‏إظهار الرسائل ذات التسميات أقلام وكتّاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أقلام وكتّاب. إظهار كافة الرسائل

شوكولا الأدب.. وقلَّة أدب الشوكولا

لم يحصل في الماضي، أن طالبتُ زوجي بطبق الـ(OSSO BUCCO )، إلاّ وأسرع بي إلى مطعم إيطالي، لعلمه أنني حتماً حبلى بصبيّ.
وفي السنوات الأخيرة، ما أضفت إلى قائمة المشتريات اليومية للبيت كلمة "شوكولا" حتى استنتج أنني أنتظر رواية، بعدما أصبحت الشوكولا أحد أعراض "وَحَمِي الأدبيّ". هكذا، اعتاد مع إحضاره الخضار واللحم والحليب وصابون الجلي ورغيف الخبز الافرنجي، أن يحمل لي لوحاً من الشوكولا، يضعه كلّ صباح على مكتبي كي يزوّدني بمحروقات الكتابة ووقودها، مضيفاً وردة "غاردينيا" يقطفها من حديقة البيت، ضاحكاً حتماً في سرّه، لكوني الزوجة التي لا يُكلِّف إسعادها شيئاً يُذكَر.
الواقع، أنّ مزاجي لاتتحكّم فيه إلاّ الشوكولا، وسعادتي مرهونة بطعمها الأسود المرّ. وبرغم كوني سافرت كثيراً إلى سويسرا، وأهداني الأصدقاء أفخم أنواعها، لم أتنكّر يوماً لشوكولا طفولتي. وكانت بسيطة سوداء، في لوح من أصابع عدّة، لم نكن نعرف غيرها، ولا نحلم بسواها مكافأة عند عودتنا من المدرسة.
ولأنّ شهيتي للكتابة تزداد في شهر رمضان، حدث أن أفطرت وتسحّرت على الشوكولا وعلى حبّات تمر وشيء من الحليب، ومازلت أذكر زمن كتابتي "عابر سرير". فقد كنت أضع زادي من الشوكولا على مكتبي، ولا أُغادر غرفتي إلاّ ساعة الإفطار لأسأل زوجي سؤالين: "هل عثروا على أسامة بن لادن؟". فيُجيب "لا".. و"هل تزوّج الحاج متولِّي بزوجة جديدة؟"، فيردّ "نعم". وبعدما أكون قد اطمأننت إلى مصير الأُمّة العربيّة.. أعود لأوراقي لأطمئن على مصير أبطالي.
منذ فترة عادت الشوكولا تتحكّم في مزاجي الروائي، واحتجت إلى مزيد من "بَلْوَتي السوداء"، بسبب انهماكي هذه المرّة في كتابة روايتين في الوقت نفسه، كلّ هذا وسط زحمة أسفاري وهروب شغّالتي، وورشة البيت الذي أعدت "نفضه" عن بكرة أبيه. لن أقول لكم أكثر، فأنا أحب أن أضع مولودي سرّاً على طريقة القطط، وكالقطة أقضي مدّة ما قبل الوضع "حايصة" أبحث عن مكان دافئ وصغير يليق بحميميّة الولادة. حتى إنني كثيراً ما حلمت بوضع مولودي الأدبيّ في غرفة شغّالتي، بينما لم تحلم القطط سوى بوضع صغارها في مكتبي، حتى إنّ قطة كانت في بيتنا، راحت تُجرِّب تارة سريري، حيث أكتب، وتارة جوارير الخزانة، كلما تركت أحدها مفتوحاً. وفاجأتها مرّة وهي تنام على فرو كنت أخبئه أعلى الخزانة، ولم أفهم ما بها، حتى فاجأتني بوضع صغارها الخمسة في سريري.
وأعتقد أنَّ البركة حلّت يومها في مكتبي، عندما تحوّل على مدى أسبوع إلى حضانة للهررة، واستحققت عن جدارة لقب "أُم هريرة"، الذي كان يُداعبني به زوجي، أو "بريجيت باردو الحي"، كما كانت تُسمِّيني أخته، قبل أن يمنعني مواء القطة وصغارها من العمل.. أو النوم، فأضطر إلى نقلها وإيّاها إلى مكان آمن في الحديقة، وأعود لكتابة "فوضى الحواس".
ربما عدت، لأحدثكم ذات مرّة عن علاقة المبدعين بالقطط، وكذلك بالشوكولا التي يبدو أنها تركت بصماتها السوداء على بعض النصوص الأدبية. ولأنني بُليت بها فأنا لا أنفك عن ملاحقة أخبارها. وقرأت مؤخراً عن مؤتمر طبي خُصِّص لدراسة فوائدها ومصائبها، وكنت أعرف لها قبل ذلك فائدة أكّدها المؤتمر، مساعدتها على التغلُّب على الشجون العاطفيّة. فكثيراً ما نصحت صديقاتي بتناولها أثناء القطيعة والمآسي العشقيّة، لأنها تمنحنا مزاجاً جميلاً، وتُساعدنا على مقاومة الكآبــة، والإحباط العاطفي. الخبر الجديد هو اختراع لصقة جلدية تساعد على تقليل الرغبة الْمُلحّة في تناول الشوكولا، (ورغبات أُخرى تنتاب مُدمنيها). الدليل: خبر من كولومبو نقلته الصحف عن قرد في حال هياج جنسي، أثار الذعر في بلدة وسط سريلانكا. بعدما أخذ يهاجم إناث القطط والكلاب، ويُطارد الفتيات، ويتحرّش بهنّ، وذلك حسب تفسير مَن رأوه، بسبب الشوكولا التي كان يتغذّى عليها ويسرقها من المتاجر.
ولا حول ولا قوة إلاّبالله.. أدركوني بلصقة مضادة لهذه الشوكولا الملعونة.

