‏إظهار الرسائل ذات التسميات كلام في الفن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كلام في الفن. إظهار كافة الرسائل

الفن المعاصر والصورة المتحركة


ترجمة وإعداد: أحمد بجاي/ يهيمن الفلم والفيديو على الحياة الفنية الراهنة ليشكلا العمود الفقري لها, واحيانا يجد المرء ان هذا امرا غريبا وشاذا, ولايكمن وجه الغرابة في انهما احتلا مكان الصدارة في الفن المعاصر نظرا لما لهذا الحجم الهائل من الصور المتحركة التي نراها يوميا في التلفاز او السينما او الحاسوب وما الى ذلك وانما في المدة الطويلة التي استغرقها لبلوغ هذه المنزلة التي يحتلها اليوم.
سمي قرن العشرين بقرن الصورة المتحركة, ولاشك ان الفلم اكتشف في عام 1895 ولكنه وصل للجمهور العريض في بداية القرن العشرين. 1935 بدأ البث التلفازي التجريبي في الولايات المتحدة, وبعد عقدين من الزمن بدا البث الفعلي في جميع انحاءالولايات المتحدة, اما في اوربا الغربية فتأخر ذلك عقدا آخر. 1965 اطلقت شركة سوني اول كاميرة فيديو محمولة للاسواق. 1970 اصبح البث التلفازي الملون واستخدام اشرطة الفيديو امرا شائعا. 1980 ظهر جهاز عارضة الفيديو فوق الرأس( بروجكتور) في مهرجانات الفيديو وقبيل نهاية القرن بدأت عملية معالجة وعرض الافلام في الحاسوب الشخصي ووسائل التخزين الرقمية كقرص الدي في دي. 1996 اطلقت شركة سوني اول كاميرة فيديو رقمية يدوية محمولة ( ديجتال) وبنفس الوقت انتشرالفيديو الرقمي "الديجتال" على شبكة الانترنت التي اخذت بالانتشار الفعلي عام 1994.
ومع ذلك لم يكن القرن العشرين فقط قرن الصورة المتحركة ولكن ايضا اطلق عليه الباحث الالماني والتر بنيامين في مقالته الفنية الكلاسيكية اسم " عصر الاستنساخ ".
هذه الوسائل الاعلامية الاستنساخية كالتصوير الفوتغرافي والفلم والفيديو والتلفاز والمكتشفات الفنية الاخرى كمكائن الطباعة واجهزة الاستنساخ والفاكس والبريد الالكتروني جعلت من الممكن انتشار واستنساخ النصوص والصور بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ.
لم يتخذ فن التصوير موقفا محددا من هذه النزعتين ( الاستنساخية والمكتشفات الفنية) في العقود الخمسة من القرن العشرين لانه كان, وحسب التقليد, يتعامل مع الصورة الساكنة, وكذلك كان موقف التيارات الفنية الرائدة كالتكعيبية والمستقبلية والسريالية وهلم جرى رغم تأثر المستقبلية والتكعيبية بالصورة المتحركة.
واجه فن التصوير مؤخرا صعوبة بالغة في الاعتراف بقيمة ومكانة الوسائل الاستنساخية مثل التصوير الفوتغرافي والفلم والفيديو على الرغم من تأكيده على المصداقية والتفرد في تنفيذ واستنباط العمل الفني من وحي الاصل. للتصوير الفوتغرافي قيمة واطئة بعض الشيء لغاية العقد الثمانيني من القرن العشرين وكذلك الفلم حتى وصفه الناقد الاميركي ميخائيل فريد في الستينيات " لايصنف الفلم كنوع فني حديث", بالاضافة الى خوف الفنانيين المزمن من التكنلوجيا التي انتجت الفلم والفيديو, ولكن تفهم العالم الفني للصورة المتحركة بدأ بالازدياد الى حد ما في العقد الاخير من القرن العشرين.

