‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءة في عنوان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءة في عنوان. إظهار كافة الرسائل

"تاريخ الجنون في العصرالكلاسيكي".. لـ ميشال فوكو


يعود تاريخ صدور كتاب ميشال فوكو "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" (histoire de la folie à l’age classique ) إلى عام1961، وترجمه إلى العربية سعيد بنكراد (المركز الثقافي العربي، 2006). ويعتبر من أهم مؤلفات هذا الفيلسوف، بوصفه عملاً نظرياً متكاملاً، أعلن انطلاقة مشروع فوكو الفلسفي الذي أثمر "الكلمات والأشياء، 1966"، و"المراقبة والعقاب، 1975"، وامتدّ إلى أكثر من ربع قرن من الاشتغال الفلسفي، وجهه فوكو نحو الفهم والمساءلة وخلق المفاهيم في كل المجالات والاتجاهات. وجدد فيه التناول الفلسفي من عالم الهوامش: "الجنون"، و"السجون" ليحاكم مسائل المعرفة والسلطة والذاتية والموضوعية والانسان، وبالخصوص مسيرة التاريخ، ويصل إلى مبتغاه في توجيه الانشغال الفلسفي من عالم الميتافيزيقا إلى عالم المختلف والمتعدد والأغيار.

يتناول فوكو في كتابه العلاقة الكائنة ما بين الجنون وبين العقل على مدار أكثر من أربعمئة سنة من التاريخ الأوروبي، أي منذ القرن السادس عشر وحتى النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم. لكنه خص بالدرس الموسع العصر الكلاسيكي، أو ما عُرف بـ"عصر التنوير"، وبالتحديد القرنين السابع عشر والثامن عشر. إنه ذلك العصر الذي جاء بعد عصر النهضة مباشرة، ودخلت معه أوروبا في العقلانية المحضة أو الصارمة، ونحو تلك العقلانية وجه فوكو نقده وحفرياته المعرفية ومن جانبها المتعلق بالجنون في هذه المرّة.

وتوجب عليه خلخلة الأوهام الشائعة حول العقل والجنون، والتي قررت بأن الجنون صورة عن العالم الآخر، يقع في جهة، والعقل في جهة أخرى مختلفة تماماً، ولا اختلاط بينهما، مع أن كل إنسان عاقل فيه حبّة جنون، صغرت أو كبرت. وكشف فوكو أن كل شكل من أشكال الجنون له موقعه وشاراته وإلهه الحامي، وأن نظرة الناس إلى الجنون في القرون الوسطى كانت مختلفة عن العصر الكلاسيكي وعن نظرتنا في العصر الراهن إليه. وكان كل عصر يشكل تصوره عن هذه الظاهرة التي ترعب عالم "العقلاء"، لذا كان الهمّ منصباً على التحكم في الجنون. ولم يمنع التحكم الجنون من الاحتفاظ بكل مظاهر سيادته، حتى بات جزءاً من إجراءات العقل والعمل والحقيقة، يمارس نشاطه في الوجه الشفاف للأشياء وفي تقلبات النهار، في الظاهر وفي غموض الواقعي والوهمي، في تلك اللحمة غير المحددة والمستعادة دائماً والمنبوذة دائماً أيضاً. إنه يفصل الحقيقة عن الظاهر ويوحدهما كذلك. إنه يخفي ويكشف، ينطق الحقيقة ويكذب، فهو ظل ونور. إنه يغري، بوصفه الصورة المركزية والمتسامحة، صورة كانت هشة ومازالت لهذا العصر العسير.

إن ما يؤكد فرادة مؤلف فوكو في الجنون، ويمنحه طابعه الخاص، هو استناده إلى التاريخ العجيب للجنون، وإلى كل خبرات الإنسان وتجربته مع "حدوده" الدنيا والقصوى على حد سواء، حسبما يقول سعيد بنكراد مترجم الكتاب، فقد استقى فوكو مادته في هذا الكتاب من الطب الوضعي، وخصص قسطاً وافياً من كتابه لتناول هذه المعرفة، واستقاها كذلك – وبشكل أساسي - من عوالم الأدب والفن والمسرح والفلسفة، كما استقاها من الشعوذة والخيمياء وكل الممارسات السحرية، ومن تاريخ مؤسسات الدولة، بما فيها البرلمان والشرطة والجيش و"الأوامر الملكية" والمستشفيات العامة و"المارستانات" والسجون و"الدور الصغيرة"، دون أن ننسى مؤسسات "الحجز"، وهي اختراع من اختراعات العصر الكلاسيكي العجيبة. وتناول فوكو "الطب العقلي" و"السيكولوجيا" و"التحليل النفسي" ومختلف الأشكال العلاجية التي أعقبت العصر الكلاسيكي معلنة عن ميلاد "المجنون المريض" الذي سيخلف المجنون، بوصفه "الدرويش" و"الوحش" و"الشاذ"، تماماً مثلما سيخلف المارستان والعيادة دور الحجز والمستشفى العام.
واستفاد فوكو من كل ذلك كي يطاول الخبرة الإنسانية في لحظات خلقها لأشكال العسف المتنوعة للحدّ من اندفاع الجسد والروح، وتخطيهما لحدود "المعقول" و"العقلاني" و"المستقيم" و"الرزين"، وللانتشاء بالذات داخل عوالم اللاعقل التي لا تعترف بأية "حدود إضافية" غير تلك التي تأتي من أشياء الطبيعة وطبيعة الأشياء. وجاء عمل فوكو زاخراً، يهتم بـ" أهواء النفس" البشرية في حالاتها المتنوعة، وفق معرفة علمية تخص الجنون والعقل واللاعقل والاختلال النفسي وكل السلوكات "الغريبة" و"الشاذة"، ويحدوها الاندفاع نحو حدود لا تتوقف عن التوغل في المجهول.

سفينة الحمقى
يرصد فوكو بدايات تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، منطلقاً من نهاية الجذام مع نهاية العصور الوسطى، حين اختفى الجذام، وتوارى المصاب به أو كاد من الذاكرة، إلا أن بنياته ستستمر، إذ ستشهد الأماكن ذاتها نفس لعبة الإقصاء مع الجنون قرنين أو ثلاثة بعد ذلك، فحلّ الفقراء والمشردون والخاضعون للإصلاح والمرضى عقلياً محل المصاب بالجذام. وظهرت "سفينة الحمقى" في الحقل المخيالي لعصر النهضة، كإحدى الأساطير الروائية أو الهجائية، سفينة غريبة جانحة، مليئة بالحمقى، تنساب في الأنهار الهادئة لنهر ريناني والقناطر الفلامية. كان لها وجود حقيقي، إذ كان المجانين يطردون من جنبات المدن ويشحنون على ظهر هذه السفن، أي أنها سفينة لم تصنعها حقائق التاريخ والممارسات الفعلية، بل صنعتها حاجات المخيال الإنساني الذي فتنه عالم الجنون، فنسج حوله مجموعة كبيرة من الحكايات والرويات. ذلك أن التخلص من المجانين والإبحار بهم إلى أماكن بعيدة عن المدن الرئيسية، واقع تاريخي لا يُمكن إنكاره، ويشهد على ذلك واقع الإقصاء والنبذ الذي تعرض له المجانين طوال فترة النهضة وتلك التي أعقبتها، إلا أن ما يعطي الواقعةَ قوتها ووظيفتها الجديدة هي أبعادها الإيحائية وإحالاتها على الأحاسيس التي تسللت إلى الثقافة وصاغت داخلها حدود ضمير يشكو من قلق واضطراب تجاه عالم الجنون.