الوقت المناسب

كثيراً ما راودتني الرغبة في التوقُّف عن كتابة هذه الصفحة. كما مع كل سيجارة، تُراود الْمُدخِّن الرغبة في الإقلاع عن التدخين. غير أنّ المدخن وجد مَن يحذره من خطورة التدخين على صحته. بل وإرعابه، كما في فرنسا، بكتابة هذا التحذير على علبة السجائر نفسها، بخط أحمر كبير. يُعادل حجم حروفه حجم حروف عنوان هذا المقال. حتى إنّه يغطي ثلثها. ولمزيد من الإرهاب اختصر التحذير في كلمتين (Fumer Tue). بينما لا أحد تطوّع ليكتب على الصفحات البيضاء، التي يجلس أمامها الروائي والشاعر، ليكتب مقاله الأسبوعي "الصحافة تقتل"، على الرغم من إدراك الجميع، الكاتب كما القارئ كما رئيس التحرير، أنّ الصحافة تغتال الإبداع. وأنّ في هاجس المقال الأسبوعي الذي لا يكاد ينتهي منه صاحبه، حتى يجد نفسه أمام "واجب" المقال المقبل، إجهازاً على الحالة التأمُّليّة التي يحتاج إليها كل عمل كبير، وإطفاء للحريق الذي لا إنجاز إبداعياً من دونه.
بعض كبار الكتّاب، أدركو باكراً أنّ الكتابة الأسبوعية لا توفر شروط الإبداع للكاتب، وتشوش أفكاره، وتؤثر في جودة عمله ونوعيته. وهي قبل هذا وذاك. تَشغل الكاتب عن واجبه التأملي. فالكاتب وحده يدري أنه "لا يكفي عُمر واحد لتأمُّل شجرة". فما بالك لتأمُّل هذه الغابات والأدغال التي نحن محكومون بالعيش فيها، التي يقع على قلمه مُهمَّة وصف تماسيحها، وأُسودها، وقُرودها، وحشراتها. كما طيورها وصقورها وفراشاتها وزهورها البرية.
في كلّ موسم أدبي ومع صدور الأعمال الروائية في فرنسا، وإعلان ترشيحات الجوائز الكبرى التي تحوم حولها دائماً أسماء عربية، يتردّد طرحها على السوق، لجدارتها، وأحياناً لسبب آخر. ثمَّة قاسم مشترك بين معظم هؤلاء الكتّاب، هو تفرّغهم لعملهم الأدبي وهجرانهم الصحافة، بل وتطليقها ثلاثاً.
أمين معلوف لم يكتب مقالاً منذ ثلاثين سنة. مذ كان يعمل مع زوجي في جريدة "أفريك آزي" الفرنسية فيالسبعينات. وقع في شرك الرواية عندما طُلب منه كتابة تحقيق عن تاريخ الحرب الصليبية، أفضى به البحث إلى سحر التاريخ، وصنعت منه موهبته وذكاؤه في توصيف الأحداث التاريخية واحداً من أكبر روائيي العالم. ما كاد ينجح عمله الأوّل حتى استقال من المجلة، مُسرّاً لزوجي بأنه لن يكتب بعد الآن مقالاً حتى لو دُفع له مقابله عشرة آلاف فرنك فرنسي.
كان في إمكانه الاستناد إلى ناشره الذي، ككل الناشرين في فرنسا، يُقدِّم مبلغاً شهرياً محترماً للكاتب الذي يراهن على نجاحه، مقابل التزام الأخير بإنجاز عمل كل سنتين على أبعد تقدير.
بينما تبدأ مصيبة الكاتب العربي مع الناشرين، حين ينجح. وعندما يقع في ضربة حظ على ناشر أمين لا يَسرق حقّه ولا يطبع أكثر ممّا يُصرَّح له به. يقع الاثنان في مخالب قراصنة الكُتب الذين يتربّصون بكل كاتب ناجح، فيعيدون إصدار كتبه في طبعات مقرصنة في كل البلاد العربية، سارقين حقّه وجهده. واثقين بعدم قدرته على ملاحقتهم.
إبراهيم الكوني في انهماكه في كتابة ملاحمه الروائية، يرفض حتى الاطِّلاع على الصحف. فما بالك بالكتابة فيها. فالرئيس القذافي يرعاه شخصياً، مُراهناً على قلمه لتجميل صورة ليبيا في المحافل الأدبية. كذلك الجزائرية آسيا جبار المرشحة لـ"نوبل" الآداب، ومثلها ياسمينة خضراء، الضابط الجزائري السابق، الذي طلّق كل شيء ليتزوّج الرواية. لكن أعود وأتذكّر امبرتو إيكو، المفكر الإيطالي الْمُبهر، صاحب "الاسم الوردة"، الذي جاء متأخراً إلى الرواية، حين يقول "أنا راوي قصص أُصلح أُسلوبي بكتابة المقالات. على عكسه، أكاد أقول إنني روائية أفسدت لغتها وشاعريتها بكتابة المقالات، على الرغم من محاولتي توظيف هذه الصفحة لمواكبة فجائع هذه الأُمة، وتمرير رسائل مباشرة لا تصلح "الرواية" ساعي بريد لها. إنني كيوسف إدريس، الذي سُئل: "لماذا هجرت القصّة إلى المقالات الصحافية؟". فأجاب: "لا يمكنني أن أجلس لكتابة قصة بينما النار تشتعل في ستارة الغرفة!". كان للرجل أولويات مختلفة عن نجيب محفوظ. لهذا سرق منه هذا الأخير جائزة "نوبل". ذلك أنه لم يكن من الفطنة، ليُدرك أنّ الصحافة "مملكة الأشياء سريعة الزوال"، ولا استفاد من نصيحة همنغواي الذي عمل سنوات مُراسلاً حربياً، ثــمّ غادر الصحافة إلى عرش الرواية، التي أوصلته إلى "نوبل"، مُصرِّحاً "إنّ الصحافة مُلائمة للروائيّ، ولكن عليه أن يعرف كيف يتركها في الوقت المناسب".
كلُّ ذكاء الروائي في التعرُّف إلى الوقت المناسب حين يحيـن!

سيِّد التفاصيل

قلت للراحل الكبير مصطفى العقاد ذات مرة إنني أحسده على غليونه، لاعتقادي أنه مدين له بكثير من أفكاره، وبذلك الهدوء الظاهري الكاذب الذي يُخفي عن الآخرين غليانه الداخلي كمبدع.
سقط غليونه في بركة دمه. لن نعرف أيّة فكرة كانت تراوده وهو يسحب منه نَفَساً، ما ظنّه سيكون الأخير.
هو سيِّد التفاصيل، والأشياء التي تتكلم سينمائياً أكثر من أصحابها. أذكر تلك اللقطة التي تقع فيها النظارة الطبية لعمر المختار على الأرض، معلنة نهاية "أسد الصحراء"، وسقوطه على أيدي من قضى عمره في التصدي لهم.
تُراه أدرك وغليونه يتطاير من فمه، مع أشلاء ثمانية وخمسين شخصاً، أحدهم أميرة قلبه ريما، ابنته الشابة الجميلة التي كان ينتظرها في بهو الفندق عروساً جديدة، جاءت تحضر عرساً. تُراه أدرك أن الموت كان بجواره، يدخن أيضاً غليونه الأزلي، في انتظار خطفها من حضنه، لحظة الضَّمة الأولى؟
سيد التفاصيل، ما توقع أن حزاماً من المتفجرات تحت عباءة الإسلام، الذي زرع لواءه في كل أرض حلّ بها، سينسف في لحظة حقول الياسمين والزنبق التي قضى عمره في ريِّها بموهبته وصبره، كي يبدو العرب جميلين، والإسلام مُزهراً ومُورقاً بحضارته وإنسانيته ورسالته.
هو الذي حارب أعداء الإسلام حتى في عقر دارهم في هوليوود، كان قدره أن يموت ميتة "حلال" على يد زوجين متطرفين قررا أن يذهبا في نزهة قتل، مستقلين نقليات الزرقاوي الموصلة إلى.. الجنة. ذلك أن الإسلام، حسب عقيدتهما "شجرة لا تُروى إلاّ بالدم".

كان يظن، قبل أن تهديه العروبة كابوساً لن يستيقظ منه، أنه صانع الأحلام العربية الكبيرة، وزعيم أنشأ بملحمتي "الرسالة" و"عمر المختار" حزباً من المشاهدين. فقد سعى دوماً، وهو الناصري حتى العظم، إلى توحيد أمته قومياً وتراثياً ودينياً.. الأمة التي في إحدى غارات المسلمين على الإسلام، استكثرت عليه فرحته بلمِّ شمله مع ابنته.. وأهدته "وحدة الموت".
أما كان نزار على حق عندما صاح من قهره:
أنا يا صديقتي متعَب بعروبتي
فهل العروبة لعنة وعقاب؟
مثل ابن بلده مصطفى العقاد، نزار السوري القومي الناصري دفع ضريبة عروبته عندما، أيام الحرب اللبنانية، خطف منه الموت العربي الهمجي حبيبته وأم أولاده، في إحدى غارات العرب على إخوانهم العرب، فسقطت بلقيس قتيلة تحت أنقاض السفارة العراقية، وكتب نزار يومها وهو ينزف ما جال حتماً في قلب العقاد، خلال يومين وهو في العناية الفائقة، قبل أن يعود للحياة ليسأل عن ابنته.وما كاد يعرف بمصيرها حتى لحق بها، متأثراً بجراحه وصدمته النفسية: "ها نحن يا بلقيس/ ندخل مرة أُخرى لعصر الجاهلية/ ها نحن ندخل في التوحش/ والتخلف.. والبشاعة.. والوضاعة/ ندخل مرة أُخرى عصور البربرية/ حيث الكتابة رحلة بين الشظيّة والشظيّة/ حيث اغتيال فراشة في حقلها صار القضية// ها نحن نبحث بين أكوام الضحايا/ عن نجمة سقطت/ وعن جسدٍ تناثر كالمرايا/ ها نحن نسأل يا حبيبة/ إن كان هذا القبر قبرك أنت/ أم قبر العروبة//
بلقيس: إن قضاءنا العربي أن يغتالنا عرب/ ويأكل لحمنا عرب/ ويبقر بطننا عرب/ ويفتح قبرنا عربٌ/ فكيف نفرُّ من هذا القضاء؟//
لن أقرأ التاريخ بعد اليوم/ إن أصابعي اشتعلت/ وأثوابي تغطيها الدماء/ ها نحن ندخل عصرنا الحجري/ نرجع كل يوم، ألف عامٍ للوراء!".
كُتبت هذه القصيدة سنة 1982. ماذا كان في إمكان نزار أن يضيف، لو أنه مازال بيننا اليوم؟