الفيديو امام التلفاز وهوليود
كانت هناك اسبابا آخرى لصعوبة ولوج الفيديوالى عالم الفن, منها سهولة استنساخ شريط الفيديو وهشاشته مما جعل المتاحف والمقتنين في حالة ترقب وانتظار, وايضا كان التلفاز في العقدين الستيني والسبعيني ذومكانة فنية واطئة لينظر اليه الجمهور كبالوعة مهملة.
من الناحية العلمية كان هناك تقاربا اكثر بين الفيديو والتلفاز حيث انهما يعرضا 25 صورة في الثانية في حين يعرض الفلم 24 .
بدأ الفنانون والجماعات الفنية الذين اشتغلوا على الفيديو انذاك بالابتعاد عن التلفاز او صياغة رؤية جديدة لتوظيفه في العمل الفني كالفنان نام جين بيك وولف فوستل ودان جراهام وجماعة آنت فارم وفلوكوس ومن اشهرها عمل جماعة آنت فارم " حرق وسائط الاعلام" 1975 الذي يصور سيارة نوع كاديلاك تسير بسرعة عالية لتصطدم بجدار أجهزة التلفاز المتفجرة, وكذالك دعى الفنان الالماني جيري شوم الفنانين لعرض اعمالهم التلفازية في جاليريه الخاص عام 1968.
كانت افلام هوليود في تلك الحقبة الزمنية ايضا على الضد من فن الفيديو حيث اتخذ الفيديو طرحا آخر في عدم السرد المفصل والمتسلسل للأحداث مرتكزا على الابتعاد عن السخرية وتصوير حالة بصرية واحدة معينة محددة بزمن محدد.

براءة الفيديو والظواهر الفنية الحديثة
من الغرابة تميز الفيديو في العقد الستيني والسبعيني بالرغبة الجامحة لدراسة خواص وصفات الفيديو كمشروع فني حداثوي في الوقت الذي وصلت فيه الحداثة الى مراحلها الاخيرة ويبدو هذا طبيعيا من ناحية اخرى فيما يتعلق بدراسة وتجريب الوسائل التعبيرية الجديدة ومن اشهر فناني تلك المرحلة وودي فاسيكا وآن صوفي سيدين وجاري هيل وبيل فيولا ونام جين بيك.
هناك اسلوبا شائعا في اطار استخدام وتوظيف الفيديو يدعى " الدائرة المغلقة" التي يعتمد على كاميرا ثابتة تصور بشكل مباشر شكلا معينا على الشاشة في نفس المكان وعمل الفنان نام جين بيك " تلفاز بوذا" 1974 خير مثالا على ذلك والذي يمثل البذرة لفن تركيب الفيديو اليوم.
لم يكن الفيديو ظاهرة منفصلة عن الفن المعاصر على الرغم من عدم اطلاق مفهوما محددا عليه ولكنه عومل كالظواهر الفنية الاخرى كالمفاهيمية مثلا, ليشكل مفصلا مهما من تاريخ الفيديو المبكر.
كاميرة الفيديو
عندما حصل نام جين بيك على كاميرته الاولى نوع بورتاباك يابانية الصنع عام 1965 شكلت تلك دخول وسيلة تعبيرية جديدة الى عالم التشكيل, على الرغم من استخدامه الفيديو والفلم معا على الضد من ماسبقه اليه من الفنانين الآخرين الذين استخدموا فلم 16 ملم في بداية العقد الستيني.
كانت كاميرة بورتاباك بدائية في اخراج وجودة الصور في الاسود والابيض على عكس الفلم الذي تفوق على الكاميرا ولكن سهولة استخدام الكاميرا وطول شريط فلم الفيديو مقارنة مع لفافة الفلم وايضا رخص الكاميرا جعل منها وبسرعة سلعة شعبية رائجة. اصبحت العلاقة اليوم بين الفيديو والفلم هادئة.
ستيف ماك كوين صور اعماله بفلم 16 ملم ولكنه يعرضهم كفيديو وايضا ايجا ليسا اتيلا استخدمت فلم 22 ملم ولكنها عرضت عملها كفيديو منقول الى دي في دي. كانت امكانيات التقطيع والتصحيح الاخرى بدائية وباهضة الثمن لذلك كانت القيمة الفنية لافلام الفيديو الاولى متدنية, ويوجد اليوم عدد غير قليل من الافلام مهددة بالتلف بسبب سمك شريط الفيديو وهناك جزء من افلام العقد الستيني في حالة رديئة جدا يصعب انقاذها.