لا يفوت فوكو تناول ممارسات السحر والشعوذة والطقوس الاستئناسية، لأن عمله يطاول أيضاً العوالم الرمزية وكل الصور المخيالية التي أنتجتها المخيلة الإنسانية، بغية تحديد ورسم حدود عالم الجنون، المليء بالصور والاستيهامات، والمليء أيضا بأشكال النبذ والإقصاء وسفن الحمقى. إذ يتحدد كل شيء ضمن هذه العوالم، من خلال التقابل الذي لا يُرى بين "حقيقة الجنون الموضوعية "، التي ستعرف طريقها إلى مستشفى الأمراض العقلية، وبين العوالم الثقافية والسياسية والإيديولوجية والأخلاقية كذلك، التي تستثيرها شخصية المجنون. وهي عوالم تسللت إلى كافة أشكال التعبير الإنساني، الأدب والفن والفلسفة، وكذلك مجمل التصورات التي يعيش فيها المجنون داخل اللغة وداخل خطاطات السلوك الاجتماعي وعوالم التقديس والتدنيس على حد سواء.
كانت السفينة وعوالمها أقرب الأدوات إلى التعبير عن هذا القلق، فهي تتمايل كما يفعل الموج والزبد المنكسر على الشطآن، ونهاياتها ليست سوى بدايات متجددة، فكل مرفأ ليس سوى محطة للسير نحو محطات أخرى ضمن رحلة لا تنتهي. وقد لعب الإبحار والماء دوراً رمزياً، وإقصاء المجنون هو الذي يقوده إلى الحجز، إذ أن المجنون المحتجز داخل مركب لا يستطيع الفكاك منه، فلا يجد عير تسليم أمره للنهر ذي الأزرع المتعددة، وإلى الماء ذي السبل المتعددة. إنه يسلم نفسه إلى عالم اللايقين الموجود خارج كل شيء. لكنه مسجون ضمن السبل الأكثر حرية والأكثر انفتاحاً، فهو موثوق بشدة إلى الملتقيات اللانهائية. وإن فقدت السفينة نقطة الإرساء النهائية فإنها تتحول إلى قدر سيزيفي دائم التجدد، فكان أن لعبت رحلة ركوب الماء هذه دوراً في صياغة عوالم مخيالية تمنح المجنون وجهاً آخر، يكون فيها المجنون بؤرة المرور بامتياز، أي أسير العبور. والأرض التي سيحط عليها تجهل عنه كل شيء، تماماً كما لا تعرف اليابسة التي تطؤها أرجله من أي أرض هو آت. فلا حقيقة له ولا وطن إلا في ذلك الامتداد الخصب بين البراري التي لا يمكنه الانتماء إليها. ها هم المجانين وقد تحولوا إلى كائنات تطاردهم لعنة اللاعقل، يرحلون إلى اللاشيء على ظهر سفينة أصبحت غريبة عن الأرض التي جاءت منها، ولا تعرف أي شيء عن المرافئ التي تسير نحوها. إنها رحلة غريبة إن لم تأت بالمال، فإنها قد تعيد للمجنون عقله.

الاعتقال الكبير
لقد أعاد عصر النهضة إلى الجنون صوته، ولكنه تحكم في مصادر عنفه، وسيأتي العصر الكلاسيكي لكي يسكت صوته بقوة غريبة. في عصر النهضة كان العقل واللاعقل مجتمعة بمعنى أنه لم يكنهناك رفض صارم لـ"اللاعقل". كان هناك شعراء مجانين وأدب مجنون إلا أنه في القرن السابع عشر استبعد الجنون نهائيا من الساحة.

وظهر "المستشفي العام" في سنة 1661، كي يتجسد الحجز فيه بامتياز، سجناً وإصلاحية ومأوى ومارستاناً، بمعنى آخر أداة قمع مثلى، تنهض بكل شيء باستثناء العلاج. فقد أُنشئ في بداية الأمر في فرنسا بأمر ملكي لمحاربة العطالة والتسكع والتسول في الشوارع وعلى أبواب الكنائس، ليصبح بعد ذلك غولاً هائجاً، سرعان ما ابتلع في طريقه كل شيء. ابتلع كل الذين يوجدون على جنبات خط رفيع لا يُرى، رسمته المصالح الخاصة والعامة، مصلحة العائلة، ومصلحة المجتمع، ومصلحة الدولة. لكن عالم الحجز كان غريباً، فقد كان يضم داخله المجانين والمختلين والمنحرفين والشاذين جنسياً، كما ضم المبذرين والبخلاء والمنحلين والغارقين في اللاعقل ويعيشون في غيابات الجنس والفلسفة والأدب وكل أشكال الإبداع التي تغطي تجربة روحية لا تتوقف إلا عند حدودها القصوى، كما ضم أيضاً المرابين والمشعوذين وكل الذين خرجوا عن أخلاق المجتمع أو شككوا في قيمه.

بالمقابل، يبحث فوكو عن الجنون في أعمال سيرفانتس وشكسبير، حيث لا يطل سوى على التمزق، ومن ثم على الموت. لكن سرعان ما سيغادر الجنون مناطقه القصوى التي وضعه فيها سرفانتس وشكسبير ليحتل، في أدب بداية القرن السابع عشر، موقعاً وسطياً، لينشر الجنون سلطته داخل فضاء الرؤية الخالصة. استيهامات ومظاهر خالصة لحلم العالم وقدره السري. إنها عوالم عجيبة كما هي لوحات غويا وأعمال بوش، عوالم من صنع مخيال مزقته الأهواء، إنها التعبير الأسمى عن الحقيقة الحقيقية للجنون، لذلك لا أحد يتحكم فيها، إنها خارج سلطة القانون والدين والأخلاق، فما ينتجه المخيال يدخل ضمن عوالم الممكن المنفصلة عن قوانين الواقع وآلياته في التحكم والتوجيه والتوقع. وضمن حالات الجنون ستصنف أعمال أدبية وفلسفية كبرى كأعمال نيتشه ونيرفال وأرتو، وأعمال مجموعة أخرى من الأدباء والفنانين الذين أسلموا قيادهم لوجدان فك كل قيوده وانغمس في حالة هذيان لم يعد يعرف حدودا في الانفعالات والأزمنة والفضاءات، وضمنها أيضا صنفت أعمال ساد.

عالم الصلاحيات
كان الحجز والسجن هو التصرف مع المجانين، بوصفه الحل الذي اهتدت إليه مخيلة الفترة الكلاسيكية، حيث أصبح السجن المكان المخصص للخلاص من الخطايا ضد الجسد والأخطاء ضد العقل. لقد أصبح الجنون رديفاً للخطيئة وذاك هو الرابط الذي سيظل ثابتاً على مدى قرون بين اللاعقل والذنب. لذلك فما نعرفه عن الوجوه الرمزية للجنون أكبر بكثير مما نعرفه عن وجوهه الطبية وآليات التصنيف والعلاج الوضعي. فالسلطة الطبية، بل كل السلط، لا تستطيع فك إساره من أحكام مسبقة هي وجهه وحقيقته ووضعه. لذلك فإن هذه العوالم الرمزية لا يتحكم فيها المارستان والوصفات الجاهزة وأشكال الحراسة والعقاب، إن مضمونها من طبيعة غير مرئية، إنها أحكام متنوعة منها ما يأتي من الأخلاق والدين والقضاء: الفصل بين الذات الاجتماعية والذات الحقوقية، بين ما هو مرتبط بالإدانة الأخلاقية وبين ما يعود إلى اللامسؤولية الجنائية، ومنها ما يأتي من كل المعتقدات التي ترتكز على حقيقة ثابتة وأصلية هي أداة الحكم والتصنيف: يمكن أن يكون المجنون وجها سرياً من وجوه الله، مثل حالات الدرويش المسالم، وهو وجه مألوف في كل الثقافات، وحكمة الطبيعة هي من العمق لدرجة أنها تستعمل الجنون باعتباره الدرب القصير المؤدي إلى الحكمة، متخطيا أشكاله الخاصة من خلال عناية إلهية غير مكشوفة"، ويمكن أن يكون تعبيرا عن إدانة إلهية لإنسان خلق هلوعاً، مثل حالات الجنون الساخط والعنيف.

الحمقى
هنالك وجه آخر للتجربة، إذ لم يقتصر حجز المجانين عليهم فقط، بل طاول السجن "الحمقى"، مما يشير إلى أن العقلانية أصبحت متعجرفة ضد كل من لا يتفق معها، واختفى معها تسامح عصر النهضة. وكانت التهم توجه إليهم مثل "مترافع متصلب"، و"مشاكس كبير"، و"إنسان سيئ وكثير الشغب"، و"رجل يغني في الليل والنهار ويتفوه بسباب رهيب"، و"ذهن قلق وحزين وفظ". ولم يأبه العصر الكلاسيكي بالتفريق بين الجنون والخطأ، فقد أصبح الجنون جريمة. غير أن حقائق عوالم الجنون أطول عمراً وأشد وقعاً من حيثيات المرض وأعراضه، فهي غير ثابتة الحدود والمعالم والمعارف. إنها تمتد في كل الاتجاهات وتتسلل إلى كل مناطق الوجود الإنساني، فالمجنون يعير صورته لكل ظواهر الانتماء الثقافي، إلى مؤسساته ومعاييره ومقاييسه في الحكم وخطاطاته كأشكال "إيديولوجية" للضبط والمراقبة والردع وحماية الحدود و"الوسط المضبوط"، لكي يصبح في النهاية أداة لقياس كل ما هو غير عادي ومألوف. "هذا جنون"، حكم يُلقى في وجه كل ما لا يستقيم داخل خطاطة ثقافية أو سياسية مسبقة. وعليه فإن الأمر يتعلق بفعل ثقافي وثيق الصلة بحالة المجتمع الحضارية. وهو الفعل الذي نستند إليه من أجل الفصل بين ما نقبله باعتباره ينتمي إلى دائرة العقل، وبين ما نرفضه باعتباره لاعقلا. وهو فصل بسيط في مظهره البدئي، إلا أن امتداداته لا حد لها ولا حصر.