أيتها النساء.. لا تبكين الضفادع

لا مناسبة دامعة لكتابة مقالٍ عن البكاء، عدا، ربما، سعادة ذكّرتني في جموحها بدموعٍ سابقة. وإذا بي أُفسد فرحتي، بحزني على سخاء دمعي في ما مضى. أُريد استرجاع دموعي التي ذرفتها هباءً بغباء نسائي• وأعتقد أن جميع النساء شاركنني يوماً في هذا المطلب.
أجد عزائي في قول نزار: "إن الإنسان بلا دمع ذكرى إنسان"> غير أني لفرط ما كنت إنساناً، أو بالأحرى "إنسانة"، بكل ما تعنيه تاء التأنيث من سذاجة، نسيت أن أُبقي بعض دموعي لفرحة كهذه، أن أحتفظ بها كما كان نيرون يفعل، إذ بكى يوم إحراقه روما. دمعتان مقابل مدينة تحترق بكل عظمتها. طالَب بإناء صغير لجمع دموعه فيه قطرة.. قطرة. لم يجرؤ أحد على تنبيهه إلى أن الدمع يتبخر ويجفّ، وأنه صالح للاستعمال مرة واحدة. فالدمع نبع يتدفق حتماً نحو الأسفل، ولا مجال لإعادته لمنبعه، كاستحالة إعادة المطر صعوداً نحو السماء. وحده الحزن في إمكانه أن يفعل ذلك عندما يتحرش بالذاكرة. ذلك أنه عندما يتوقف دمعنا، تبدأ دموع الأشياء من حولنا في الانهمار. إنه كيد الذاكرة، في محاولة استدراجنا للبكاء أثناء دعوتنا إلى المشي إلى الوراء.
وهنا "كل واحد وشطارته".. البعض، عن خبرة أو عبرة، ينجو من الفخاخ التي تنصبها له الذكريات. وآخرون، أعني أُخريات، يغرقن هناك في بركة دموعهن، مزايدات على الخنساء عويلاً.
فبينما يُباهي الرجل بكونه "عصيّ الدمع شيمته الصبر" تفاخر المرأة بأن لا صبر لها، وتعرض فائض دمعها على جلاّدها، حتى إنّ إحدى بنات جنسنا الغبيّات تذهب حدّ مطالبته بجلسة استجواب لمخدتها وشراشفها ومناديلها الورقية: "اسأل دموع عينيّ.. واسأل مخدّتي.. كم دمعة رايحة وجاية، اسأل.. اسأل..". ولا جدوى من محاولة إعادتها لرشدها.. "يلعن أبوه هذا الذي يبكيك ويسعد برؤيتك تذبلين كل ليلة.. ليذهب إلى الجحيم.. كوني قويّة.. لا تهاتفيه.. اقتليه تجاهلاً.. لا تلتفتي إلى الخلف.. ستجدينه أمامك عندما سيعتقد أنه خسرك.. استمتعي ببكائه السرِّي.. اصبري قليلاً فقط!". لكن أُختنا في الغباء تنهزم وتهاتفه، وتجهش بالبكاء طمعاً في استعادته بفائض دمعها.
نشف ريقي وجفّ قلمي وأنا أُردِّد يا أيتها النساء.. احفظن هذا الدرس جيداً• هو درس واحد فقط: الرجل لا يتعلّق بامرأة تَبكيه (بفتح التاء).. بل بامرأة تُبكيه (بضم التاء). فهل، وقد وصلت النساء العربيات حدَّ قيادة الطائرات الحربية، لم يزلن عاجزات عن التمييز بين التاء المفتوحة.. والتاء المضمومة؟
"النساء كلّهن سواء.. فهن يعتقدن أن مجموع 5 = 2 + 2 إن هنّ بكين".. نكتة كان يُطلقها برنارد شو، كي يستخف بنا.
الحقيـقة، أن النساء لطالما بكــين، لاعتقــادهـن فــي كلِّ حــبٍّ أن 1 = 1 + 1. لكن، الانصهار الذي حلمن به دائماً مع الرجل، كثيراً ما تحوّل إلى انشطار فجائعي، لحظة اكتشافهن منطقه الأنانيّ في الحساب. إذ في إمكان 1 + 1 أن يساويا لديه ثلاثة فأكثر، بحكم اعتقاده الراسخ، أن امرأة واحدة لا تكفي لتكون "نصفه".
صحيح أننا عادة لسنا متفوقات في الحساب، لكن الخطأ هنا يكمن في كوننا نقيس بقلوبنا ويقيس الرجال بباقي أعضائهم. ولابد إذن من توحيد المقاييس تفادياً للخيبات والصدمات.
مناسبة هذا الكلام في الواقع، إعجاب كثيرٍ من القارئات بمقال قديم كان عنوانه "أيتها النساء توقفن عن تقبيل الضفادع"، في إشارة إلى نساء مازلن يصدّقن تلك الأسطورة، التي تقبّل فيها فتاة ضفدعاً جميلاً يقف حزيناً على طرف بركة، وإذا بقُبلتها تُفسد مفعول سحر حلّ به، ويتحوّل الضفدع إلى أمير عاشق يطلب يدها.
أما وقد فهمت قارئاتي أنهن لن يعثرن على فارس أحلامهن بين الضفادع، بقي أن أنصحهن بالتوقف عن بكاء ما عرفن من ضفادع. فبحكم وجودها في المستنقعات، لا تميّز الضفادع بين الدمع الغالي، الجاري على خدود العذارى، والماء الآسن الذي تعيش فيه!
كلامي إلى صديقتي القارئة التونسية.. تلك.