اشكال التقديم
عرضت افلام الفيديو على شاشات التلفاز في العقد الستيني والسبعيني في مهرجانات الفيديو في حين اتخذت الجاليريات وصالات العرض الرسمية والمتاحف ومقتني الاعمال الفنية موقف المراقب المتردد لتطور هذه الوسيلة الجديدة, حتى العقد التسعيني.
استخدمت عارضة الفيديو ( بروجكتور) لأول مرة في العقد الثمانيني حيث كانت كبيرة الحجم وبدائية الصنع وغالية الثمن ولم تكن البيئة حينها مناسبة للفيديو كما كانت للتصوير الفوتغرافي مثلا, ومع هذا اقتنى المتحف الحديث في ستوكهولم السويدية مجموعة اعمال فيديو وفلم .
اشتهر الفيديو على مستوى عال في العقد التسعيني بظهور الكاميرا الرقمية 1996 مع امكانية وسهولة تقطيع وتصحيح الافلام بواسطة الحاسوب الشخصي, علاوة على رخص الثمن ادى الى ابتعاد الفيديو عن الهامشية ليكون جزءا مؤثرا في الفن المعاصر.
توجد عارضات الفيديو في كل الاحجام مما سهل عملية الابداع والخلق كما في معرض الفنان بيبيلوتي ريست على صالة متحف الفن الحديث في باريس 1999 حيث دمج الفيديو مع مكونات اخرى كالكتب وجدران وسقف صالة العرض.
الفيديو التركيبي والبروجوكترات ليست معقدة الاستعمال ورخيصة الثمن مما شجع فنانين كايجا ليسا اتيلا 1998 و ماتس يلم 2002 وويرت مال 1999 لرفع فن الفيديو لمستويات جديدة.
مستوى وعدد اعمال الفيديو يشير ربما الى تفوقه الواضح على الانماط الفنية الأخرى بما له من ميزات فنية ساخرة عالية وتقنية متقدمة وكذلك انواع البروجكتورات والغرف الخاصة لكل عمل, ليجعل منه جزءا مهما وحيويا في الفن المعاصر.

انتاج مابعد الحداثة
تغيرت علاقتنا مع الصورة المتحركة والفيديو بظهور اشرطة الفيديو في سبعينيات القرن الماضي, حيث كنا قبل هذا التاريخ نذهب الى السينما او نشاهد التلفاز دون ان نكون مؤثرين, يبدأ الفلم ويصل لذروته ثم ينتهي, ولكن اشرطة الفيديو غيرت الحال بشكل جذري بحيث اصبح للمشاهد القدرة على اعداد ومعالجة الافلام والفيديو.
دوجلاص جوردان قال ان اشرطة الفيديو, تحديدا, الهمته طريقته في تنفيذ اعماله, وهناك عدد من الفنانين الذين عملوا على تنفيذ اعمال فيديو او فلم جديدة انطلاقا من افلام كانت موجودة مسبقا كدوجلاس جوردان وجون جريمونبيرس وآرني سالا وغيرهم.
عموما يمكن القول ان فن الفيديو يقترب من السينما من ناحية طريقة العرض وليست التقنية حيث نرى انهما يشتركان في قماشة شاشة العرض الكبيرة والفضاء المظلم وحتي الكراسي المريحة.
اما من الناحية التقنية فنادرا مانرى عروض سينمائية فنية تعرض بواسطة بروجوكتور الفلم وليس بعيدا ان نرى مستقبلا استبدال دور السينما بروجوكتوراتها القديمة الى بروجوكترات الفيديو التي تعطي جودة عالية للصورة المتحركة.

المصدر/ أدب وفن

رقص على إيقاع الدوغما.. قراءة في الفيلم الدنماركي رقص في الظلام

اوروك علي/ يعد فيلم رقص في الظلام واحدة من السيمفونيات البصرية، التي عزفت بأنامل الساحر الدنماركي ( لارس فون تيرير). حيث حاز هذا الفيلم على جائزة السعفة الذهبية لمهرجان كان/ 2000 يقدم هذا الفيلم ثيمة ضياع الحلم الانساني على الأرض الأمريكية، حلم الهجرة إلى الفردوس المفقود.. وجاء فضاء الثيمة الإنسانية واحتداماتها بمثابة بوتقة لسيمفونية سمعية - بصرية امتزجت فيها الميلودراما بالتشكيل البصري مؤطرا بالموسيقى والغناء والرقص، كما قدم تراتب التصاعد الإيقاعي للصراع تحت يافطة الوصايا العشر لجماعة الدوغما والتي يشكل( لارس فون ) عرابها والأكثر شهرة وإبداعا على المستوى العالمي..