التحول النوعي
لم يحدث التحول في الوعي الأوروبي المتحولتجاه الجنون بشكل منتظم، مع أنه كان بارزاً في عدة أماكن فيأوروبا. فالوعي المباشر لقضية الجنون فكرياً وطبياً أخذ مسارات غير متماسكة، وكان هناك عمل مستمر موجه للجنون تعريفاً وفحصاً. وكان تعريف الجنون في القرن الثامن عشر يتحدد في الانزياح عن العقل دون معرفة ذلك، لانعدام الأفكار. وتظهر صرامة العقلانية تجاه الجنون إلى حدّ اعتبرت فيه كل ما لا يتفق معها جنوناً يجب أن يحجز ويخفى عن الظهور. وحين كان الجدل الفلسفي حول روحانية الروح أو ماديتها مشتعل في العصر الكلاسيكي، فإن السؤال طاول روح المجنون التي اعتبرت مريضة، بوصفها جزءاً من الجسد المريض. وهو سؤال هشّ، لا يقوم كل جواب عليه سوى بإغراقه بالمزيد من الالتباس.
مع الثورة الفرنسية إنهار الحجز، ولم يعد هناك سجن للمجنون، وبعد الإعلان عن حقوق الإنسان، دخلت مرحلة التحريات الكبرى بحيث لم يبق أحد في السجن إلا وفق القانون وفي الضرورة القصوى، ولن يبق المجنون في السجن بعد مرحلة التطبيق العملي لميثاق حقوق الإنسان. لكن ليل المجنون الحديث، ليس هو ليل الحلم، حيث تصعد وتتوهج الحقيقة المزيفة للصور، إنها ليلة تحمل معها رغبات مستحيلة وإرادة متوحشة، وهي رغبات لا تتمتع في الطبيعة بالقدر الكافي من الحرية.

جنون العباقرة
يتوقف فوكو طويلاً أمام جنون الفلاسفة والشعراء والأدباء والفنانين، أمثال هولدرلين، ونيتشه، وآرتو، وجيرار دونيرفال، وغويا، وساد، إلخ. وهو جنون يحق له أن يحاكم العقل الغربي المتغطرس وليس العكس، إذ لا يوجد أي عقل في العالم يستطيع أن يرتفع إلى مستوى جنون فريديريك نيتشه أو الشاعر الكبير هولدرلين. ولا يجد فوكو غير الثناء على هذا الجنون والتحدث عنه بحميمية وشاعرية، فهؤلاء المجانين الكبار قدموا روائع خالدة للثقافة الإنسانية.

ويرى فوكو أن جنون تاس، واكتئاب سويفت، وهذيان روسو، كلها حالات معبّر عنها في أعمالهم، تماماً مثلما أن هذه الأعمال مرتبطة بأصحابها. فالعنف الذي يتكلم في نصوصهم وفي حياتهم هو من نفس الطبيعة، أو نفس الهم، رؤى تتحاور فيما بينها، اللغة والهذيان يتداخلان. لقد كان العمل والجنون مرتبطين ارتباطاً عميقاً: هذا يضع حداً لذاك، إنها مفارقة. ذلك أن هنالك منطقة يتمرد فيها الجنون على العمل، ويختزله بشكل ساخر، جاعلاً من مشهده المخيالي عالماً باتولوجياً من الاستيهامات. والعكس صحيح، لقد كان الهذيان ينفصل عن حقيقته الهزيلة كجنون، ليثبت نفسه بوصفه عملاً.
إن جنون نيتشه وفان غوغ أو آرتو، معبر عنه من خلال عمل صاحبه، وهنا تنتهي الحكاية. قد يكون ذلك التعبير عميقاً، لكنه تمّ من خلال عالم آخر. لكن فوكو يعلن أن الجنون هو قطيعة مطلقة في العمل، بوصفه يشكل اللحظة المكونة لاندثار ما، ويؤسس في الزمن حقيقة العمل. إنه يرسم حدوده الخارجية وخط الانهيار، إنه بروفيل ضد الفراغ، لذلك يطالب العالم، الذي كان يعتقد بأنه يعرف حجم الجنون ويبرر وجوده من خلال السيكولوجيا، بأن يبرر وجوده أمام الجنون.