كلُّنا من أمر البحر في شك

انتهى زمن الأعاصير الجميلة، التي تغنَّى طويلاً بها الشعراء. حتى الأميرة ستيفاني، ستتردّد اليوم قبل أن تُغنِّي أغنيتها الشهيرة تلك"مثل إعصار". فالجميلة المتربّعة فوق صخرة موناكو، تدري الآن أنه ما عاد في الإمكان. حتى من باب الدعابة، أن تمازج إعصاراً أو تتغزّل به، خاصة أنَّ بعض أعاصيرها العشقيّة قلبت الإمارة رأساً على عقب.
لا أحد الآن في مأمَن من طوفان أو إعصار أو زلزال، سواء أكان يسكن مدينة تحت مستوى سطح البحر، وسطح الفقر، أم إمارة مُعلّقة على صخرة النجوم. فقد أثبت "تسونامي" أنَّ في إمكانه تسلُّق طوابق عدَّة، وابتلاع أُناس كانوا يعتقدون "أنّ البحر يبتسم"، كما اعتقد الجزائريون منذ سنتين أنّ المطر الذي انهمر عليهم بغتة كان استجابة لصلوات الاستسقاء، وإذا به يُخبّئ لسكان العاصمة أكبر فيضان عرفته الجزائر، ذاهباً حدَّ خطف أُناس باغتهم في الشوارع.. وابتلاعهم عبر المجاري ليُلقي بجثثهم بعد ذلك إلى البحر.
كما الحبُّ "كلّنا من أمر البحر في شكّ"، نرتاب من مجاورته ونشكُّ في حُسن نواياه. فما عاد البحر يهبنا اللؤلؤ والمرجان والحيتان، بل الفيضانات والدمار والأعاصير الاستوائية والحلزونية، التي لا رقم معروفاً لضحاياها.
كل الأسماء النسائية والرجالية التي تطلقها هيئات الرصد الجوي، لتمنح كوارثنا "الطبيعية" اسماً، تضافرت وتناوبت لتهزّ ثقة الإنسان بسيادته على هذه الأرض•
مَن المعتدي؟ الإنسان.. أم الطبيعة؟
إذا احتكمنا إلى إبراهيم الكوني، الذي يقول في كتابه "ديوان البرّ والبحر"، إنّ الطبيعة بيت اللّه الذي ندنّسه بدل أن نتعبّد فيه، يكون الرئيس المؤمن بوش، قد دنّس بيوت اللّه كثيراً، و تجنّى على الطبيعة كما تجنّى على البشر. فقد أصرّت إدارته على الرفض القاطع التوقيع على معاهدة كيوتو للاحتباس الحراري التي أدت إلى ارتفاع درجات الحرارة، في المحيطات، ما تسبَّب، حسب الخبراء، في تشكيل الأعاصير الواحد تلو الآخر. ذلك أنّ القرار الأميركي يصنعه الأثرياء، أصحاب الشركات الأكبر من الدول، ويدفع ثمنه فقراء العالم، وفقراء أميركا الذين ما كنّا لنعرف مدى فاقتهم، لولا فضيحة هذا الإعصار. الْمُسمّى "كاترينا".
نفهم تماماً، أن يطالب أنصار البيئة بإطلاق أسماء الأعاصير على السياسيين، مقترحين أسماء جورج بوش، وكونداليزا رايس، وتوني بلير، ورامسفيلد، باعتبارهم مسؤولين عن معظم الكوارث الطبيعية التي تحيط بالعالم، وتتسبّب في اتِّساع ثُقب الأوزون، و ارتفاع حدّة التلوّث في العالم، إضافة إلى الحروب التي يُشعلها سوق السلاح. ففي أميركا، حيث تخترع شركات الدواء العملاقة الدواء أولاً، ثم تخترع له مَرَضَاً يليق برواجه، دَرَجَت الحكومات الأميركية على إشعال حروب لاستهلاك ترسانة أسلحتها واختبار الجديد منها، غير عابئة بما ستخلِّفه قنبلة نووية على مئات الآلاف من البشر في هيروشيما، أو ما ستتنفسه الأمهات من سموم، تشهد عليها تشوهات الأجنة والمواكب الجنائزية المتتالية لنعوش أطفال العراق.
نكبة أميركا ليست في شعبها، الطيِّب غالباً، والساذج حدّ تصديق كلِّ ما يتنفّسه من سموم إعلاميّة. نكبتها في حكّامها الذين يصرُّون على سياسة التفرُّد والاستعلاء، حتى على الطبيعة. فبوش، الذي ابتدع "الحروب الاستباقيّة"، ما كان في إمكانه أن يستبق إعصاراً أو يلحق به. ذلك أن أولوياته هي غير أولويات مواطنيه، بحُكم أنه الراعي للإنسانية والقيم السماوية.. والموزّع الحصري للديمقراطيّة على جميع سكان الكرة الأرضيّة. فأين له أن يجد الوقت ليوزع الإغاثة على المنكوبين من مواطنيه، وهو مشغول بتوزيع جيوشه حسب الخرائط التي تمدّه بها الشركات البترولية في معقله في تكساس؟
الجبابرة، سادة العالم وأنبياؤه المزيّفون، عليهم ألاّ يعجبوا إن هم ما استطاعوا احتواء غضب السماء، ولا غضب الأرض. ما الطبيعة إلاّ يـد اللّه، وكان لابد لجبروتهم أن ينتهي تحت أقدامها.

واقعية الزواحف!

خيري منصور/ كم اخطأنا عندما صدقنا ان الخيال حكر على الشعراء والحالمين ، وانه نقيض الواقع ، ثم صنفنا أنفسنا بين خيالي وواقعي ، وأذكر ان عبارة استوقفتني لارنست فيشر قبل اكثر من ثلاثة عقود هي انه من واقع على الاطلاق ، لأن الخيال واقع مركز الخيال أداتنا حين نشتري سيارة أو حتى حذاء ، فما من شيء نقف لنتأمله قبل اقتنائه الا ونتخيل أنفسنا فيه ، حتى الهدايا سواء كانت لأطفالنا أو لأصدقائنا أو لمن نحب نتخيلها على هؤلاء قبل ان نحدد اختيارنا.
الخيال نبع أخلاقي لا ينضب ، وهو الذي يجعلنا نشعر بالأسى عندما يفقد الآخرون أعزاء عليهم لأنه يتيح لنا ان نضع أنفسنا مكانهم أو كما يقول المثل الانجليزي "في أحذيتهم" لهذا امتاز الانسان عن سواه من الكائنات بأنه يموت مرارا قبل أن يموت ، ويفقد قبل ان يأزف موعد الفقدان ، وشحة الخيال هي التي توهم ضحيتها بأن المأساة هي من نصيب الآخرين. اما الذات فهي معصومة.. وكم كانت الحكمة آسرة في ذلك السطر الذي نقش على قصر في احدى عواصم العرب وهو لو دامت لغيرك لما وصلت اليك ، لكن من يتذكر في سعار هذه الحياة وزحامها المجنون؟.
حتى الذاكرة ليست نقيض الخيال ، فالانسان لا يتذكر الا ما رأى أو سمع ، وبالتالي فان خياله هو اعادة انتاج لتلك المرئيات والمسموعات وحتى المشمومات ، لكن بعد أن يضيف الى الذاكرة مهارة الحاضر،.
نحتاج الى الخيال كي نتأكد بأن الموت والمرض والفقر والجهل ليس من نصيب الآخرين فقط ، وان مجرد مصادفات هي التي غيرت المصائر ولو ولد اينشتاين في قرية عربية في القرن التاسع عشر لكان في أحسن الأحوال سائق عربة أو سائس خيل ، ولو تورط تشرتشل بأخطائه المدرسية التي لفتت اليه انتباه معلميه بالولادة في احدى قرانا لكان مجرد سائق لضابط انجليزي في عهد الانتداب أو بائع خيار متجول،،.
ان كلمة واقعي رغم تكرارها مرات عديدة في حواراتنا اليومية تبدو عديمة المعنى اذا قصد بها أن تكون نقيض الخيال ، فالسلاحف واقعية وكذلك الصراصير ، لكن الكائنات التي ابتكرت التراجيديا واستشهدت دفاعا عن حياة الآخرين لها من الخيال ما يفوق الواقعيات كلها على اختلاف التسميات والتصنيفات المدرسية، وقد اتضح ان معظم القتلة والمجرمين يعانون من أنيميا الخيال ، لهذا لا يخطر ببالهم احتمال ضبطهم متلبسين بما اقترنوا ، والقصاص الذي ينتظرهم لأنه ما من جريمة كاملة، حتى هذه الجريمة التاريخية الفظيعة التي أعادت الانسان قردا في الألفية الثالثة،،.
ان من لا يعيشون بالخبز وحده لن يعيشوا بالواقع وحده ، تماما كما ان من يعيشون بالورد وحده لن يستطيعوا البقاء على قيد الحياة ، فالجدلية خالدة بين الذاكرة والخيال والذات والآخر ، كما هي كذلك بين الموت والحياة والأفراح والأتراح ، ولا أظن ان الخيال بحاجة الى من يدافع عنه لولا ان الواقعية الزواحفية فرضت علينا ذلك.. ما دام هناك بشر لا يموتون الا عندما يموتون ولا يفقدون الا عندما يطرق الفقدان أبوابهم الموصدة،.
ولا ندري ما اذا كان المقصود بالواقعية التأقلم الحربائي والببغاوي مع كل طارىء من اجل البقاء على قيد الحياة في بعدها العضوي فقط أم احتقار الورد لأنه لا يؤكل ولا يطبخ كالبصل؟.
وهذا الفصل التعسفي بين الرغيف والوردة وبين المهد والتابوت وبين الممكن والمتحقق هو فك ارتباط بين الانسان وذاته،،.

