دوراً خدماتياً: تأمين الموارد، والعمالة الرخيصة والأسواق وفرص الاستثمار وخدمات أخرى لاحقاً، كتصدير التلوث النفايات إليها. آنذاك، لم تكن الولايات المتحدة مهتمة بأفريقيا، لذا منحتها لأوروبا كي «تستغلها» في إعادة إعمار ما دمرته الحرب. في المقابل، كانت احتياطات النفط في الشرق الأوسط تعتبر «مصدراً هائلاً للقوة الاستراتيجية»، و«واحدة من اعظم الجوائز المادية في تاريخ العالم»، و«أكثر مناطق العالم أهمية من الناحية الاستراتيجية»، والكلمات لأيزنهاور. والسيطرة على نفط الشرق الأوسط سيؤمن للولايات المتحدة «سيطرة جوهرية على العالم».
وشرح مجلس الأمن القومي في عهد أيزنهاور أنه يتعين على الولايات المتحدة أن تدعم الأنظمة الوحشية وتمنع الديموقراطية والتطور، حتى ولو كان ذلك سيثير «حملة كراهية ضدنا»، كما قال أيزنهاور، منذ 50 عاماً قبل أن يسأل جورج بوش الابن «لماذا يكرهوننا؟»، وخلص إلى أن السبب هو كراهيتهم لحريتنا.
في ما يتعلق بأميركا اللاتينية، خلص مخططو الحرب العالمية الثانية إلى أن التهديد الأساسي للمصالح الأميركية يتمثل في «الأنظمة الراديكالية والقومية التي تستقطب الشعوب»، وتميل إلى تلبية «مطالبهم عبر تحسين فوري لنمط معيشتهم الرديء». وهذه الميول تتعارض مع مطلب «المناخ الاقتصادي والسياسي الملائم لاستثمارات خاصة»، ولـ»حماية المواد الخام».