منقول عن مجلة الأوان

شباب بوليوود يسرقون الذهب من هوليوود


حميد شاكر/ يبدأ مخرج فيلم المليونير المتشرد ( داني بويل ) بإحالتنا إلى الاختيارات الأربعة في البرنامج العالمي ( من يربح المليون ) ولكي نكون في قلب الحدث في فيلم المليونير المتشرد, طرح للمتلقي تلك الاختيارات الأربعة التي رافقت بطل الفيلم ( جمال مالك ) المتباري في البرنامج، والاختيارات هي ( الغش , الحظ , العبقرية , القدر ) واللحظات الأولى للفيلم تبدأ بدخان الشرطي المحقق في أحد مراكز الشرطة في مدينة موبي , حيث الفائز جمال مالك يتعرض للضرب والاهانة , إنها ثمرة فوزه بالبرنامج في عالم مبني على الغش و الجريمة. فلم المليونير المتشرد يطرح مجاميع من الاسئلة التي تعاني منها مجتمعات العالم الثالث بأكملها . خاصة بعد ظهور موجة العنف والتطرف الديني الإسلامي , المسيحي , اليهودي .. وحتى الديانة البوذية المتسامحة دخلها جنون الطرف والذي شوه مفاهيمها رجالات الدين الجدد , حيث يخضع الفرد لتفسيرات واهية بعيدة عن روح الأديان والتي بنيت من أجل التسامح والمحبة ونبذ العنف. إن هذا التطرف ما هو إلا نتاج مشوه للمفاهيم الدينية , حيث تخضع تلك المفاهيم لتفسيرات واهية بعيدة عن مفاهيم الأديان وأخلاقيتها المثالية المتسامحة. بطل الفلم جمال مالك شاب هندي مسلم قتلت أمه نتيجة لهجمة من بعض الهندوس المتطرفين , لكننا نجده طوال فترة الفلم عاشقا مغرما بحيببته الهندوسية (لاتيكا) التي يضحي من أجلها بكل شيء. إرتكز السيناريو على حبكة متفرقة حيث انتقالات الأحداث من مركز الشرطة الى محطات التلفاز والتي تنقل لنا أحداث أنتصاره بالأجابات الصحيحة والمحيرة , لأن بطل الفيلم لم يكن سوى عامل شاي لكنه يجيب ويربح وكل ذلك يتم عن طريق خزين الذاكرة التي يعتمد عليها , إذ يتصادف ان الأسئلة التي تترى عليه قد أستنتجت أجوبتها من أسرار حياته وصعابها ودمارها , وابتداء من السؤال الأول الذي يطرح عليه بالبرنامج وهو عن الممثل الذي قام بدور البطولة في فلم ( زنجير ) فيجيب بان بطله هو الممثل الهندي الشهير ( اميتاب ) حيث المشهد الجميل / القبيح والذي يحصل فيه على توقيع بطل الفيلم على صورته . هذه الذاكرة الجميلة يحتفظ المواطن الهندي والبوذي والمسيحي والهندوسي , هي ثيمة لها دلالات كبيرة لانها تحيلنا الى وطن اسمه الهند للديانات المتعددة أنها المواطنة الحقيقية , رموز الوطن الذي لا يمكن أن يتجزأ الهند بكل أطيافه وقومياته , الكل يعشق الرموز فيه ( أميتاب ) الفنان ( غاندي ) السياسي ( طاغور) الشاعر وغيرهم , انها الذاكرة الجمعية الوطنية والتي لا تتجزأ أو تتفرق مهما أراد المشعوذون والقارئون الجدد للمفاهيم الدينية التي أضحت تفسر بمفهوم أقتصادي لا روحي , دين ينتج ربحاً هو الصحيح ودين لا ينتج ربحاً هو الخاطئ. المحور المهم في الفلم هو محور القناة التلفازية والتي تنقل وقائع البرنامج حيث المقدم الذي يريد أن يربح القناة بأي شكل من الأشكال ويخسر المتباري , إنه جزء من سلطة إعلامية كاذبة حيث الارتباط الوثيق بمراكز الشرطة والتي تقرر داخل جدرانها ما هو الصح وما هو الخطأ , الضابط في الشرطة يريد الاعتراف بالغش من الرابح / المتباري ( جمال ) حيث نشاهد إن مقدم البرنامج لا يريد خسارة العشرة آلاف ربية في الاول ولذلك يتصل بمركز الشرطة لكي يدان الفائز وترجع الأموال الى القناة , لنجد أنفسنا أمام معادلة مضحكة الفوز بالملايين = تعذيب + ضرب + أهانة + صعق كهربائي . كل تلك الطرق البذيئة التي تنتجها طرق التعذيب من أجل قلب الحقائق نجدها متوافرة , رغم ان بطل الفلم يجيب وبكل ثقة ووضوح عن عالمه الخاص , السرقة أيام الطفولة , الجريمة التي أرتكبها أخوه الأكبر ( سالم ) , علاقة الحب التي لا يفرط بها مع حبيبته ( لاتيكا) جمال بالذاكرة الغنية الممتلئة وصور التطرف التي انتهت بموت امه , ذاكرة السرقة والنصب والاحتيال في ضريح تاج محل , سرقة الاحذية للسياح وغيرها , تلك الذكرة المرة هي التي انتجت الأجوبة الصحيحة لكل الاسئلة التي واجهها حيث المخادعات الصعبة التي يحاول أن يوقع بها مقدم البرنامج والتي كان يؤكد عليها مستعينا بالاهانة التي تتعلق بمهنته الرخيصة ( بائع شاي). جمال في الفيلم ذاكرة جمعية لملايين البؤساء في الهند , هند المهراجات والجائعين , هند الطوائف والأديان المتعددة , هذه الجغرافيا المتغيرة ليوم جنوبه محترق وشماله منجمد , كل تلك التنافرات والتناقضات يمر عليها المخرج(بويل) مرورا سريعا جميلا مستعينا بسيناريو ذكي حيث البداية تبدأ من منتصف أحداث الفن ليرجع بنا الى مقدمة الاحداث وبين منتصف الاحداث وبدايتها يتم كشف شخوص الفن الاربعة (جمال) واخيه (سالم) والعشيقه (لاتيكا) ومقدم البرناج بالاضافة الى بعض الشخوص الثانوية ومنهم شخصية رئيس العصابة (مامان) أعتمد الفلم تقنيا على كاميرا سريعة متحركة ولقطات سريعة تكاد الا تجعل للذاكرة لحظة لتفكر بها، لكنها تطبعها في الذاكرة حيث تترجم بعدها واحيانا نجد لقطات اين الطائر حيث قدرية الشخوص والتي تسلط عليها دون ارادتها ومنها نشهده مقتل (سالم) في نهاية الفيلم اختيارات الامكنة التي ساعدت في اكتمال المشهد السينمي ، حيث (مومباي) الفقيرة والجميلة (مومباي) باحيائها المدميه والعشوائيه وموباي في بنائها الشامخ وبنائها كل تلك المشاهد المتناقضة توصلك الى جوهر البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لعالم رهيب يشرق على الهند بوادت الالف من الابناء الذين لا يملك اباؤهم بيتاً يسكنونه ، وغروب يموت فيه الالف على ارصفة مدنها الفقيرة. فلم المليونير يفضح لنا ويكشف معاناة الشعب المليار نسمة حيث العيش الرغيد عن طريق الصدفة، صدفة الربح السريع التي تلهب كل قلوب فقراء الهند الذين يتجمعون على شاشات التلفاز ليتماثلوا ويتشاركوا الربح والخسارة لشخصيه بث والذي صار مثالا ناطقا لهذه الملايين في لحظات المباراة الجميلة والسؤال الاخير،انتظار مشهود بالحذر الشوارع ممتلئة بشاشات التلفاز، البيوتات التي لايهمها شيء سوى نتيجة حرب جمال ضد مقدم البرنامج المحتال القوي والمموه اللعوب الذي لايريد ان تخسر قناته تلك المليونات من الربيات ، ويفوز جمال في السؤال الاخير والذي يصبح فيه جمال بائع الشاي مليونيرا لكننا لانجد لهذا الربح من تغيير على شخصية هذا الهندي الفقير لانه لم يعشق المال بل عشق حبيبته الهندوسية (لاتيكر)وينتهي الفلم بانتظاره لها في محطة القطار لينطلق الى وطنهم الخاص، وطن الحب الذي لم ولن تفرقه الاديان والقوميات أوالحدود ببعدها أو قربها المليونير قصيدة رثاء للفقراء تكسر حدود الثراء وتطيح به، قصيدة حب لوطن يعمل مناجل ان تستمر الحياة رغم مصائبها ومعاناتها، المليونير قصيده سينمائية اطاحت بقصائد المخرجين العظام في اكبر واغلى مهرجان سينمائي الا وهو مهرجان الاوسكار والتي فاز بها الفيلم الهندي دون ضغوط سياسية ودون علاقات ملتويه مع لجان التحكيم والتي ترفع وتطيح بمن تحب وبمن تره الفلم طرح معادلة مفادها ان الحب هو الجنة والجنة هي الوطن هذه المعادلة المتوازنة المستقرة هي النتاج الروحي لا النتائج المادي التي تبناها البطل دون التحاق بحزب او فئه او سلطة حكومية انها معادلة الضمير المتحرك اتجاه المثال الاجمل والاعلى والمتمثل في نقاء العلاقات الانسانية المتشابكة المتلاحمة والمتلاحقة. ان غير المألوف في هذا الفليم ، انه خلا من الاغاني وهذا الاختيار الصائب يعتبر تحديا لقوانين سينمية هنديه لايمكن كسرها فذائقة المتلقي الهندي لن تكتمل دون اغراق الفيلم بالاغاني ولكن هذا التحدي الجميل كان قد سبق وتحدى في ستينيات القرن الماضي حيث قدم شاعر السينما الهندية(ساتيا جيتر راي) ثلاثيته الشهيره حيث قدم فيلم اوبوا دون اغان وفاز في وقتها بالسعفه الذهبية في مهرجان كان. ها هي( بوليوود ) تكرر ما فعله راي ويفوز (المليونير المتشرد)بثماني جوائز أوسكار ، انها ليست ضربة حظ بل انها سينما الاحتراف الطويل الهند والتي تنتج سنويا اكثر ما تنتجه (هوليوود) واوربا والعالم العربي والمجتمع.

المصدر/ جريدة الصباح

لا أحد يبصر إلا نفسه!.. قراءة في رواية "العمى" لساراماجو


قراءة: سميرة سليمان/ " ما زال عجز الناس عن العيش معاً في احترام متبادل يصدمني" قد تكون هذه الكلمات للأديب الراحل ساراماجو هي ما دفعته لكتابة روايته "العمى" الشهيرة التي نشرت في 1995 والتي تحكي عن استشراء العمى في مدينة ما – لم يحددها المؤلف- مثل طاعون مجنون، ليجعلك المؤلف عبر تقنيات السرد المختلفة تعيش هذه التجربة حتى تتوجس من إمكانية إنتقال الوباء لك أثناء القراءة ، ولذلك استحق عليها الكاتب جائزة نوبل عام 1998، ولتتحول بعدها إلى فيلم سينمائي قدمه المخرج البرازيلي "فيرناندو ميريليس".
لا يوجد أسماء أبدا في هذه الرواية ولم يشر المؤلف إلى الزمن التي وقعت به الأحداث وكأن مؤلفها أراد أن يؤكد أنها الأحداث صالحة لكل الأزمنة فهي تنتقد العزلة التي تفرضها الحياة الحضرية الحديثة، وبحسب النقاد فإن ساراماجو في هذه الرواية ينتقد أيضا العالم الذي أصبح رغم كل العيون الحية فيه، لا يبصر إلا نفسه.
الرواية تصف بشكل رمزي المجتمع الذي نعيش فيه بالعمى الفكري أي الجهل الذي يجعل البشر غافلين عن كثير من الحقائق والوقائع التي تحدث حولهم، كما يمنعهم جهلهم من التقدم فهم بحاجة الى شخص مبصر حتى يقودهم من الظلمات الى النور، فالعمى في الرواية ليس عاهة جسدية، إنما يرمز إلى الجانب المعتم والسلبي من الطبيعة الإنسانية، وتجسيد جانب من وضاعتها وعنفها وأنانيتها التي تصل حدّ الاعتداء على الآخر وإلحاق الأذى به.