المصدر/ جريدة الدستور

طلب السعادة... أول أسباب التعاسة!ّ

منذ انفجار الأزمة المالية العالمية قبل سنة أو نحوها صدرت مئات الكتب، بلغات الأرض كلها، ومع ذلك يمكن أن أقسمها في ثلاثة مواضيع رئيسة، هي: كيف وقعت الأزمة؟ كيف تحل الأزمة؟ «ولا يهمّك».
أعرف كيف وقعت الأزمة فقد كنت شاهداً على تاريخها، ولا أصدق أي مدعٍ مغرور يعتقد بأنه وحده من بين أهل الأرض يعرف الحل، لذلك اكتفيت بالتسلية مع النموذج الثالث الذي يقول إنه على رغم الأزمة يمكن للإنسان أن يبقى سعيداً.
ربما أوجزت هذا النموذج بكتاب عنوانه «السيطرة على الضغوط: توقف عن القلق وأشعر بالراحة الآن»، من تأليف بول ماكينا، وترجمة هذا الكلام الى عربية يفهمها القارئ هي: لا تِهتم ولا تِنغَم.
كيف؟ عندي مشكلة قومية هي القضية الفلسطينية، وعندي مشكلة شخصية هي الفلوس، فكيف أسعد معهما؟
المؤلف يقول عن طريقة حل كل مشكلة: أولاً: أن تبحث عن ثلاث ايجابيات فيها، وأنا لم أجد ايجابية واحدة. وثانياً، ما هو الحل الذي لا تريده، وأقول إنه الحل الذي تقبل به اسرائيل أو البنك. وثالثاً ماذا أنت مستعد أن تفعل لتحصل على النتيجة المرجوة، وأقول «إيدي بزنارك» فنحن مستعدون أن نفعل أي شيء، وهذا منذ أجداد أجدادي ومن دون جدوى. ورابعاً، ماذا أنت مستعد للتوقف عن طلبه في مقابل الحل، والرد أنني تنازلت عن 78 في المئة من فلسطين ولم أعد أصر أن أكون أغنى من بيل غيتس. وخامساً، كيف تحرك نفسك لعمل المطلوب واقترح أن يحرّك، الجانب الآخر نفسه. وسادساً، ماذا تستطيع أن تفعل لتسير الأمور في الاتجاه الصحيح، وجوابي أنني فعلت كل ما أستطيع، والى درجة أنني بدأت أقرأ كتباً لا علاقة لها بقضيتي بحثاً عن حل.
مع ما سبق وجدت أن مجلة احدى صحف لندن وقفت عددها كله أخيراً على السعادة، وبالاضافة الى مقالات الخبراء من علماء نفس وغيرهم، كانت هناك مقابلات مع قراء، من كبار وصغار، مشهورين ومغمورين، وكل واحد يقدم «روشتة» للسعادة، أو التفكير الايجابي، ودنيا السياسة والمال العام والخاص تنهار من حولنا.
وجدت سبع خطوات للسعادة ليس بينها واحدة تقترح حساباً سرياً مرقماً في بنك سويسري، وإنما كانت من نوع: كن ايجابياً، وأنا أحاول وأقرأ ما لا يُقرأ طلباً للايجابية هذه. وكن شجاعاً، وأنا شجاع جداً لأنني في لندن، وعلى بعد ألوف الكيلومترات من اللقيطة اسرائيل. وتأمّل بمعنى فكّر، ومشكلتي أنني كلما فكرت ازددتُ قلقاً، وكن لطيفاً مع نفسك، وأرى أن المطلوب أن يكون مدير البنك لطيفاً معي. واستفد من تشاؤمك والمقصود أن تسرّ إذا لم تقع الأشياء السلبية التي توقعتها مع أنني أزداد قلقاً في مثل هذه الحالة لأنني لا أفهم كيف لم تقع. وفتش عن قضية، وأرى أن القضية الفلسطينية تكفي العرب والمسلمين حتى يوم القيامة. وأخيراً تصرف بسعادة، وهذا ممكن إذا ألغى الواحد منا عقله.
ما سبق «حكي»، والصحيح أن الانسان لا يبدأ يومه قلقاً، أو متشائماً، وإنما يستيقظ وهو منفتح على الدنيا، ثم يسمع الأخبار ويراها على التلفزيون ويبدأ القلق. وأجد أنني أقل قلقاً من جار لنا، فأنا أقلق وأعض أظافر يدي، أما هو فبعد أن استهلك أظافره بدأ يعض أظافر زوجته.
وحقيقة الوضع هو أن القلق والتعاسة التالية مبرران تماماً فلا حل للقضية الفلسطينية مع حكومة الفاشست في اسرائيل، والأزمة المالية أصابت الجميع، وبعدما كان جارنا يريد أن يكون ثرياً الى درجة أن يرسل الصحون والملاعق للتنظيف على البخار، اضطر أخيراً الى بيع غسالة الصحون.
وهو هبطت طموحاته المالية حتى أصبح يسعد أن يجد في العداد بقية من وقت ليركن سيارته في الشارع.
ربما كان الحل ليس في الكتب والمقالات، وإنما بترويض النفس على أن المشاكل القومية والشخصية لا حل لها، فإذا صبرنا عليها نعتاد على نكدها. أما طلب السعادة على رغم «المعطيات» فأراه أول أسباب التعاسة، وعلى الأقل فهذه «مريحة» لأن الحزن لا يحتاج الى أكثر من شخص واحد، أما السعادة فلا تتحقق إلا بالمشاركة.
الحرب العالمية الثانية أدت الى ذيوع كتاب عنوانه «دع القلق وأبدأ الحياة» صدر سنة 1948 أيام التقنين والإعاشة في أوروبا والمجاعة في الشرق الأقصى، ولا أزال أذكر للكتاب ومؤلفه ديل كارنغي قصة طريفة فقد كان المؤلف «من أتعس شباب نيويورك» كما قال عن نفسه، وهو كان قلقاً حتى الموت، وكلما حاول علاج قلقه ازداد قلقاً وبؤساً.
لا أعتقد بأن الكتاب القديم هذا أو أي كتاب جديد، أو دراسة، سيفيدني فالسعادة في ظل الأزمة الحالية تحتاج الى قدر من التفاؤل ليس عندي، وإنما عند رجل في التسعين تزوج فاشترى بيتاً قرب حضانة أطفال