الثيمة الفيلمية
تدور إحداث الفيلم في واشنطن وفي حقبة ستينات القرن العشرين.. تلعب المطربة الأيسلندية بيورك (الحائزة على جائزة أفضل ممثلة في فيلمها الأول هذا) شخصية سلمى - الدور الرئيسي - وهي المهاجرة التشيكية إلى الحلم الأمريكي، حلم الخلاص الفردوسي ، حيث تعمل في مصنع الأدوات المنزلية . يقف إلى جانبها إنسانيا وزميلتها في العمل كاتي الفرنسية المهاجرة( كاترين دينوف) .. وتعتبر مرحلة الستينات هي مرحلة التحولات الاقتصادية الأمريكية الكبرى، حيث تتشكل بمثابة الحلم السرمدي للمهاجرين الحالمين بحياة أفضل.. كما تمثل سلمى نموذج المهاجر القادم من العالم الشيوعي قبل انهياره المدوي، بينما تمثل( كاتي ) نموذج العالم الرأسمالي القديم أو أوربا العجوز - كما يسميها الأمريكان - . وبذلك يتشكل على الأرض الأمريكية فعل التلاحق الحضاري وبناء عالم جديد.. لكن الفيلم يقدم شخصية ( سلمى) المصابة بمرض وراثي يؤدي إلى فقدان البصر التدريجي ، هي الحالمة بالمال لانقاذ ابنها الوحيد والمصاب بذات مرضها الوراثي والتي أنجبته تحت حاجتها الإنسانية للاحساس بالأمومة حسب تعبيرها في الفيلم.. وفي الجانب الآخر يقف الشرطي الأمريكي بيل ( ديفيد مورس) وزوجته.. اللذان يقومان برعاية ابنها إثناء نوبة عملها .. وتحت ضغط نزوات زوجة الشرطي ونزعتها الاستهلاكية يقوم الزوج( الشرطي) بسرقة مدخرات ( سلمى ) النقدية بما وفرته من عملها المضني .. يقتل الشرطي من قبل سلمى أثناء محاولتها استرداد مالها، لكن شهادة زوجة الشرطي القتيل المزيفة - تحت القسم - تقود سلمى إلى حبل المشنقة ولتنقذ عيني ابنها بمساعدة صديقتها ( كاتي) وصديقها ( جيف) .. ثمة خط درامي لمشاعر الحب بين ( سلمى) وصديقها ( جيف) ( بيتر ستورمار) والتي تكبتها( سلمى) من اجل التفرغ لانقاد ابنها المريض.. أما خط المسار الموسيقي فهو يكشف عن موهبة ( سلمى) الغنائية، حيث تقوم بالتدريب لتقديم مسرحية غنائية راقصة بعنوان ( صوت الموسيقى ) وهكذا يمزج المخرج الخطوط والمسارات والعناصر ليقدم افقا كليا ويصنع فضاء فيلمه بالتعدد والتنوع كاشفا عن الطاقة الخلاقة لصنع خطابه الفيلمي ودهشته .. ومثلما بدء الفيلم من نقطة سوداء ينتهي بذات النقطة للإيحاء الدلالي بعتمة الحلم بالعدالة الانسانية ..

خصائص الفيلم ووصايا الدوغما
يقدم المخرج فيلمه ناسجا تعدد خطوط الصراع الدرامي وتنوع الفضاءات السمعية والبصرية . فعلى مستوى الموسيقى يقدم كيفية توظيف المناخات وعناصر البيئة والواقع في الموسيقى ، حيث استخدم أصوات المكان وأدواته مثل آلات المصنع وصوت القطار ومفاتيح الزنزانات واحتكاك أقلام الرسامين في المحكمة.. الخ ضمن مسارات اللحن والايقاع الموسيقي والصوري كما هو الحال في تصميم الرقصات وسينوغرافيا المشهد الراقص.. وهكذا يندمج وينصهر الفضاء المكاني ليشكل عنصرا من عناصر الأغنية والرقصة ،كما توظف عناصره بصريا وهذا مايتجسد في المصنع والمحكمة محققا المستوى ألحلمي الذي يكسر تقليدية المكان الواقعي المعاش.. إن ماصنعه( لارس فون) من إدهاش فيلمي كلي يعتمد على تعدد عناصر خلق الدهشة وصولا إلى ذروة (لبيدو) المتعة الجمالية السمعية - البصرية.. وتبقى الخاصية الرئيسية في هذا الفيلم متجسدة من خلال تطبيقات وصايا الدوغما، والتي أهمها استخدام الكاميرا المحمولة وتجنب القطع المونتاجي وقوانينه الكلاسيكية ، معتمدا على دوران الكاميرا وحركاتها وانتقالاتها بين الأماكن والشخصيات بالاضافة إلى الاعتماد على إضاءة المكان دون استخدام أجهزة الاضاءة السينمائية التقليدية( البروجكترات) .. إن انبثاق الأفق التنظيري لهذه الجماعة السينمائية وتطبيقاتها الإخراجية هي مزيج من تجارب واستخلاصات (ما قبلية) كمعطيات السينما السرية والسينما المباشرة والواقعية الايطالية( مثل المخرجين فليني وانطونيوني) والواقعية الفرنسية الجديدة ( مثل المخرجين جودار وتروفو) مع تصعيد تراتبي جمالي وفكري (مابعدي) خلق خصوصية إبداعية لهذه الجماعة.. ولابد من التنويه بان اختيارالرقم عشرة لوصايا هذه الجماعة يمتلك تماثلا وخيطا مرجعيا يناظر ويرتبط دلاليا بوصايا السيد المسيح العشر، وبما يمنح هذه الوصايا لدى الجماعة قدسية وفضاء كهنوتيا غير مرئي لهم..