عمى أبيض

يبدأ السرد بالحديث عن أول من يضربه هذا الوباء وهو رجل يصاب بعمى أبيض أثناء قيادته لسيارته، كان يرى كل شيء أبيضا ومشعا، مثل ضوء شمس قوي أضاء في عينيه فمنعه من رؤية كل شيء، تقول الرواية: "توقف في إشارة المرور حين رأى الضوء الأحمر. كان في أول الصف ومن ورائه صف طويل من السيارات المنتظرة أن يتحول هذا الضوء الأحمر إلى الأخضر. وفجأة.. وجد نفسه غارقاً في بحر من الحليب! كل شيء حوله أبيض اللون".
وحين ينقل لعيادة أحد الأطباء يتحير في تفسير أمره، ثم ما يلبث الطبيب نفسه أن يفقد بصره، وتتوالي الإصابات.
وسرعان ما ينتشر هذا النوع من العمى في أوساط المجتمع كله مثل جرثومة أو طاعون، بدأ الانتشار بكل من اختلط بهم هذا الأعمى الأول، تلجأ السلطات من أجل كبح جماح المرض إلي احتجاز المصابين في مستشفي عقلي فارغ تحيطه بحراس مسلحين يؤمرون بإطلاق النار علي كل من يحاول الهرب.
عاش هؤلاء العميان بمعتقلاتهم تلك في بؤسٍ شديد, فبين وجبات يضعها الحراس بعيداً وتتيه خطاهم للحصول عليها, وبين قذارةِ متناهية طالت أرض مكانهم وسقوفهم وكل شيء فيهم بلا أنابيب مياه تعمل ولا عمال نظافة ولا صيانة, كانت فصول حياتهم المؤلمة، فبفضل هذا تحولوا لوحوشٍ بشرية.

رؤية الحقيقة

في ظل هذه الأجواء، قام مجموعة من العميان المسلحين بفرض سيطرتهم على العميان الآخرين العزل وفرض القوانين الجائرة عليهم، وكل من يخالف القانون يعاقب بمنعه من نيل طعامه، فكانوا يسرقون مخصصاتهم الضئيلة من الطعام ويغتصبون النساء.
يقول أحد المسلحين في الرواية: "..من الآن فصاعدا سنتقاضى ثمن الطعام، لقد حذرتكم جميعا،لا يفكرن أحدكم في الخروج للبحث عن الطعام، سنبيعكم الطعام وكل من يريد أن يأكل عليه أن يدفع" فعلى العميان أن يجمعوا كل ما لديهم من نقود او مجوهرات أو أشياء ثمينة ويسلموها لهم، ويتابع المسلحون: "..لأننا إن شعرنا أنكم لم تدفعوا ما يكفي فلن تنالوا طعاما، وسنترككم تلوكون أوراقكم النقدية وتمضغون ألماساتكم"، ولم تتوقف مطالب المسلحين عند هذا بل أرسلوا رسالة صفيقة إلى باقي العميان يطلبون فيها النساء مقابل الطعام.
فقط امرأة واحدة بالمدينة لأسباب غريبة لم تنتقل إليها العدوى، ظلت مبصرة، إنها زوجة الطبيب التي ادّعت أنها فقدت بصرها لتبقي إلي جانب زوجها، وحدها ترى بين هذا الكم الهائل من العميان، كانت قادرة على أن ترى مشاهد كثيرة لم يستطع العميان أن يروها، فهي ترى الاستبداد والاستغلال والسرقة الانحراف من قبل النساء تجاه أصحاب السلطة حتى يحصلن على قوت يومهم، ترى أوساخا ومخلفات جسمانية مقززة، يتركها البشر على جوانب الطريق، ترى مساكين كثيرين ملقون على حافة الطريق، مصابون بأمراض شتى وترى جثثا معفنة ألقيت في الشوارع لا تنل شرف دفنها.
وكثيرا ما كانت تتساءل إذا ما كانت ستعمى مثلهم، ما هي الأسباب العصية على الفهم والتي حمتها حتى الآن من العمى. وفكرت، سننتن جميعا وتصل رائحتنا إلى السماء العالية.
وبواسطة هذه المرأة تمكن العميان من الهرب بعد أن احترق المبنى الذي كانوا بداخله، ورحل الجنود عنه، قالت زوجة الطبيب: "لقد رحل الجنود أو اخذوا بعيدا هم أيضا أصابهم العمى لقد عمى الجميع"، وكانت هذه المرأة المبصرة بالنسبة إلى العميان الأعين التي يفتقدونها، وكأنها ملك مبصر في مملكة عميان كما تصفها الرواية، ولكنها تقول عن هذا الوضع المؤلم: "..أنتم لا تعرفون ماذا يعني أن نكون مبصرين في عالم كل من فيه عميان، انا لست ملكة بل أنا ببساطة تلك الإنسانة التي ولدت لترى هذا الرعب".

مدينة الظلام

أصبحت المدينة كلها عميان، انتشر المرض تماماً وتوقفت كل ملامح الحياة، بدءا من تعطل أعمال شركة الكهرباء، وتوقف ضخ الماء, فتكدست الأوساخ وزاد العطش, والسيارات المتوقفة في الشوارع بلا هدف ولا معنى, فكثيرا ما كان يداهم السائقون عمى مفاجئ ولذلك لم يبق شخص واحد يجرؤ على قيادة عربة ولا حتى للانتقال من مكان إلى آخر، فقد هُجرت السيارات، الشاحنات، الدراجات النارية والهوائية أيضا، مبعثرة على عماها في كل أنحاء المدينة، حيث طغى حس الخوف على أي حس تملكي.
والجثث التي جرى عليها ما جرى من الجوع والعطش باتت غذاءاً للكلاب، والبيوت التي ضاع عنها أصحابها فبينما يخرجون منها بحثاً عن طعام يتلمسون أركان المدينة مستخدمين حاسة الشم، تاهوا عن معالم بيوتهم تماماً فبقيت خالية حتى يمر عليها أعمىً آخر ليسكنها حتى حين.
تقول زوجة الطبيب المبصرة معللة انقطاع المياه: ".. هذه هي إعاقة الحضارة، فقد أدمنّا الراحة التي تحققها لنا أنابيب المياه في بيوتنا، ونسينا أنه كي تصل المياه إلى بيوتنا فيجب أن يكون هناك من يتحكم بصمامات التوزيع، فتحا وإغلاقا، وخزانات المياه العالية والمضخات التي تحتاج إلى الطاقة الكهربائية، حواسيب تنظم العُجوزات وتدّور الاحتيباطي وكل هذه العمليات تحتاج إلى استخدام الأعين".
ومن الشخصيات التي رسمها ساراماجو بدقة في روايته تلك الشابة الجميلة الغانية التي أصابها العمى أثناء عملها، ورغم ذلك جعل المؤلف القارئ يتعاطف معها عبر إظهار اهتمام تلك الفتاة بوالديها وقلقها عليهما، فتظل تفكر في وسيلة ليطمئنوا عليها، وكأن الكاتب يوجه رسالة ضمنية للقارئ أن لا شخص سئ تماما بل في كل منا جوانب للخير.
تقع هذه الشابة بعد أن تصاب بالعمى في حب رجل عجوز أعمى مثلها، لا تراه ولا يراها، أصلع، بعين عوراء، لكن حين تسترد الشابة بصرها وترى العجوز الذي أحبته تتراجع عن قرارها وتتركه.
وتتلاحق الأحداث ليتوقف بنا المؤلف في كنيسة المدينة لنرى تمثال السيد المسيح وقد وضعت على عينيه عصابة، ووصفت زوجة الطبيب هذا الفعل قائلة: "هذا من فعل شخص ما تزعزع إيمانه على نحو سئ وربما كان أيضا قس الكنيسة هو من فعل ذلك ربما اعتقد أنه ما دام العميان لا يستطيعون رؤية الصور فيجب ألا تكون الصور قادرة على رؤية العميان بالمقابل، إن الصور ترى بأعين من ينظرون إليها".
يختتم الكاتب روايته بأن يعيد الى الناس أبصارهم واحدا تلو الآخر، فيسر الناس كثيرا وينزلون في الشوارع هاتفين، محتفلين بعودة أبصارهم.
وتقول زوجة الطبيب لزوجها في النهاية حين سأل لماذا عمينا؟ قائلة: "لا اعتقد أننا عمينا بل أعتقد أننا عميان يرون، بشر عميان يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون".