المصدر/ المنبر العربي

عولمة الحبّ

ميساء سلوم/ هكذا فهمنا فكرة العولمة مشروعآ كونيّآ للمستقبل قريّة صغيرة ظاهرة اقتصاديّة في خلفيتها وفحواها وأبعادها . وما علاقاتها بباقي مجالات الحياة السياسيّة ..والأجتماعية والثقافيّة والإعلاميّة سوى مظاهر لنتائج تطبيق وإسقاط ظاهرة العولمة الاقتصاديّة على هذه المجالات . صحيح أن العولمة في منطلقها ظاهرة اقتصاديّة بمعنى دمج اقتصاديّات الدول المختلفة بكافة تعاملاتها وتبادلاتها في اقتصاد سوق حرّة واحدة للوصول إلى تكتّل استثماري عالمي بجميع الموارد والمواد والأسواق , لكن يجب أن لاننسى أن الاقتصاد بحد ذاته لايعدّ كيانا مستقّلا من جهة قدرته على إقامة مجتمع متكامل , إنما هو واحد من عديد من الجوانب الحياتيّة الأساسيّة التي ترسم بتفاعلها مع بعضها البعض الملامح العامّة لكل دولة, وبالتالي أي توجّه أو تحرك يقصده الاقتصاد لابد أنه سوف يطال مايرتبط به من باقي الجوانب ويمسّها بشكل ما.
ووسائل الإعلام اليوم هي أوضح تلك الجوانب بروزاً، وأحد أعمق الجوانب الحياتية تأثيرا في كيان الفرد والمجتمع, إلى حد أنه صار بمقدور تلك الوسائل خلق مجتمع جديد من مجتمع قائم متغاضيآ عن كل خصائصه السابقة وذلك بما توصّل إليه من تقنيات ترغيب, وأساليب جذب تخاطب نفسية الإنسان بمداعبة عواطفه لتكسبها ومحاكاة مشاعره لتربحها, وباتباعه منهجية إقناع ومنطق تحاور العقل لتبرمجه وتفاوض الإرادة لتسيّرها. لذلك نرى العالم اليوم قد امتلك وطوّر مؤسسات إعلاميّة أخطبوطيّة ربطت أقاصي العالم بشبكة تقنيّة معلوماتيّة مذهلة التنظيم والإمكانيّة في إلغاء الجغرافيّات, وتجاوز الحدود, سعيّآ لترويج منتجاتها السلعيّة وبضائعها الفكريّة لتعيد ترسيم الواقع ولإحداث تغيير في الحالة الثقافيّة, فاتّسعت مساحتها , وازدادت خصوبتها. وما الفضائيّات العربية إلا شريكا أساسيّا وهامّآ في معادلة الدمج الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي وهدفآ حقيقيآ في إنتاج إنسان آخر .
اليوم المشهد حزين جدآ ...دماء ...دماء...حروب ..مجاعات ..أمراض..كوارث ... العالم يتخبّط ...في كل مرّة أقف متسائلة :(وأنا كإعلاميّة ومذيعة أنقل الأخبار غير السارة) : أين نحن مما يجري حولنا ..؟ ماهو حال شبابنا بالتحديد..؟وما حالنا معهم..؟ وبالتالي ماحال مجتمعاتنا..؟ماذا أعددنا لهم من أدوات تساعدهم على أخذ مواقعهم الصحيحة ..؟ العالم يضّطرب ,وهو اليوم في القرن الحادي والعشرين أكثر من أي وقت مضى يعيش هذه الحالة.
ربما نحن اليوم بحاجة إلى رؤيّا ( با لألف الممدودة )وهي معيار غريب لم نعره أي اهتمام ولكني أحبّه كثيرا ,وهذا مايتعلق ليس فقط بثقافة الإنسان وفكره وإنمّا بقيمته التي هي جوهره ..الكتاب المقدّس يقول: "بدون رؤيّا يجمح الشعب" مالمقصود..؟
الرؤيّا : (هي التي تتلمس للأصمّ آذانآ وللأعمى عيونآ وللكسيح أقدامآ ) شئ رائع
بدأنا نسمو فوق العقل .. (نسمو بالروح).
إن وسائل الإعلام اليوم المتعدّدة تمتلك القدرة على تضليل عقول البشر وتجريديهم من العمق الروحي كونها النافذة الأهم للتواصل البشري والقناة الأمثل قي التكوين المعرفي والاطّلاع الحضاري ..والتلفزيون الفضائيّ تحديدآ هو مدرسة الشعب المفتوحة على مدار 24 ساعة, انه في متناول الجميع بسهولة ويسر..وأنماط السلوك التي تطرحها العولمة من خلال هذه الأداة موجّهة بالدرجة الأولى للشباب لأنهم الأقدر على الاستجابة والتقبل السريع لأي مفاهيم جديدة خارجة عن المألوف,تقدّم إليهم بجذب وانتباه وبوسائل باهرة وبطرق تقنيّة تؤثّر في نفوسهم وفكرهم وبالتالي
في سلوكهم وحياتهم.
اذآ باختصار نحن أمام عشرات الملايين من الشباب الذين يتوقون إلى الأداء السريع وإحراز النتائج الفعاّلة ..فثورة المعلومات وتراكمها جعلا هذا الجيل يتأثر بانجازاتها دون الحاجة إلى انتظار الخبرات الحياتيّةالطويلة .. ولكن هل نتركهم أدوات أوانسانآ آليآ يتحرك بأوامر مبرمجة في قلب هذه الثورة الإعلاميّة والتي تبدت أبسط تجلياتها بالقدرة على عبور الأرض وما أنتجته من فضاءات وسماوات أيضا ...؟ منذ فترة كنت في زيارة خارج سورية ...وكما هو الحنين دائمآ في بلاد الغربة للوطن وتفاصيل الوطن, فتشّت عن الفضائية السورية وجدتّها...وفرحت..وإذ بفيلم تلفزيوني
سوري من إنتاج الهيئة العامّة للإذاعة والتلفزيون بعنوان (رحاب) استوقفتني الشارة
واضح أنها قصة حبّ فريدة ..تفاجأت ..فنحن لسنا في زمن الحب بل زمن الحرب
تابعت.. وانجذبت.. وانتبهت إلى دموع تذرف من عينيّ...وبعدما انتهت سألت نفسي:
أنا لست هكذا ..لاأحبّ الدموع..لاأتحرّك بالمشاعر والعواطف ..عقلي وفكري فقط هما دائمآ في عمل مستمر ..ولكن أحسست بأن هذا مانحتاج إليه ونفتقده اليوم في عالم يتحرك بالريموت كونترول ...واسترحت...
إنها قصة حبّ حقيقيّة قدّمها كل من الكاتب قمر الزمان علوش والمخرج خالد الخالد
برومانسيّة ورمزيّة مع أبطال جسدّوها بفاعلية ( ميسون أبو أسعد , وعامر علي )
ربما كنت لاأرغب أن تكون نهايتها نهاية امرأة أحبّت حتى الموت ورأت أن حبّها هو كرامتها وكرامتها هو حبها,ففقدت كلّ الأشياء , لو كنت مكانها لحفظت حبي بصمتي ومحبتي وسأنتصر.( لكنها رؤيّة المخرج ) ولكن في سياقها كم نحن بأمسّ الحاجة بأن نعيد ترتيب أوراقنا من جديد لنبحث عن حقّ في معنى ومعنى في حقّ,نبحث عن إنسانيتنا لقد أصبحنا في زمن نشارك فيه أقرباءنا وأصدقاءنا الأفراح والأتراح برسائل قصيرة بالموبايل أو الايميل متناسين المشاعر الإنسانية التي نحن بحاجة لتبادلها وأن الإنسان روح ونفس كما الجسد . حبّذا لو نبحث من جديد عن جوهرنا عن احتياجاتنا..عن حبّ يملأ كياننا ويعيدنا إلى إنسانيتنا عن رؤيا تجسّد أرواحنا لننطلق في منظومة القيم الأخلاقيّة وقد أصبحت المشاهد الاأخلاقية مألوفة على الشاشات الفضائية أكثر من خبزنا كفاف يومنا .
شكرآ خالد الخالد وقمر الزمان علوش شكرآ( فيلم رحاب ), علنّا ننتظر الأكثر من هكذا أعمال دراميّة سوريّة لأننا في خطورة عولمة الإعلام إن لم نكن نعي ماهي حقيقة الشارات التي تردنا , نحن لسنا ضدّ الشارات ومدّ الجسور والحوار ولكن ربما هناك شارة عندما نتلقاها لن توصل بنا الى برّ الأمان,كثيرآ ماسمعنا عن تحطّم طائرة بسبب شارة رادار خاطئة تلقتّها ,إنها كارثة إن كنّا لانعرف كيف نستقبل تلك الذهنيّات والشارات التي لن تؤدي بنا إلا إلى الغرق في ظلمات المحيطات .
فلنفكّر, ولنعمّق الفهم والثقافة, وتوضيح الرؤيّا, والأهمّ من ذلك :( المحبّة ) إنها الوصيّة العظمى " أن تحبّوا بعضكم بعضا" "لأن المحبّة لاتقتل, لاتحسد,لاتقبّح,لاتسقط " أحبب قريبك كنفسك" وابدأ من: " أحبب إلهك من كل قلبك وفكرك وعقلك" وهي الوصيّة الأولى ,لأن الله محبّة والله ملء الكون... إنها : ( عولمة الحبّ )

المصدر/ منبر الملاذي


شِعرِيّة الصّمت

خيري منصور/ ليس الرسم مجرّد ضاحية نائية للشعر، يقيم فيها اقاربه الفقراء، تماما كما ان الرواية مهما اقتربت من الشعر تبقى كالشجرة التي عبثا تسعى الى عناق شجرة بالقرب منها، وما نسب الى سيموفيدس يبقى الخلاصة او الرّحيق لما تقطّر من شعرية الرسم، فالشعر رسم صامت كما قال والرسم شعر ناطق، وبينهما من الاواصر ما لا تقوى العين المجردة على ابصاره، وهذا ما دفع شاعرة مثل اديث سيتويل كي تكتب عن شاعر أحب شجرة قديمة وظل يرسمها الى ان تحول الى شجرة !
أول مرة اجتذبتني فيها هذه العلاقة الآسرة بين الرسم والشعر، عندما قرأ الراحل يوسف الصائع مقاطع من مجموعة بعنوان “سيدة التفاحات الأربع” وكان يرسم اثناء القراءة فيما يقطر الدمع من اصابعه مثلما كان يرشح من صوته.. خصوصا عندما قال:

حين رشّوا على القبر ماء الوداع الاخير
فتحت عينها ثم راحت تقارن
ما بين تابوتها والسّرير !

كانت الأمسية بمناسبة غياب مفاجىء لحبيبة الشاعر، ولعله كان يحدس بهذا الغياب عندما رثى السيّاب في قصيدة “انتظريني عند تخوم البحر”، فالنذر هو النذر والحجل المبلل بالندى هو الحجل ايضا :

نذرا لو عاد حبيبي معافى
ارقص ارقص حتى يندى الحجل على قدمي
ويسيل الكحل على خدّي ..