عسكرة الحدود مع المكسيك

في حالة المكسيك، وجدت ورشة عمل في البنتاعون في 1990 أن العلاقات المكسيكية الأميركية «إيجابية على نحو مذهل»، لا تشوبها انتخابات مزورة وتعذيب وغيرها من التفاصيل الثانوية. لكن المشاركين في الورشة لحظوا سحابة في الأفق: تهديد «انفتاح ديموقراطي» في المكسيك، خافوا أن يجلب «إلى الحكم حكومة مهتمة في تحدي الولايات المتحدة لحماية أراضيها قومياً واقتصادياً». والحل كان بإبرام معاهدة «تقفل المكسيك»، لصالح الإصلاحات النيوليبرالية و«تقيد أيدي الحكومة الحالية والحكومات اللاحقة». باختصار فرضت معاهدة «النافتا» رغم أنف الشعب، في العام 1994، في العام الذي أسس فيه كلينتون عملية «غايت كيبر»، التي تمنح الحدود مع المكسيك طابعاً عسكرياً، من دون أن يفسر كيف تدبّر أمر مبدأ آدم سميث الذي ينص على «حرية حركة العمال» كأساس لحرية التجارة.
توقيت «غايت كيبر» حتما لم يكن صدفة. لقد جاء متلائماً مع تحليلات تقول إن فتح المكسيك أمام الصادرات الزراعية الأميركية سيقوض عاجلاً أم آجلاً الزراعة المكسيكية، وان الأعمال المكسيكية لن تتمكن من منافسة الشركات المدعومة حكومياً التي يتعين أن يسمح لها بالعمل بحرية في المكسيك بموجب المعاهدة. إحدى النتائج المرجحة هو تدفق العمال إلى الولايات المتحدة، ليضافوا إلى أولئك الهاربين من أميركا الوسطى، المروّعة بفعل إرهاب ريغان. و«عسكرة» الحدود لم تكن سوى العلاج.
مهما كانت الحقائق التاريخية والاقتصادية، فلطالما نظر العمال الفقراء إلى المهاجرين على أنهم ينافسونهم على أرزاقهم. هم، بهذا المعنى، ضحايا تحويل الاقتصاد إلى شأن مالي بحت، وضحايا برامج عولمة نيوليبرالية مصممة على تحويل الإنتاج إلى الخارج ووضع العمال في منافسة مع بعضهم البعض عالمياً، وبالتالي تخفيض الأجور والمنافع، في وقت تتم فيه حماية المثقفين من قوى السوق فضلاً عن إثراء اصحاب الأملاك والمدراء، وذلك هو شعار سميث مجدداً.
وكلتا الإدارتين تتنافس لمعرفة أيهما بإمكانها أن تدّعي التفاني من أجل تنفيذ العقيدة السادية التي تنص على ضرورة حرمان «الغرباء غير الشرعيين» من العناية الصحية، في موقف متناغم مع مبدأ أقرته المحكمة العليا تقول بان تلك الكائنات ليست «أشخاصاً» تحت القانون، بالتالي لا حقوق، لكنها في الوقت ذاته تبحث في ما إذا كان على الشركات أن تسمح بشراء الانتخابات علناً، بدلاً من القيام بذلك بطرائق ملتوية، لأن المحاكم حددت، أنه بخلاف المهاجرين غير المسجلين، تعتبر الشركات «أشخاصاً حقيقيين تحت القانون»، ولهذا فهي تتمتع بحقوق أكبر من تلك الممنوحة إلى كائنات من لحم ودم، بما في ذلك الحقوق المكرسة في «اتفاقيات حرية التجارة». هذه الصدف لا تحتاج لأي تعليق. فالقانون مسألة مهيبة ومقدسة!
إدارة بوش ذهبت إلى الأبعد في «عسكرتها العدائية»، و«احتقارها المتغطرس» حتى حيال الحلفاء. أدينت هذه الأفعال. وسقطت بعض أبرز الشخصيات الأكثر تطرفاً، مثل رامسفيلد وولفويتز ودوغلاس فايث وغيرهم. تشيني كان عصياً على السقوط لأنه «كان هو الإدارة». بعدها اعتدلت السياسة، في ولاية بوش الثانية. عندما جاء اوباما إلى الحكم، توقعت كوندليسا رايس أنه سيتبع سياسات بوش في ولايته الثانية، وهذا ما حصل، بصرف النظر عن الخطاب الذي يبدو أنه سحر العالم، ربما تعبيراً عن الفرحة لرحيل بوش.