عنوان الفيلم/ راقص في الظلام
سيناريو واخراج/ لارس فون تيرير
تمثيل/ المطربة الايسلندية بيورك، كاترين دينوف، ديفيد مورس
تصميم الرقصات/فينيست باترسون
تصوير/ روبي موللر

المصدر/ موقع ادب وفن

"فجر العالم"...الحب فلك النجاة في زمن الحرب


بقلم: رانيا عقلة حداد/ حين يحاصرك تدرك قيمة الحب الذي يتراءى حينها كحلمٍ بعيد أشبه بسراب يلوحُ في الأفق، في ظل هذه الأجواء تدور أحداث الفيلم العراقي "فجر العالم" إنتاج 2009،
والذي عرض مؤخرا في عمان ضمن إطار مهرجان الأفلام الفرنسية العربية. في منطقة الاهوار جنوبي العراق تنشأ حكاية حب بين زهرة وابن عمها مستور، وتتطور هذه العلاقة بين حربي الخليج الأولى والثانية إلى أن يتزوجا مع بداية حرب الخليج الثانية، تماما في الوقت الذي يُطلب فيه من مستور الالتحاق بالجيش، لتحول الحرب دون بقاء الحبيببين معا، من ثم ليترك موت مستور أثناء الحرب، جرحا عميقا في قلب زهرة لن تتجاوزه بسهولة.
"فجر العالم" أول عمل روائي طويل للمخرج عباس فاضل، الذي صوّر أحداثه في مصر بعيدا عن بيئة الأحداث الطبيعية في الاهوار جنوب العراق لصعوبة التصوير هناك تحت الاحتلال، فأقام جزيرة وهمية في منطقة قريبة من بور سعيد لتحاكي اهوار العراق، واستعان بطاقم ممثلين عرب ودربهم على اللهجة العراقية الأمر الذي شكل حاجزا بين الفيلم والمتلقي العراقي الذي لم يرَ فيه انعكاسا لا لنفسه ولا لهجته ولا لبيئته، مع الأخطاء الكثيرة في اللهجة من قبل الممثلين العرب وكذلك مع عدم الالتزام في دقة تفاصيل المكان وبعض التقاليد المرعية هناك، الأمر الذي لم ينكره المخرج إنما عزاه للظروف الإنتاجية، التي لم تمكنه أيضا من تنفيذ عملية تفجير اللغم في قدم مستور بشكل احترافي ومقنع، لكن حال الفيلم كحال عدد كبير من الأفلام ذات الإنتاج المشترك مع دول أجنبية، حيث رسالة الفيلم تهتم بمتلقي غير عربي وموجهة بالدرجة الأولى نحوه، لتأكيد القمع الذي وقع على العراقيين في عهد صدام حسين، وان قرار الحرب التي خاضها الرئيس لم تكن برغبة الشعب، هذا ما يترجمه فرار الكثير من شباب الاهوار - في الفيلم- إلى إيران كي لا يشاركوا في الحرب، أما مستور فقد امتثل مرغما للأوامر، وفي نهاية الفيلم تم إبادة اغلب سكان تلك الاهوار، فلم يبقَ إلا طفل يتيم، وأم مستور، وأرملته زهرة، ورياض -الرفيق الذي تعرف عليه مستور أثناء الحرب- وأودعه وصيته قبل أن يموت بان يهتم بزوجته زهرة ويتزوجها كي يحميها، عدة أمور لم تكن مقنعة في مشهد مشاركة مستور في الحرب وموته منها؛ مستوى أداء الممثلين، وحجم الإصابة التي تعرض لها مستور، التي لم تكن على درجة من الخطورة بما يكفي كي تفضي إلى موته، لكن المخرج أرادها كذلك، كما أراد ترك مسافة زمنية بما يكفي تماما كي يخبر رفيقه رياض بوصيته ثم يموت.
يذهب رياض إلى الاهوار ليبلغ أهل مستور بوفاته، وعندما يرى زهرة لأول مرة تلمس قلبه بالحب، فيبذل جهده كي يجد مكانا له في قلبها، لكن زهرة لا تستطيع تجاوز فقدها لمستور، وبالتالي القبول برياض في حياتها، إنما تمضي في حزنها، ويمضي رياض -ابن مدينة بغداد- في سعيه لتحويل مشاعرها، فيبقى فترة من الزمن في تلك الاهوار، ويتعرف أكثر على ناسها وحياتهم، لكن رغم ذلك لا يبدو أن شيئا سوف يتغير في خيار زهرة، إلى أن تأتي تلك اللحظة، حين يضغط احد رجال الاهوار على زهرة كي تتزوج منه، رغم ارتباطه بامرأة أخرى، إذن هذا هو الحدث الذي يختاره المخرج كي يجعل زهرة توافق على رياض، وتبدأ مشاعرها بالاتجاه نحوه، لكن بالنسبة لنا كمشاهدين لا يشكل هذا الحدث دافعا كافيا أو مقنعا كي نفهم ونتقبل هذا التحول الكبير في شخصية وقرار زهرة، وهي التي تجمعها ذاكره طويلة مع مستور ليس من السهل إسقاطها هكذا، ولم يكن هناك بالأصل ما يمنعها من رفض الجميع والبقاء بمفردها، غير أن المخرج أراد هذا.