ومنذ ذلك المساء المفعم بالنّدى وندف الياسمين وأنا أفكر في هذه الآصرة بين المرسوم والمكتوب شعرا، كلاهما ينهل من النبع ذاته، لكنهما قد يتوازيان ولا يلتقيان شأن العديد من الجيران الخالدين في هذا الكون، وما حاوله نزار قباني في أحد دواوينه وهو بعنوان “الرسم بالكلمات” ليس ما أعنيه في هذا السياق، لأن القصديّة النزارية حالت دون تدفق البراءة الأولى، فبدت الرسوم كما لو انها بأبجدية مُلوّنة، لكن الجذور بقيت حيث هي، نائية ويحتفظ كل منها بشكله وبإيقاعه .
ان اول ما يمكن ملاحظته حول ما قاله سيمونيدس او ما نسب اليه، هو الشاعر الرّسام الذي يزاوج على نحو جدلي وخلاّق بين وسيلتي التعبير باللون والكلمة، وان كان هناك شعراء رسموا باللغة مثل لوركا الذي تبدو بعض المشاهد في قصائده البريّة لوحات ناطقة، ومنها ذلك المشهد للفستان الحريري الذي كلّما خطت به الغجرية سمع صوته وكأن سكين الريح تمزّقه، او شهد ناسجة الراية، التي كلما غرزت الابرة وقد تخللّها خيط احمر، أصبح المشهد جرحا في الهواء، ولوركا لا ينفرد بهذا الرسم لكنه الأبرز والأكثر اجتذابا بسبب سلامة الفطرة لديه، وبكارة الرؤى .

* * * * * * *

يروى عن الرسام زيكسوس انه خدع البشر في مبارزة بالرسم مع زميل له، فالزميل رسم عناقيد فاكهة، سرعان ما هبطت عليها الطيور، وكانت لجنة التحكيم قد طلبت من الاثنين أن يغطي كل منهما لوحته بستارة بيضاء، وما ان كشف الرسام الذي خدع الطيور الستارة عن لوحته حتى حسم الامر لصالحه، لكن اللجنة من باب المجاملة فقط طلبت من زوكسيس ان يرفع الستارة عن لوحته فأجاب بهدوء بأنه لم يرسم سوى السّتارة! وقد لا تليق كلمة خداع بالفن الا بقدر تعلّقها بالبصر ومحدوديته، فالتنافس بين الشاعر والرسام ليس على اصطياد طائر او انسان، بل على بلوغ ذلك الشغاف القصيّ للروح، فالارواح لها عذريتها ايضا وأغشية بكاراتها، ومنها من يعيش قرنا ثم يموت بكرا، وبالعودة الى عبارة سيمونيدس حول الشعر الصامت والرسم الناطق، نجد اننا ازاء نمطين من الصّمت، أحدهما سكوت مطلق والآخر سكوت ملغوم بأصداء لا آخر لها، فالطّلل والقبر صامتان لكن من الطراز الثاني، لأنهما يثرثران طيلة الوقت بلغة تشبه الحفيف، او هما أشبه بتلك اللوحة عن مزهرية فارغة، تذكّرنا طيلة الوقت بالورد الغائب عنها، لهذا فإن شعرية الصّمت ليست العزوف عن كتابة الشعر، بل الانتشاء به وعدم تحويله الى لغة، وهذا ما عبّر عنه على نحو دقيق فالاس فاولي عندما كتب عن السوريالية، فقد رأى ان هناك تجارب عظيمة وبالغة التعقيد قد لا تقبل التحويل فيتم الانتشاء بها، وهو بهذا التحليل يقارب الصوّفية والمشترك بينهما هو الحلول، وثمة تجارب في شعرية الصمت مارسها مبدعون معروفون لكن في نطاق تجريبي وفانتازي، ويروى مثلا عن فرجينيا وولف انها كانت تحاور صديقها بصمت لساعات، فالاثنان يجلسان متدابرين او ظهرا لظهر كما تقول احدى قصائد الهايكو اليابانية لكنهما يحدقان الى البحر ذاته ويصغيان الى الأمواج ذاتها !

* * * * * * *

من النماذج القصدية للشعر الصامت والرسم الناطق ما قدّمه الدادائيون، ومنهم من رسم شراعا بتكرار كلمة شراع فقط، لكن الشراع يتضاءل كلّما اوغل في الابحار بحيث تبدو القصيدة ذات المفردة الواحدة المتكررة بنظام ما كما لو انها تأكل نفسها، ومن النقاد من يرون في هذه الفانتازيا نوعا من الشكلانية التي لا تزدهر الا في خريف الحضارات، وغياب المعنى، ففي الشعرية العربية نماذج من هذا الرسم بالكلمات، منها ما هو على شكل قبر او شجرة او ثعبان، وهناك من يستقرئون اللغة جذريا ولا يقرأونها افقيا فقط ومن يلاحظون ان الرسم هو في الصميم من بعض مفرداتها. وعلى سبيل المثال فإن كلمات مثل موز ولوز وجوز وقوس مرسومة بالانحناءة القوسية ذاتها، لكن هذه ليست قاعدة، تماما كما ان كتابة كلمة عسل بتعاقب معكوس لحروفها تحولها الى لسع، وكلاهما اللسع والعسل من افراز النحل .
انها مفارقات تصلح جماليا ولأسباب أخرى ايضا لاستخدامات قد لا تكون شعرية بالضرورة لكنها بطرافتها وقوة التأويل الهاجعة فيها تغري بالبحث عن مثيلاتها .

* * * * * * *

ان القول بأن فنانا ظلّ يرسم شجرة حتى أصبح شجرة يتجاوز التقمص وحتى الحلول، لأنه يحذف الفارق بين الراسم والمرسوم والرائي والمرئي، وهذا ما فعله الشاعر بول جيرالدي عندما كتب ديوان شعر قال أنه مكرس لحذف الواو في عبارة “انا وحبيبتي”، فالواو مسافة حذفها الصوفي من قبل وتاق الى حذفها الحالمون بالاندماج في ما يعشقون، وأخشى ان يفهم هذا التصور للعلاقة بين الرسم والشعر في البعد المتداول نقديا وعلى نحو يقرب من السّذاجة، فاللوحة لا تقبل الترجمة الى لغة غير لغتها وعناصرها، تماما كالموسيقى، وفي احدى المناسبات طلب من عازف ان يشرح ما اراد قوله من معزوفته فأجاب بثقة ان شرحها الممكن الوحيد هو اعادة عزفها، وكذلك اللوحة، التي لا تشرح ولا تؤوّل شعريا الا بإعادة مشاهدتها !!!