الفارق بين بوش وأوباما

الفارق الأساسي بين بوش وأوباما حدده بوضوح مساعد كبير في إدارة كينيدي، في ذروة أزمة الصواريخ الكوبية. كان مخططو كينيدي في طور اتخاذ قرارات تهدد، فعلاً بريطانيا، من دون إبلاغها. ثم عرّف المساعد «العلاقة الممتازة» مع بريطانيا واصفاً هذا البلد بأنه «ضابط لدينا. والكلمة الألطف هي الشريك». وهكذا خاطب بوش العالم على انه «مجموعة ضباط يعملون لدينا». وعند الإعلان عن غزو العراق، أبلغوا الأمم المتحدة بأنها قد تتبع أوامر الولايات المتحدة أو انها ستواجه «التحييد». هذه الغطرسة أثارت العدائية. لهذا تبنى اوباما خطاباً مختلفاً. هو يحيي القادة والناس بوصفهم بـ«الشركاء»، وإن كان يناديهم في سرّه بـ«الضباط».
نظام العالم الحالي لا يزال أحادي القطب، في بعد واحد: القوة. الولايات المتحدة تنفق بقدر ما تنفق بقية دول العالم مجتمعة على قواتها المسلحة، وهي أكثر تطوراً لجهة تكنولوجيا التدمير التي تملكها. وهي وحدها من يملك مئات القواعد العسكرية حول العالم، وتحتل بلدين في أكثر المناطق الغنية بمصادر الطاقة، وحيث تقوم بتشييد سفارات أشبه بالمدينة داخل المدينة، في مؤشر واضح على نياتها المستقبلية. في بغداد، يتوقع أن ترتفع كلفة تشييد السفارة من 1.5 مليار دولار هذا العام، إلى 1.8 مليار دولار سنوياً في الأعوام المقبلة. تكاليف بناء سفاراتها في باكستان وأفغانستان ليست معروفة، تماماً مثل مصير القواعد العسكرية الضخمة التي أنشأتها واشنطن في العراق.
نظام القواعد هذا توسع إلى أميركا اللاتينية، فبعدما طُردت الولايات المتحدة من قاعدة مانتا في الإكوادور، تدبرت البلاد أمر استخدام سبع قواعد عسكرية جديدة في كولومبيا، لكن من الواضح انها تعتزم الإبقاء على قاعدتها بالميرولا في هندوراس، التي لعبت دوراً أساسياً في حروب ريغان الإرهابية. والأسطول الأميركي الرابع، الذي انحل في 1950، استعاد نشاطه في 2008، بعد الاجتياح الكولومبي للأكوادور. مسؤولياته تغطي جزر الكاريبي، وأميركا الوسطى والجنوبية، والمياه المحيطة، ما أثار قلق حكومتي البرازيل وفنزويلا وغيرهما.
قلق الأميركيين الجنوبيين أثير مجدداً مع الكشف عن ملف للقيادة الأميركية الجوية، في نيسان 2009، يقترح جعل قاعدة بالانكيرو في كولومبيا «موقعا أمنيا تعاونياً»، ليكون المنطلق «الذي تُنفذ منه عمليات التحرك». ووفقاً للملف، تغطي هذه القاعدة «نصف القارة تقريباً، من دون الحاجة إلى إعادة التزود بالوقود»، ما يعني أن بإمكانها أن تكون جزءاً من «خط استراتيجي عالمي»، يساعد في «إنجاز استراتيجية تدخّل إقليمية ومساندة الخط المتحرك في أفريقيا».
الهدف من كل ذلك، كما قيل للشرطيين، هو محاربة «عصابات الشباب»، و«الشعبوية الراديكالية». والحجة هي «الحرب على المخدرات». قد يصعب أخذ ذلك على محمل الجد، حتى إذا قبلنا فكرة أن لدى الولايات المتحدة الحق في شن هذه «الحرب» في دول أجنبية.
الأسباب معروفة جيداً، وقد وضحتها لجنة أميركا اللاتينية بشأن المخدرات والديموقراطية، التي يرأسها رؤساء سابقون هم كاردوسو وزيديلو وغافيريا. وخلص الثلاثة في تقريرهم إلى أن الحرب على المخدرات فشلت فشلاً ذريعا، داعين إلى تغيير السياسة، بعيداً عن الإجراءات المتخذة محليا وخارجياً.
الدراسات التي أجرتها الحكومة الأميركية وغيرها أظهرت ان أكثر الطرق فاعلية لمكافحة المخدرات هي الوقاية والعلاج والتوعية، وان الأساليب الأقل فاعلية والأكثر كلفة هي العمليات التي تشن خارج الحدود، كالتطهير والتدمير. وهي الأساليب التي يتم اختيارها باستمرار. هنا تكفي هذه الحقيقة لتوضح أن اهداف «الحرب على المخدرات» ليست هي تلك المعلنة. ولتحديد الأهداف الحقيقة، بإمكاننا اعتماد المبدأ الشرعي القائل بأن النتائج المتوقعة تزودنا بدليل بشأن النيات. والنتائج ليست ضبابية. هذه البرامج تخفي محاولة لتقويض أي تمرد في الخارج، ونوعا من «إضعاف اجتماعي» في الداخل، عبر ترحيل عدد كبير من الأشخاص غير الضروريين، معظمهم من الذكور السود، إلى السجون، في ظاهرة نيوليبرالية أدت، حتى الآن، إلى تسجيل أكبر معدل عمليات سجن في العالم، منذ إطلاق هذه البرامج قبل 30 عاماً.
الأسباب وراء إعادة إحياء حرب نيكسون على المخدرات ليست خفية. نيكسون واليمين، ومعهما قطاعات النخب، واجهوا مشكلتين أساسيتين في بدايات السبعينات، اولاهما تنامي المعارضة ضد حرب الفيتنام، لدرجة بات من الضروري تطويقها، حيث ان البعض تمادى لاتهام واشنطن بارتكاب الجرائم، لا مجرد «أخطاء ارتكبت في طفرة من العمل الخيري والسذاجة»، كما يحلو للمعلقين الليبراليين تسميتها، إطاعةً لشعار ثوكوديدس. أما السبب الثاني فكان النشاط الشعبي، وخاصة في صفوف الشباب، الذين نادوا بـ«مزيد من الديموقراطية»، كما حذّر المثقفون الليبراليون، داعين إلى إعادة فرض سياسة الخضوع والسلبية، بأياد نيكسونية، ولكن مع إجراءات أقسى.