لم يكن اختيار منطقة الاهوار من قبل المخرج عبثا، فللمكان أهمية تنبع من خصوصيته التي تم توظيفها على نحو يخدم فكرة الفيلم بشكل جيد، فالاهوار جزر صغيرة متباعدة محاطة بالمياه، لا يمكن الانتقال منها وإليها إلا بواسطة القوارب، وهي بدورها تعطي للمشاهد إحساسا بأن المكان قصي ومعزول عن العالم وعن مظاهر الحياة المدنية والرغدة، كما أن الاهوار محاصرة بالمياه من كل جانب تماما كما يحاصر الموت الإنسان وينقض عليه، وهذا ما تفعله الحروب... وفي نهاية الفيلم لا ينجو إلا أربعة أشخاص فقط من الإبادة الجماعية التي نفذتها قوات صدام حسين في أهالي الاهوار بسبب تمردهم، وعلى هؤلاء عبء البدء من جديد، فتبدو هنا الجزيرة كما لو أنها فُلك نوح الذي صمد أمام الطوفان، ومن نجا سيكون نواة تؤسس لحياة أو لفجر جديد للعالم عماده الحب.
اما الشريط الصوتي في الفيلم يغلب عليه الصمت والهدوء الذي يلف المكان، فلا يكسر الصمت إلا صوت الحوار وصوت التجديف أو محركات القوارب التي تفرض قسوة ما على الجو العام من حين إلى آخر، وتخلق إحساسا بان ثمة هدوء وبراءة يتم انتهاكها والتعدي عليها وهو بذلك يخدم تماما فكرة الفيلم، لكن توظيف أغاني فلسطينية في الفيلم كانت فكرة غير موفقة، فتلك الأغاني وان كان مضمونها مناسب للفكرة، إلا أنها بعيدة تماما عن هوية المكان وشخصياته فبدت كعنصر يساهم في خلق نوع من التغريب الذي لا يتفق وأسلوب العمل ككل، من ناحية أخرى الحوار المكثف والبعيد عن النبرة البكائية كان احد العناصر الجيدة والموفقة في الفيلم، لو أن المخرج لم يوجه ممثليه على نحو تبدو معه انفعالاتهم مبالغ في هدوئها للحد الذي لا يمكن للمتلقي أن يصدقها، وإنما تخلق حاجزا بينه وبين أدائها، فالحزن والهدوء يبدو هنا مزاج عام يسود ويحكم أداء وانفعالات جميع الشخصيات، دون أن يظهر أي تمايز بينها حتى في حزنها، كما لو أن مستوى واحد للصوت قد تم ضبطه ومراقبة عدم تجاوزه، وملامح تعبير محددة مرسومة مسبقا للجميع، هذا الأسلوب في توجيه الممثلين عنصر آخر يفضي أيضا إلى التغريب، وهو في تقديري لا يتفق مع الأسلوب العام للفيلم الذي لا يتجه إلى خلق مسافة بين المتلقي وما يشاهده بهدف تحريض عقله على التفكير بما يراه، إنما يتجه نحو التأثير على عاطفة ومزاج المتلقي من خلال المزاج الحزين، والإيقاع البطيء، والهدوء الذي يسود الفيلم، فيخرج المتلقي وهو تحت تأثير هذا المزاج والإيقاع.
"فجر العالم" في طريقة تناوله ومعالجته لموضوع الحرب، يشبه لحد بعيد عدد لا بأس به من أفلام أجنبية مناهضة للحرب، على وجه الخصوص تلك التي تناولت الحرب العالمية الثانية، حيث الاتكاء على المقابلة بين الحياة والموت، ووضعهما في توازِ كندين: لا تُدرَك قيمة الأول إلا بحضور الثاني، فليس أعمق تأثيرا من قصة حب حميمة تنمو بين رجل وامرأة في زمن الحرب، ومن ثم، بعد أن نشاركهما كمتلقين لحظات الحب والدفء، يذهب احدهما ضحية تلك الحرب، لنختبر بعدها قسوة الموت، وبشاعة الحرب، وفداحة الخسائر التي من الممكن أن يتكبدها المرء بسببها، هذا التقابل يجعلنا ندرك قيمة الحياة، فنغدو أكثر تمسكا بها وبالحب الذي يمنحها ألقا خاصا.
رغم أن "فجر العالم" لا يقدم كفيلم ما هو جديد على مستوى المضمون والمعالجة، إلا أنه يتميز بإدارة تصويره، وبإضاءة، وتكوينات كادر جيدة ومدروسة ومعبرة.