المصدر/ جهة الشعر

طزّ... بقلم د. فهمي هويدي


كانت البداية في أحد مطاعم اسطنبول حين أثار انتباهي أن وعاء الملح كتبت عليه بالأحرف اللاتينية كلمة «طز»، وهو ما استغربت له. ومن باب الفضول حاولت أن أتحرى العلاقة بين الملح والكلمة، التي أصبحت تجرى على لساننا، مسكونة بمعاني عدم الاكتراث والرداءة وقلة القيمة.
لم أجد لها أثرا في قواميسنا اللغوية. وحين رجعت إلى كتاب «المحكم في أصول الكلمات العامية»، وجدت أنها في الفارسية تكتب دز (بكسر الدال) وتطلق على ما هو قبيح أو رديء أو سيئ الخلق. وفى التركية تكتب «طكز» وينطقها العامة طُنز التي تعنى السخرية والهزل. وفى لسان العرب أن الطنز هو السخرية. وقد عربت الكلمة وحرفت إلى طُز، وقالوا لي في تركيا إنهم أطلقوا على الملح كلمة طز للتدليل على تواضع شأنه وقلة قيمته.
سألت أحد أساتذة التاريخ، إذا سلمنا بكل ذلك، فما الذي أوصل الكلمة إلى مصر وأشاعها على ألسنة الناس بنفس المعنى تقريبا؟ رد صاحبنا قائلا إنه في عهد الدولة العثمانية كان جباة الضرائب يحصلونها من التجار عن كل سلعة يبيعونها، ويستثنون الملح لقلة شأنه واستصغارا لقيمته. وإذ أدرك التجار ذلك فإنهم لجأوا إلى حيلة بسيطة للتهرب من الضرائب. إذ أصبحوا يخفون بضاعتهم في قاع أجولة أو أوعية كبيرة ويضعون فوقها طبقة من الملح، لا تظهر شيئا من السلعة المخفية. وحين كان يمر عليهم جباة الضرائب ويسألونهم عما لديهم فإنهم كانوا يشيرون إلى تلك الأجولة والأوعية قائلين: «فيها طز»، مستخدمين مفردات لغتهم التركية. ومنذ ذلك الحين ارتبطت الكلمة بالملح عند الأتراك، وسرت على ألسنة المصريين بالمعنى المتداول في الوقت الراهن.
وانضمت بذلك إلى قائمة المفردات التركية التي شاعت في لغتنا الدارجة، ومنها: كوبرى ــ شراب ــ شنطة ــ أوضه (حجرة) ــ فستان ــ توكه ــ فرشة ــ قفطان ــ أورنيك ــ بقلاوة ــ بومبار (الأمعاء المحشية وينطقونها منبار) ــ ياميش (الثمر الجاف فى التركية) ـ جلاش ــ ماسورة ــ بويه ــ أويمه (للنقش أو الحفر) ــ طابور ــ شلته ــ حنطور ــ جزمة (حذاء) ــ ماهية (الراتب الشهرى) ــ طاسه ــ بسطرمه (ينطقونها باصدرمة) ــ أورمان بمعنى غابة (حديقة الأورمان) ــ جردل (ينطقونها كردل) ــ طقم ــ ضُلمة (المحشى) ــ برش (حصير) ــ ازان (وعاء كبير لغلى الماء) ــ كبشة (المغرفة) ــ كركون (لمركز الشرطة) ..الخ.
ليست المفردات التركية وحدها التي اخترقت خطابنا المتداول، ولكن هناك قائمة طويلة من المفردات الفارسية أيضا (غير الكلمات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية). وهو اختراق كان متبادلا. ذلك أن المفردات العربية التي دخلت على اللغتين التركية والفارسية لا حصر لها. ويقدر بعض الباحثين ان نسبتها فى هاتين اللغتين تتراوح بين 30 و40٪ من المفردات المستخدمة. ولا غرابة في ذلك لأن انتشار الإسلام في تلك البلدان استصحب معه انتشارا للغة القرآن العربية.
يقول مؤلف كتاب المحكم في أصول الكلمات العامية إن «اللغة التي يتكلمها أهل مصر في الآونة الحاضرة (الكتاب مطبوع سنة 1939م) هي اللغة العربية محرفة عن أصولها. خارجة عن قيودها وقواعدها، وإن التحريف في العربية قديم يرجع عهده إلى زمن النبوة.
..لأن اللحن في اللغة ظهر في كلام الموالى والمتعربين آنذاك. فقد لحن أحدهم أمام النبي محمد، فقال عليه الصلاة والسلام «ارشدوا أحدكم فقد ضل».
وإذ يذكر المؤلف أنه إذا كانت مخالطة العرب لغيرهم من الأعاجم من الأسباب الخارجية التي أدت إلى تحريف اللغة، فهناك أسباب داخلية أيضا أدت إلى ذلك. وهذه الأسباب ثلاثة هي:
تعدد اللهجات بتعدد القبائل واختلافها ــ وخصائص اللغة وسننها ــ واتساع اللغة.
بقى أن تعلم أن مؤلف ذلك الكتاب النفيس اسمه الدكتور أحمد عيسى بك، الذي وجدت تعريفا له على الغلاف ذكر أنه:
عضو المجمع العلمي المصري، وعضو بالأكاديمية الدولية لتاريخ العلوم بباريس ــ وعضو المجمع العلمي العربي بدمشق ــ وعضو بالمجلس الأعلى لدار الكتب الملكية، وعضو اللجنة العليا لمتحف فؤاد الصحى ــ هل لدينا أحد الآن يملك مثل هذه المؤهلات؟!

الموضوع منقول من مدونة فهمي هويدي

أمثولة الغراب والغروب!!


بقلم خيري منصور/ ستبقى أمثولة الغراب المغرور إلى الأبد ما دامت هناك نماذج بشرية أساءت فهم العالم بدءا من نفسها، وتضخمت الذات حتى تسرطنت ولم يتضح الفارق بين الشحم والورم كما قال المتنبي في قصيدة عتاب لسيف الدولة.
غراب الحكاية جاع وفرط بكل الفرص حتى لحظة الغروب ، بعدها سال لعابه على ذبابة أو بعوضة ، انه نقيض الإنسان الرواقي الذي تدرب على الاستغناء وقرر أن يجوع ولا يأكل بثدييه ، كما تفعل الحرة ، وقد يكون الغراب تاجرا أو كاتبا أو مجرد إنسان عادي ، لكن استحقاقاته تضخمت حتى صدق نفسه ، والإنسان الذي يكذب على ذاته لا بد أن يصدقها في لحظة ما لفرط التكرار ، عندئذ يكون ضحية هذا التصديق ، واذكر أن شخصية من هذا الطراز قدمها فيلم سينمائي مأخوذ عن رواية بعنوان "شيء من الخوف" ، فقد أعجب هذا التابع بسيده وحاول محاكاته في كل شيء ، لكن الآخرين لم يشاركوه الوهم ، فانتهى إلى مجنون في شوارع البلدة.
لم يكن غراب الحكاية راديكاليا من ذلك الطراز الذي يراهن على الكل او لا شيء ، لأنه لو كان كذلك لتحول إلى أسطورة شأن كل كائنات الأساطير التي دفعت ثمن التمرد والعصيان والحرية بدءا من بروميثيوس الإغريقي حتى سيزيف ، وإذا كان المرء الذي يعرف قدر نفسه يستحق الرحمة ، فان نقيضه يستحق الشفقة فقط ، لأنه اخطأ حين وزن البصل بميزان الماس والذهب ، واخطأ أيضا عندما أدى التحية لنفسه في المرايا ، مثلما اخطأ وهو يلعب الكرة مع نفسه بلا شبكة ليكتشف أن الأهداف التي سجلها كانت ضده وفي مرماه،.
إن الفارق جذري بين العفة والاستغناء واحترام الذات وبين الوهم باستحقاقات تزينها النفس الإمارة بالسوء ، وثمة أناس خسروا كل شيء حتى أنفسهم لأنهم صدقوا أوهامهم ، ووجدوا من يتملق غرائزهم ويورطهم في الغرق ، ولا أظن ان هناك كائنا أكثر تعاسة من نرجس الذي تنسب اليه النرجسية وعبادة الذات ، فقد مات غرقا وهو يحدق بإعجاب إلى وجهه ، ونسي ان هناك في هذا العالم ما يستحق التأمل أكثر من سحنته الصفراء ، لهذا فالبشر محكومون بثنائية الباب والمرآة.. وهناك من تحركت الأبواب لديهم إلى مرايا ، فارتطموا بزجاجها ومكثوا حيث هم ، مقابل آخرين قادتهم الأبواب إلى العالم بكل ما يعج به من أعراس وكوارث ، ومشاهد لا يحول التناقض بينها دون تجاورها وأحيانا تزاوجها،.
إن من يعف ويستغني لا يقول في خريفه وعندما يأزف الغروب آه على ذبابة أو بعوضة ، ويفضل ان يموت جائعا ونظيفا ، لكن من افتعلوا العفة واصطنعوا الاستغناء إيهاما لأنفسهم وللآخرين هم من يقال عنهم بأنهم صاموا وافطروا على قشرة بصلة.
ألم يفعل ذلك ثوريون بدأوا مبالغين وراديكاليين ويصنفون العباد في خانات اليمين ثم افطروا على ذبابة؟.
ألم يفعل ذلك أيضا مثقفون أدانوا العالم كله وبرأوا أنفسهم عندما سال لعابهم على رأس سمكة فاسدة؟.

نقلا عن جريدة الدستور اضغط هنا للذهاب إلى الرابط الأصلي للموضوع