«لا نعتذر من أحد»

والحرب على المخدرات كانت العلاج المثالي. وبمساعدة الإعلام المتحمس، حيكت أسطورة «جيش المدمنين» الذي سيطيح بالمجتمع المحلي، في إطار مؤامرة شيوعية. وكما قال الإعلامي الليبرالي والتر كرونكيت «الشيوعيون في الفيتنام لا يحاربون الجنود الأميركيين بالنار فقط وإنما أيضا بالمخدرات»، خالصاً إلى أن «أسوأ ما نجم عن الحرب هو آفة الإدمان في صفوف الجنود»، لتضاف لاحقاً أساطير عن الإدمان على الكحول والتبغ. لكن الأسطورة حققت غاياتها على نحو مدهش. باتت الولايات المتحدة ضحية الفيتناميين، لا الدخيل الذي ارتكب الجرائم بحق هؤلاء.
ومن دون ان يثير أي انتقاد او تعليق، شرح الرئيس كارتر أننا لا ندين للفيتناميين بأي دين لأن «التدمير كان متبادلاً». بالنسبة لريغان، كانت الحرب «قضية نبيلة»، وذهب بوش الأول، من دون أن يثير أي اعتراض، إلى إبلاغ الفيتناميين بأننا لن نسامحهم أبداً على الجرائم التي ارتكبوها ضدنا، ولكن رأفة منا سنوافق على السماح لهم بالانضمام إلى العالم الذي نديره، إذا أظهروا حسن النية في تعاملهم مع المسألة الأخلاقية الوحيدة الباقية منذ شن القضية النبيلة، وهي تكريس انفسهم للعثور على بقايا جثث الطيارين الأميركيين الذين قتلوا خلال قصف الفيتنام.
ورغم ان النجاحات كانت أساسية، لكنها كانت بعيدة عن الكمال. النشاط الشعبي لم يتوقف بل توسع، ليؤثر على نحو فاعل على المجتمع عموماً.
ورغم أن العالم بات أحادي القطب في البعد العسكري، لكنه لم يكن كذلك، في بعض الأحيان، على المستوى الاقتصادي. فمنذ اوائل السبعينيات بات العالم «ثلاثي الأقطاب» اقتصادياً: أميركا الشمالية وأوروبا وشمال شرق آسيا. الآن، بات الاقتصاد العالمي اكثر تنوعاً، وخاصة مع النمو السريع لدى الاقتصادات الآسيوية، التي تحدت قواعد نيوليبرالية «تفاهم واشنطن». وأميركا اللاتينية أيضاً بدأت تصبح حرة بعيداً عن اليانكي. وما جهود واشنطن لعسكرة أميركا اللاتينية سوى رد على هذه التطورات.
تلك هي بدايات التحركات نحو اندماج الدول التي لطالما تم توجيهها نحو الغرب، لا نحو بعضها البعض. هي بدايات تنويع الاقتصاد والعلاقات الدولية. هذه التطورات، التي تقودها أحياناً حركات شعبية مذهلة، مهمة للغاية. وليس مفاجئاً أن تثير ردوداً قاسية من قبل النخب التقليدية، المدعومة من القوة العظمى في النصف الآخر من القارة. الحدود مذهلة، فقط إن كان بالإمكان تجاوزها، فالنتائج قد تغير على نحو بالغ الأهمية، تاريخ أميركا اللاتينية... وأبعد.

منقول عن مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية الرابط الأصلي للموضوع http://www.mokarabat.com/s7