نقلا عن مجلة الفوانيس السينمائية

"شجرة ليمون"...تكريس صورة المُقاوم كإرهابي


في ذلك النهار كانت الأرملة الفلسطينية سلمى (هيام عباس) بطلة الفيلم الإسرائيلي "شجرة ليمون" إنتاج 2008 ، على موعد مع صراع عند تخوم بيّارة الليمون التي هي كل ما تمتلك، وكان وزير الدفاع الإسرائيلي هو الطرف الآخر في الصراع، وحظ سلمى العاثر جعلها في مواجهته، عندما قرر أن يستقر وزوجته في بيت جديد بمحاذاة بيارتها، فأصدر قرار بإزالة أشجار بيارة سلمى بما قد تُشكل خطرا على أمنه، حيث من الممكن أن يتسلل من خلالها إرهابيون.
منذ تلك اللحظة ستبدأ سلمى بمساعدة المحامي رحلتها في الدفاع عن حقها والإصرار على حماية أشجار الليمون التي ورثتها عن أبيها من أن تُخلع، والتي تشكل مصدر رزقها الوحيد.
هذا الصراع الذي تقدمه كاتبة النص الفلسطينية "سهى عراف" والمخرج "عيران ريكليس"، المحسوب على اليسار الإسرائيلي، من المفترض أنه يكتسب أهميته بما يمثل على نطاق أوسع الصراع العربي الإسرائيلي، وحيث حال سلمى يشبه حال الشعب الفلسطيني الأعزل الذي تم احتلال أرضه بالقوة، فإن تنتصر سلمى لبعض حقها في نهاية الفيلم وتكسب قضيتها ولو جزئيا، قد يُقرأ على أنه بارقة أمل تضع الأمور في نصابها حيث لا بد أن يعود الحق لأصحابه الفلسطينيين إن هم تفانوا بالدفاع عنه، الأمر الذي جعل الكثير من الكتاب العرب يهللوا للفيلم، بعد عرضه الأول في برناله الـ 58، كما رحب الغرب بالفيلم أيضا باعتداله في تقديم صورة العربي والإسرائيلي والصراع الدائر بينهما.