منقول عن شبكة محيط

اضغط هنا للذهاب إلى الرابط الأصلي للموضوع

"أمراض المشاهير".. تشهير أم حقائق؟


في نهايات القرن الماضي، أصدر البريطاني بول جونسون كتابا حمل عنوان: "المثقفون" وفيه استعرض ما سمّاه بـ"أمراض المشاهير" من الأدباء والشعراء والمفكرين. وجميع هؤلاء لعبوا دورا رياديا في تطور الثقافة الإنسانية. ومن خلال كتاباتهم ومواقفهم، كانوا من المدافعين المتحمسين عن التقدم، وعن الحرية، وعن العدالة، وعن المساواة بين البشر. وعن الأخوة بين الشعوب والأمم. مع ذلك لم تخل حياتهم من بعض الفضائح والمساوئ وحب الذات، وارتكاب الحماقات. بقلم/ حسونة المصباحي نقلا عن/ العرب أون لاين

وكان الفيلسوف والكاتب الفرنسي الشهير جان جاك روسو أول من نالته السهام. فقد اتهمه بول جونسون بالأنانية المفرطة، وبالإحساس بالتفوق على الآخرين. واعتمد في اتهامه هذا، على جملة لروسو كتب فيها يقول:"كيف يمكن أن يكون بؤسي وبؤسك سواء بسواء. إن بؤسي لا مثيل له، ولم يسمع أحد بمثله منذ بدء الخليقة". ويعتقد بول جونسون أن روسو كان"يحمل ضغائن كثيرة، وكان مخادعا باستمراره في حملها". وهو ما لاحظه كثيرون حسب رأيه. من ذلك مثلا أن صديقا سابقا له، كتب يقول مُنددا بسلوكه السيئ تجاه أقرب الناس إليه: "كيف نصدّق أن صديق البشرية " -يعني روسو- " لم يعد صديقا لأحد، أو أنه نادرا ما يكون كذلك؟". وقد ردّ عليه روسو قائلا:"أنا صديق البشرية، والناس موجودون في كل مكان. وصديق الحقيقة يصادف بشرا حاقدين أيضا في كل مكان، وأنا لست في حاجة إلى أن أذهب بعيدا". ويقدم لنا بول جونسون جان جاك روسو وكأنه شخص لا يمكن أن يصادق، ولا يمكن أن يتمتع بثقة أحد. فهو مريض بجنون العظمة. وهو يحب أن تكون حياته كلها "دعة وتطفّل". كما أنه "كان كثير الشجار، وبعنف شديد – مع كل الذين تعاملوا معه تقريبا، خاصة الأصدقاء منهم". ولم يكن من الممكن استعراض الخصومات المتكررة والمؤلمة التي كان يفتعلها لأنه كان"مريضا عقليا." ويسخر بول جونسون من كارل ماركس ويقول إنه كان"جاهلا بعالم المال والصناعة طوال حياته" وأن جميع معارفه في هذا المجال والتي قدمها للناس كما لو أنها من ابتكاره الخاص، استقاها في الحقيقة من خاله الذي كان رجل أعمال ناجحا يعيش في هولندا، ومن صديقه انجلز الذي كان عليما حقا بأمور المال والصناعة. ويكتب بول جونسون قائلا:" إن كتاب كارل ماركس "رأس المال"، ذلك النصب التذكاري الذي تمحورت حوله حياته كباحث، لا يجب النظر إليه كبحث علمي عن طبيعة العملية الاقتصادية التي حاول أن يصفها، وإنما كتدريب في الفلسفة الأخلاقية ".." إنه موعظة ضخمة وغير متماسكة في معظمها، وهجوم على العملية الصناعية ومبدأ الملكية من قبل رجل يكنّ لهما كراهية شديدة متوهمة ولا مبرر لها". ويواصل بول جونسون كلامه عن كتاب "رأس المال" قائلا: "والذي نخرج به من قراءة "رأس المال" هو فشل ماركس الذريع في فهم الرأسمالية. فشل تحديدا لأنه لم يكن علميا: لم يستطع أن يتقصّى الحقائق بنفسه، أو أن يستخدم الحقائق التي تقصاها الآخرون بموضوعية. ومن البداية إلى النهاية كان عمله كله، وليس "رأس المال" فقط، يعكس إهمالا للحقيقة ولا مبالاة تصل أحيانا إلى درجة الاحتقار. وهذا هو السبب الرئيسي في عجز الماركسية كنظام عن تحقيق النتائج التي تدعيها. ووصفها بـ"العلمية" يعتبر أمرا منافيا للعقل". ولم يكتف بول جونسون بانتقاد أفكار كارل ماركس الواردة في مجمل كتبه النظرية، والتي أصبحت مرجعا أساسيا للحركة الشيوعية العالمية، بل قدّمه كشخص"متعجرف وراشح بالازدراء". وكان صوته الحاد الرنان "متناسقا تمام التناسق مع الأحكام العنيفة التي كان يصدرها ويوزّعها على البشر والأشياء بلا توقف". وكان من عادته أن يقول لكل من يعاديه ويناهض أفكاره:"سوف أمحوك من الوجود". وإمعانا في الحط من قيمته، كتب بول جونسون عن كارل ماركس يقول:"لم يكن له وقت محدّد للنوم أو الاستيقاظ. كان يسهر عادة طوال الليل، ثم يرقد بكامل ثيابه على الأريكة ويظل نائما حتى المساء. لم يكن يزعجه دخول أو خروج الدنيا كلها عليه وهو نائم. لا توجد قطعة أثاث واحدة سليمة أو نظيفة. كل شيء مكسور، ممزّق، رث. طبقات من الغبار تغطي كل شيء والفوضى تعمّ المكان. في وسط الصالون توجد طاولة كبيرة من طراز قديم عليها مفرش من البلاستيك فوقه مخطوطات وكتب وجرائد وسكاكين ولمبات ومحبرة وكؤوس وغلايين تبغ ورماد. إن صاحب أي محل خردة ليخجل من بيع تلك الأشياء الغريبة". ولم ينج "انريك ابسن" كاتب المسرحيات الشهيرة والذي أمضى حياته مواصلا تطوير أدواته الفنية بهدف الوصول إلى السمو الفني كما هو الحال عند شكسبير من التجريح والانتقاد. ويقول بول جونسون إنه – أي ابسن – نشأ"ضئيل الحجم، قبيحا. وكانت هناك شائعة تقول إنه طفل غير شرعي لرجل مجهول". وعندما كبر وأصبح مشهورا ظل ابسن عاجزا عن أن يكون أنيقا. وكان يقضي ساعة كاملة كل صباح محاولا ارتداء ملابسه. غير أن"جميع محاولاته للتأنق منيت بفشل ذريع". وكان يبدو لمعظم الناس "مثل العاملين على ظهور السفن" وكان له "وجه أسلافه الأحمر الغريب خاصة بعد أن يشرب". ويقول جونسون إن ابسن لم يكن يشرب أثناء الكتابة. غير أنه كان يفعل ذلك في الجلسات والسهرات العامة إذ إن الشراب كان يخلصه من خجله، ويطلق لسانه. لكنه كان أحيانا يبالغ في الشراب. وعندئذ تصيبه نوبات غضب حادة فيأخذ في التهجم على الآخرين، وسبهم. وهذا ما فعله مع شاب اسكندنافي في روما. وكان هذا الشاب رساما مريضا بالسل. وقد هاجمه