بقلم/ رانية عقلة حداد نقلا عن/ الفوانيس السنيمائية

لكن عند إلقاء نظره أعمق ستتضح من خلالها معالم أخرى مغايرة لتلك التي هلل لها هؤلاء الكتاب العرب، معالم يجب الالتفات لها وعدم إغفالها، أهمها حين يُقدَم وزير الدفاع الإسرائيلي كإنسان متفهم لعلاقة سلمى- تلك المواطنة الفلسطينية البسيطة- بأرضها وأشجارها، إلا أن تحقيق أمنه الشخصي أولوية تحتم عليه وتدفعه مرغما لاستصدار قرار يلحق الضرر ببيارتها التي من الممكن أن يختبئ فيها الإرهابيون الفلسطينيون، ثم تمضي الأحداث بالتركيز على نضال سلمى في الحفاظ على أشجار الليمون وترك فكرة الفلسطينيين الإرهابيين كتفصيلة غير رئيسية إنما كحقيقة مفروغ منها للمشاهد، وبذلك وهنا المهم يكرس صناع الفيلم صورة المقاومة والمقاومين الفلسطينيين الذين يدافعون عن حقهم وأرضهم المحتلة كإرهابيين، وبأن الإسرائيلي هو صاحب الحق في هذه الأرض وليس المُغتصِب بالتالي من البديهي أن تكون أولوياته حماية هذا الحق وحماية نفسه من هؤلاء الناس، وفي الطريق قد يتضرر فلسطيني أو إسرائيلي فليس المقصود هنا إلحاق الضرر بسلمى لأنها فلسطينية على أساس التمييز العنصري، فلو كانت إسرائيلية ولديها بيارة كهذه تشكل خطرا على الأمن سيستصدر نفس القرار بحقها.
ولعل الممثلة هيام عباس أصابت من حيث لا تدري – أو تدري- حين تحدثت في إحدى أمسيات عرض الفيلم فقالت: " إن قصة الفيلم يمكن أن تحدث في أي مكان في العالم"، وهذه نقطة أخرى مهمة حيث الصراع بين سلمى والحكومة الإسرائيلية، لا يٌقدَم كصراع له خصوصيته بين إسرائيلي محتل قوي، وبين فلسطيني صاحب حق مُغتَصب وضعيف، إنما كصراع عادي يحدث في ظروف طبيعية في أي يوم، وفي أي بقعة من العالم بين أبناء الوطن الواحد، بين مواطن بسيط لا ظهر له يسنده، وبين أصحاب نفوذ في حكومته الوطنية، وبذلك انتصار سلمى بالنهاية هو انتصار لهذا الإنسان البسيط، وبالتالي هنا تتجلى عدالة ونزاهة القضاء الإسرائيلي عندما ينتصر للحق وللإنسانية.
كما يُجمّل الفيلم صورة المُحتَل ويزوقها بتقديمه تارة كإنسان رقيق وحساس مثال ذلك زوجة وزير الدفاع المتعاطفة مع سلمى والتي تساندها في قضيتها، وتارة أخرى بتقديمه كإنسان لا يهمّه سوى إبراز الحقيقة مهما كلف الأمر، مثال ذلك الصحفية الإسرائيلية التي سعت إلى إبراز قضية سلمى في الصحف الإسرائيلية وتقديمها بشكل موضوعي دون تحيز أو تمييز مما أدى ذلك إلى إحراج وزير الدفاع أمام الرأي العام.
في أحد المشاهد تحاول زوجة الوزير الإسرائيلية المبادرة بكسر الحاجز الأمني والنفسي مع الآخر العربي بالذهاب لزيارة سلمى، لكن يحول رجال الأمن الإسرائيلي دون نجاح هذه المحاولة، في المقابل سلمى تذكر بودّ كيف إن زوجة الوزير اعتذرت عن محاولة سرقة الليمون في ليلة الاحتفال الذي أقامه زوجها الوزير في بيته، وغير ذلك هناك الكثير من الإشارات الجلية في الفيلم لتقديم فكرة التعايش كفكرة ممكنة وحل معقول لكلا الطرفين وعليهما أن يستجيبا لها، وإلا بالنتيجة سيعيش كل طرف من جهته في عزلة تامة كما يصورها المشهد النهائي في الفيلم، حيث يرتفع جدار الفصل العنصري عاليا ويعزل سلمى كما يعزل وزير الدفاع الإسرائيلي تماما، بالنتيجة القضية والمشكلة كما يطرحها اليسار الإسرائيلي تكمن فيما يسميه "الإرهابيين" – المقاومة الفلسطينية الشرعية- فـ"بقاؤهم" سيحول دون التواصل العربي الإسرائيلي والعيش بسلام معا، وكأن القضية ليست بالأساس تكمن في وجود كيان إسرائيلي لا يمتلك الشرعية ولا الحق في الوجود على هذه الأرض الفلسطينية وأنه هو –الكيان الإسرائيلي- السبب في كل هذا الدمار وهو أصل المشاكل.