ابسن وهو سكران قائلا:"إنك لا تستحق أن تسير على القدمين. أنت جدير بأن تزحف على أربع!" وعندما انتهت السهرة كان ابسن "عاجزا عن الوقوف". لذا اضطر الآخرون إلى حمله إلى البيت الذي كان يقيم فيه. وعن علاقة ابسن بزوجته كتب جونسون يقول:"كان ابسن دائما فظ القلب وعنيفا مع زوجته. ولكنها كانت تعرف كيف تحمي نفسها من غضبه. يثور فتضحك في وجهه ببساطة وهي واثقة من جبنه وخوفه من العنف. كانت في الواقع تلعب على أوتار مخاوفه وتمشط الصحف بحثا عن الأخبار المرعبة والكوارث اليومية التي تنقلها إليه. ولم يكونا زوجين يمكن رؤيتهما وهما في انسجام ووفاق". ولم يسلم الكاتب العظيم تولستوي من التهجمات القاسية. فقد أشار بول جونسون إلى أن صاحب "أنّا كارينينا" كان مدمنا على لعب القمار كما هو الحال بالنسبة لدستويفسكي. ومرات عديدة سافر إلى أوروبا من أجل هذا الغرض. وفي ضيعات والده كان يطارد بنات الأقنان، ويأخذهن إلى سريره كل ليلة. لذلك سوف يكتب فيما بعد قائلا:"أتذكر الليالي التي قضيتها هناك. أتذكر جمال وشباب "دينا شاه". أتذكر جسدها القوي الممشوق". بل إن تولستوي كان يحب أن يمارس الجنس مع النساء المتزوجات. وعن امرأة متزوجة تدعى "اكسينا" كتب في يومياته عام 1858 يقول:"اليوم.. في الغابة الكبيرة القديمة.. أنا أحمق.. وحش.. جسدها البرونزي وعيناها. أحب كما لم أحب من قبل. لا أفكر في أي شيء آخر". وفي ما بعد سوف يندم تولستوي على مغامراته الجنسية، وسيكتب قائلا:"الآن سوف أضع لنفسي القاعدة التالية، سوف أعتبر صحبة النساء شرا اجتماعيا لابد منه وأحاول الابتعاد عنهن قدر الإمكان. من في الحقيقة سبب الميل الحسي والعبث والخطايا الأخرى بداخلنا إن لم يكن النساء؟ ومن الملوم لفقداننا صفاتنا الطبيعية من الشجاعة والإخلاص والتعقل والإنصاف إن لم يكن النساء؟". ويقول جونسون إن الشهور الأخيرة من حياة تولستوي كانت "مؤلمة"خاصة بالنسبة لعشاق أدبه. فالرجل الذي بدا من خلال أعماله مدافعا عن القيم الإنسانية النبيلة والسامية، انقلب على نفسه وباتت حياته موسومة بالغيرة والضغينة والانتقام والمكر والخيانة والمزاج السيئ والهستيريا الخسة". ويقول بول جونسون إن ارنست همنغواي كان يحب الكذب، وكان يتعمّد ذلك غالب الأحيان. وفي قصة له بعنوان:"بيت الجندي" كتب يقول:"من الطبيعي أن يكون أفضل الكتّاب كذّابين. جزء كبير من حرفتهم هو أن يكذبوا.. أن يختلقوا الأكاذيب.. إنهم كثيرا ما يكذبون دون وعي، ثم بعد ذلك يتذكّرون كذبهم بندم شديد". ويقول جونسون إن همنغواي كان يكذب عادة على والديه، ويكذب في كلامه عنهما، وأحيانا لأسباب غير واضحة. ومرة كذب وقال إن أخته "كارول" اغتصبت من أحد الشواذ جنسيا. ثم زعم أنها تزوجت ثم طلقت. بل أعلن ذات مرة أنها ماتت. والحقيقة كما يقول جونسون أنها كانت "سعيدة في حياتها الزوجية مع زوجها الذي كان همنغواي يكرهه". ويقول جونسون إن حياة همنغواي التي انتهت بانتحاره ببندقية صيد في الثاني من شهر يوليو/ تموز 1961، كانت"درسا يجب أن يعيه كل المثقفين.. وهو أن الفن وحده لا يكفي!". وينتقل بول جونسون إلى الشاعر والكاتب المسرحي الشهير برتولد برخت الذي يصفه بـ"صاحب القلب الجليدي" وهو يقدمه لنا على الصورة التالية: "كان "أي برخت" يحب أن يثير بأعماله ضجة ويكشف عن فضائح. كان يريد أن تثير مسرحياته الهمس وصيحات الاستنكار من جانب الجمهور والتصفيق الحاد من الجانب الآخر. لم يكن يهتم بالنقد المسرحي القائم على التحليل. كان يكره ويحتقر المثقفين التقليديين خاصة ذلك النوع الأكاديمي أو الرومانسي. اخترع "برخت" في الواقع مثقفا من نوع جديد كما فعل "روسو" و"بيرون" في زمانيهما. نموذج "برخت" الجديد رفيع الثقافة والذي كان هو نفسه نموذجا له، كان فظا غليظ القلب شكاكا. أراد أن يضع على المسرح الجو الخشن والعنيف الموجود في الساحة الرياضية. كان مثل "بيرون" يستمتع بصحبة الملاكمين المحترفين". ويرى بول جونسون أن فلسفة برخت التي تعتمد على مقولته التالية:"لا تنس أن الفن خداع، وأن الحياة نفسها خدعة" تفضح "أنانية عنيدة". ويضيف قائلا:"كان برخت يتابع أهدافه الأنانية بقسوة منظمة ودم بارد إلى درجة نادرة". ويستعرض بول جونسون علاقات برخت مع النساء، محاولا أن يثبت أنه كان يستغل مواهبهن لصالحه بل "وجعلهن جميعا في خدمة أغراضه". وبالنسبة إليه كانت النساء "كلهن دجاجات في مزرعة الديك الوحيد بها". وعن سارتر، كتب بول جونسون يقول:"كان "أي سارتر" مفتونا بالعنف يلعب فيه بقدميه خلف سحابة مربكة من البلاغة اللغوية. كان يقول مثلا: "عندما يواجه الشباب الشرطة فواجبنا ليس فقط أن نظهر أن الشرطة هي العنيفة، بل علينا أن ننضم إلى الشباب في عنفهم المضاد" وأيضا: "إذا لم يشارك المثقف في "العمل المباشر "العنف" نيابة عن السود فإنه يعتبر مسؤولا عن قتلهم تماما كما لو كان يضغط على زناد الشرطة الذي يقتلهم". ويتهجم بول جونسون على فلسفة سارتر الوجودية ويقول إنها "كانت جنونا يستمتع به الناس". الشيء الأساسي الذي يمكننا أن نلاحظه في كتابه هو أن بول جونسون اختار مثقفين علمانيين كبارا عرفوا بدفاعهم المستميت عن الحرية وعن القضايا العادلة. ومنهم من دفع الثمن غاليا في سبيل ذلك. ولعله أراد من خلال التركيز على عيوبهم واتهامهم بـ"الكذب والشعوذة والجنون والأنانية" الحط من قيمتهم وإثارة مشاعر الاحتقار والكراهية تجاههم والتشكيك في شهرتهم. لكن هل نجح في مسعاه؟ ذلك هو السؤال الذي يتحتم على كل قارئ لهذا الكتاب الإجابة عنه.

قراءة في رواية شجرة المسرّات" سيرة ابن فضلان السرّية " للروائي " محمد الأسعد "


شجرة المسـرّات " سيرة ابن فضلان السرّية " للروائي محمد الأسعد صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2004.. هي سيرة تجربة صوفية تجاوزت تجارب الحلاج والبسطامي وابن عربي .. تتكون من تسعة عشر فصلا ً يحمل كل فصل عنوانا ً مستقلا ً .. تعتبر الرواية ذات تقنية أبداعية عالية وتجريب روائي منطلق الآفاق .. رواية من نوع جديد يلتقي فيها الشعر بالسرد وبالواقعية التاريخية والإسقاط الزماني والمكاني ...

بقلم/ توفيق الشيخ حسين
نقلا عن/ دنيا الرأي

مضى على صدور الرواية ستة أعوام ولم تجد الاهتمام النقدي والأكاديمي التي تستحق مثلها مثل الرحالة " أحمد ابن فضلان " .. لم يعرف عند العرب بصورة أوسع ولم يأخذ حظا ً كبيرا ً في المؤلفات العربية.. إنه معروف على نطاق ضيق في الأوساط العربية وعلى رغم من ذلك فإن رحلته هذه اكتسبت أهمية كبرى في الثقافة الغربية وأشتهر في أوروبا أكثر من أي رحالة عربي آخر.. فرسالته المعروفة باسم " رسالة ابن فضلان " تـُرجمت إلى لغات أوربية عديدة مثل "الانجليزية والألمانية والروسية والسويدية والفرنسية وغيرها" وتناولها في البحث والتقصي أكثر من باحث في أكثر من بلد في البلدان الأوربية ... يقول " آدم يوسف ": " إن المفارقة التاريخية تبدو عميقة ومذهلة حين يتعلق الأمر بشخصيات من القرن العاشر الميلادي تعيش بيننا, وتقول الكلام الذي نخشى أن نقوله"... هي سيرة " أحمد بن العباس ابن رشيد ابن حماد ابن فضلان " عالم أسلامي وأديب وشاعر من القرن العاشر الميلادي كتب ووصف رحلته كعضو في سفارة الخليفة العباسي " المقتدر بالله " إلى ملك الصقالبة ( بلغار الفولجا ) ...استغرقت رحلة أبن فضلان ثلاث سنوات عبر فضاءات جغرافية من بغداد إلى إيران فأواسط آسيا فبلاد بلغار الفولجا أو أرض الصقالبة إلى الأراضي الروسية واسكندنافيا والخزر .. وعندما عاد إلى بغداد قام بتسجيل وقائع رحلة السنوات الثلاث باسم "رسالة ابن فضلان".. وقد سجل أحداث الرحلة ومشاهدها من بلاد وآماكن وأنهار في وصف بارع يضعه في الصف الأول من الرحالة الجغرافيين الأدباء.. فجمع بذلك بين فن الرحلات والجغرافيا والطبيعة ... يبدأ "الأسعد" في سرد المسـرّة والتعرف على أصل ابن العلوي من ضمن عدة حكايات كونه ملازم ّ لأبن فضلان.. تتحدث المخطوطة والناس والباحثون والراوية عن تحولات روحية آلمت بأحمد بن فضلان بتأثير حياته في بغداد العباسية في فترة شهدت ذروة ازدهارا لحضارة العربية – الإسلامية كما شهدت بداية الانحدار الحضاري في الوقت نفسه" ... تبدأ من كونه راهب بوذي جاء مبعوثا من الهند والسند وأكثر ما أدهش الناس إنهم رأوه يحضر الصلاة في المساجد, وحلقات العلماء .. أو نبطيا من مدينة عين التمر أو سافانا الآرامية القديمة لإجادته العربية وارتدائه اللباس العربي وسمرته ذات الأصل الصحراوي الذي سفعته الشمس... في عصر نقلت فيه الجن الناس إلى ما وراء جبل قاف.. أو من بغداد ذاتها ومن باب الطاق تحديدا ً .. ويحـل ّ " الأسعد " لغز الغموض وموضع الشك حين وصلت إلى معهد اللغات الشرقية في " بطرسبرغ " مخطوطة شعرية تضمنت أرجوزة تروي حكاية شاب أطلقه إلى السفر لغز ٌ في نبوءة , مما جعل " كراتشكوفسكي " بكشف سـر ّ هذه الشخصية في رسالة المسـرّة بالتعرف على عرافة موهوبة بقراءة الطالع ومعرفة الكواكب تطلبه أو تطلب رأسه .. فيسألها النجاة , فتجيب وصوتها يكتسب رقة الماء نعومة حتى لم يعد يـُسمع له جرس ّ بل صلصلة نائية: "إذهب غريبا ً إلى حيث لا تكون أرض ٌ, ولا يكون بحر ٌ, وحيث لا يكون ليل, ولا يكون نهار " . وفي كل ذلك يظل ابن العلوي يقظا ً دائما ً يحاذر أن تدخل أشباحه من البوابات.. بوابات أحلامه وخيامه وأساطير حياته التي بدأ يعيشها بصحبة معلمه.. وحين تنتاب ابن فضلان لحظات تتبدل فيها أحواله وتتساقط الأفكار مثلما تتساقط الأوراق عن شجرة , ولا يبقى إلا نسغها ليعيد الحياة مجددا ً ويبث الحيوية في كلماته .. من يعرف من أين تأتي الأفكـار؟ بعضهم يقول من مدن الماضي وطرقاتها المتقاطعة في أعماقنا, بعضهم يقول من موانئ مشغولة لم نهبط فيها بعد , وبعضهم يقول من رنين الكلمات حين تتجاور وتتداخل , بعض يقول من قراءة العلامات , لكن أبن فضلان يقول إنها تأتي من الصحراء ومن صحراء الحجارة تحديدا ً... ابن فضلان عانى تجربته وأبرز ما فيه الرؤيا المزدوجة لعالم العقل الإنساني وعالم ما فوق العقل " الظاهر والباطن " أو لعالم الأبعاد المتوسطة, وعالم الأبعاد العليا, وهي الازدواجية نفسها التي عكستها الأحداث " فصل أساتذة بطرسبرغ " هل فقدت الطبيعة عقلها ؟ لم تكن الطبيعة هي التي فقدت عقلها في ذهن الشيخ عيـّاد الزهراوي وهو يقطع شارع " نيفسكي " في بطرسبرغ بخطوات واسعة لأن الطبيعة لم تكن أمام بصره, ولا في ذهنه , منذ أن غادر سهولها وجبالها الموحشة بل وحتى سماواتها الصامتة قبل ثمانمائة عام , واستقر معلما في حلقات المساجد وناسخا ً للمخطوطات وجامعا ً للأمثال والطرائف ونوادر المجـّان ومصححا ً للأخبار أو مفسرا ً لها ...أن التأريخ هو الذي فقد عقله في نظر الشيخ وليس الطبيعة , المكتوب لا الملموس , معاني الكلمات لا دلالاتها , التأريخ بأحداثه ومجراه المألوف , ومعه يومياته واهتماماته, وكأن القائم حوله عيـان ّ لا يراه ولا يصغي إليه , أو هو لا يستطيع مخاطبته لسبب ٍ ما. علينا التقدم بروّية ٍ إذا أردنا لحكايتنا أن تحكى بسرعة , وعلينا الانتظار, لأن الطرائد تأتي بسرعة إلى الصياد كما تقول الأمثال الروسية ... لقد رصد ابن فضلان الواقع بكل ما فيه من محاسن ومساوئ وقد صدمه كثير من المشاهد , ويحكي ما يروي بصراحة وبأسلوب مشوق واضح لا مجال للخيال عنده.. لعل طموح ابن فضلان كان يؤجـّجه هذا الحدس ُ بوجود صورة ٍ مختلفة للتفكير والحياة , نعرفها إذا خرجنا على الخط المستقيم , ووحدانية إما هذا أو ذاك , فقال بالتجاور والتماكن والتزامن, فانبثق من كل هذا معنى جديدّ للوجود في نفسه وفي ما حوله , بل ومعنى جديد ّ للموت والحياة , للألم والمسرّة, للأسى والبهجة , كأن الوجود معه تحـّول َ إلى شجرة ِ مسرّات . يقول الكاتب " ياسين النصير " : " مخطوطة ابن فضلان, أعني سيرته هي جمع لثقافة انتشرت وعم انتشارها الحقول فنبتت هنا وهناك في التاريخ وفي الجغرافية , في كتب الفلاسفة وفي قصائد الشعراء, ولأنها سيرة, والسيرة ليست طريقة سرد نقية دائما تداخل الشعر فيها بالحكي وتداخلت الفصحى بعامية التدوين , وأصبح لكل النصوص موسيقى الرصد والمتابعة وثمة حزن ينمو داخل السياق وكأنه يغمرنا في معنى التلاشي في ما كان ابن فضلان قد كتبه , هذا التلاشي الذي تجسد في تكرار الرواية والسرد جعل المخطوطة وما فيها موزعة على الأمصار والمدن والخرائط كما لو كان جسدا ً هندوسيا ً قد احرق بعد موته ووزع ترابه على كل الأنهار " .. الصمت هو الذي بدأ يتخلل الكلمات, أو أن الكلمات هي التي بدأت تغور فيه مثلما تغور النجوم في الليل الحي ّ , فلا تطفو سوى الظلال , ظلال ما كان وما سيكون .. وأخيرا ً يؤكد " الأسعد " بفضل الرحلة في تدوين اكتشافات حضارية نادرة ..ويسطرّ ون اسم أبن فضلان بحروف بارزة في تاريخ التواصل الحضاري واعتبارها نقلة نوعية في فن كتابة الرحلة العربية التي كانت غارقة في مفاهيم السرد فنقلها إلى مستوى التحليل الأثنوغرافي لشعوب وقبائل لم يكن العرب يعرفون عنها شيئا ً .. بل لم يكن العالم يعرف عنها شيئا...